اللبنانيون يستقبلون شهر رمضان بغصة

كلفة الإفطار للفرد الواحد وصلت إلى 12 ألف ليرة

بيروت: لم يعد الطابع الرمضاني يطغى على أجواء لبنان كما كان سابقا، ذلك أن عادات وتقاليد هذا الشهر تغيرت وتبدلت، وبقيت قلة قليلة من الناس تهتم بالبعض منها، وكثيراً ما تسمع منهم عبارات مثل: «رمضان الشهر المبارك الذي نعيشه اليوم غير رمضان الذي في ذاكرة الطفولة، الله يرحم أيام زمان»؛ فالأزمة التي يمر بها لبنان قلبت كل المقاييس، إذ باتت نسبة الفقر تتعدى 70 في المائة والبطالة قاربت 50 في المائة من القوى العاملة، والمواد الغذائية الأساسية ارتفعت أسعارها خمسة أضعاف بعدما تجاوز سعر الدولار 14500 ليرة، ومع أن الدولار عاد وانخفض إلى 12500 ليرة إلا أن الأسعار لم تنخفض.

يسترجع أهالي بيروت عادات رمضان القديمة، التي تبدأ مع احتفالات النصف من شهر شعبان، ويقولون إن العادة القديمة تعود إلى العهد العثماني في بيروت، وما إن يتم إثبات رؤية هلال شهر رمضان المبارك حتى تطلق المدفعية المرابطة في الساحة المجاورة لما كان يعرف بـ«القشلة»، مقر السرايا الحكومية الحالية في وسط بيروت، 21 طلقة لإعلام الناس ببدء شهر الصوم، فيقبل الأهالي على تهنئة بعضهم بقولهم: «هلّ هلال الشهر، شهر مبارك على الجميع»، وكانت تزين الساحات العامة والأحياء بالأعلام، والأضواء الملونة والمصابيح، وسعف النخيل الأخضر وأقواس النصر.

يعاني لبنان من أزمة خبز مع استمرار توقف الأفران عن توزيعه (غيتي)

وكان سكان بيروت يهتمون بـ«سيبانة رمضان» او ما يسمى بالفصحى «استبانة رمضان»، فيجتمع أفراد العائلة في آخر يوم عطلة قبل رمضان، ويذهبون إلى الأحراج والبساتين مزودين بلحوم الشواء ومعداته والنراجيل والفحم ومختلف الأشربة، حيث يقضون اليوم بكامله في حضن الطبيعة، ويروون للأطفال حكايات عن رمضان أيام زمان، أما اليوم وبسبب الأزمة المالية وجائحة كورونا فقد باتت هذه الذكرى من الماضي.

هناك عائلات كثيرة لم تتمكن من شراء المشروبات والمأكولات الرمضانية مثل الجلاب والتمر هندي ونقوع العرقسوس ونقوع قمر الدين باللوز والزبيب وعصير الفواكه. وأطباق الحساء وصحن الفتوش أو التبولة والأرنبية والكبة باللبن والحمص بالطحينة والفتة والفطاير بالسبانخ واللحم بالعجين.

الخضراوات بدلا من اللحوم والدجاج... والحلويات الرمضانية باتت «للفرجة»

كما سيحرمون من  تناول الحلوى الرمضانية التي تشتهر بها مدن طرابلس وصيدا وبيروت وصور والتي تعد جزءا من تراث لبنان، مثل حلاوة الجبن وحلاوة الرز والقطايف وزنود الست والمدلوقة والكلاج والمفروكة والعثملّية، وكانت محال بيع الحلويات تشهد يومياً خلال شهر الصوم إقبالاً كثيفاً من قبل المواطنين على شراء أصناف الحلوى الرمضانية لكنها خفت كثيرا هذه السنة بسبب الوضع الاقتصادي المتردي، إذ إن دزينة الكلاج كان سعرها 12 ألف ليرة، فبات سعرها اليوم 36 ألف ليرة في المحال المتوسطة.

«المجلة» جالت واطلعت وسمعت في الأسواق هموم الناس وهم يشترون حاجاتهم الضرورية لتناول طعام الإفطار، كما تحدثت مع المسؤولين عن الأسواق وكيفية مراقبتها.

نقيب تجار الخضراوات والفواكه بالمفرق، سهيل المعبّي، أوضح لـ«المجلة» أن أسباب غلاء صحن الفتوش الذي كان يزيّن المائدة الرمضانيّة هو «تصدير البضاعة إلى الخارج». ويقول: «رغم أن المصرف المركزي خصّص أموالا لدعم المزارعين من أسمدة وبذور وشتول وإلى ما هنالك، إلا أن المشكلة تكمن عند المزارعين الذين يصدرونها إلى خارج البلد، ومع الأسف الرّقابة غائبة. من جهة أخرى، الأمر الذي زاد الوضع سوءا هو الانتشار العشوائي لعدد من الأشخاص الذين ينتحلون صفة الباعة مما زاد التّلاعب بالأسعار».

ومن أجل وضع حدّ للاحتكار والتهريب، يشير المعبّي إلى أنه «يتم التعاون مع وزارتي الزراعة والاقتصاد لوضع برنامج عمل يخفف عن الناس عبء الغلاء الفاحش من خلال إطلاق لائحة أسعار موحّدة، وإنشاء مكتب خاص للمراجعة وتلقّي الشكاوى، بالإضافة إلى القيام بجولات تفقديّة يوميّا لضبط الاحتكار»، لافتا إلى أنه «كنا قد تواصلنا مع وزير الزراعة لكي يتخذ الإجراءات اللازمة لتشديد الرقابة لمنع تصديرها من أجل الاستفادة منها بسعر منخفض. كما شددت على مديري وزارة الاقتصاد والزراعة العامين أن لا يتم التلاعب بقوت الناس وعليه يجب اتخاذ الإجراءات الصارمة. وفي هذا السياق، نتعاون اليوم مع الوزارات المعنيّة بالتنسيق مع محافظ بيروت ورئيس مجلس البلدية للسيطرة على الأسعار عبر ضبط الأسواق كافتتاح السوق المركزية في منطقة أرض جلول لوضع إطار ينظّم العمل».

الانتشار العشوائي لمن ينتحلون صفة «الباعة» زاد التّلاعب بالأسعار (غيتي)

وكشف المعبي أنه وجه كتابا مفتوحا، إلى وزيري الزراعة عباس مرتضى والاقتصاد راوول نعمة، أكد فيه أن «أسعار الخضراوات والفاكهة بالجملة قد تخطت كل الحدود، وأن من يدفع ثمن الغلاء الفاحش هو تاجر الخضراوات والفاكهة بالمفرق والمواطن».

كما أن تكاليف صناديق البلاستيك قد تمت إضافتها على قيمة البضاعة، فزادت أسعارها ارتفاعا، ومن هذا المنطلق لا بد من وقفة في وجه غطرسة تجار الجملة والمزارعين وإجراء رقابة فعالة وجدية لضبط الأسعار ضمن حدها المعقول، وإلا سيصار إلى إقفال جميع المحال في بيروت وتنظيم وقفة احتجاجية تضامنا مع جميع تجار الخضراوات والفاكهة بالمفرق والمواطن في لبنان».

مصدرمسؤول في وزارة الاقتصاد، أكد لـ«المجلة» أنه «تم تكثيف الرقابة بالتعاون مع البلديات ونحاول بالدرجة الأولى ضبط سعر كيلو اللحم الذي يجب أن لا يتجاوز 45 ألفا وذلك بالتعاون مع النقابة المعنية. كما نقوم بتكثيف الرقابة على المواد الأساسية كالحبوب على أنواعها، والسكر، والأرز، وذلك كله بمؤازرة القوى الأمنية. ومع ذلك لا زال هناك من يفكر بزيادة رأسماله على حساب الشعب».

ويؤكد المصدر أن «الحل بكل تجرّد هو دعم المواطن وليس السلع من خلال بطاقة تمويلية»، لافتا إلى أن «دعم السلع لم يعد مجديًا، فقد كان من الحلول المقترحة لوقت محدد، أما اليوم فالحل هو دعم المواطن مباشرة وهذه مسؤولية تقع على عاتق الحكومة». وفي هذا الإطار، يشير إلى أنه «تم رفع خطة للأمانة العامة لمجلس الوزراء والمطلوب إقرارها ولكن للأسف يتهرّبون، خصوصا أننا أمام إجراءات قاسية كرفع الدعم ولا أحد يريد أن يحمل هذه المسؤولية على عاتقه».

أما الزميلة ناجيا الحصري التي التقيناها في أحد المحال التجارية فقالت بعفوية: «رمضان هذه السنة بلا بهجة. زينة بسيطة رفعتها جمعيات طلبا للمساعدة. الناس تشتري الضروريات ووجبات الإفطار تكاد تخلو من البروتينات لصالح الخضراوات.. صحن الفتوش بات يكلف عائلة صغيرة نحو 20 ألف ليرة في اليوم. الطبقة المتوسطة التي كانت ترفد الفقراء بالمساعدة خلال هذا الشهر الفضيل أصبحت بدورها تحتاج المساعدة»..

عدد ضحايا فيروس كورونا لامسوا في لبنان 6 آلاف ضحية، وهذا العدد لم يسقط حتى في الحروب مع إسرائيل

كئيبة الأجواء الرمضانية هذا العام، فالناس ممنوعون من التلاقي بسبب الانتشار المجتمعي لفيروس كورونا. والكل يخشى الآخر. عدد ضحايا فيروس كورونا لامسوا في لبنان ستة آلاف ضحية وهذا العدد لم يسقط حتى في الحروب مع إسرائيل. الناس متروكون لأقدارهم. هذا الشعور مشترك لدى الجميع. والشعور بعدم الأمان يزيد من حال القلق.

اختفت بعض المواد الغذائية من الرفوف والبرادات

من جهتها، تروي رنام، وهي معلّمة في إحدى المدارس الرسمية، كيف تغيّرت ملامح الشهر الفضيل هذا العام. وتقول: «هناك الكثير من العادات التي ستتغيّر علينا هذه السنة. حتى صحن الفتوش الحاضر في كل مائدة أصبح طبقا فاخرا عند الأثرياء. فإذا قمت بعمليّة حسابيّة لتكلفة مكوناته لمدّة 30 يوما، النتيجة ستكون 500 ألف ليرة لبنانيّة في الشهر مقارنة بالحد الأدنى لدخل الفرد الذي أصبح بحدود الـ600 ألف ليرة لبنانيّة. وبالتّالي ليس مستبعدا أن يقل عدد الأصناف على المائدة وسنعمل على اعتماد صنف واحد منها كما أن هناك الكثير من الأشياء التي لن نجدها وبالتالي سنلجأ للبديل الأرخص والأقل جودة».

وتضيف: «تلك الصّورة النمطيّة للعائلات التي تذهب للتسوق في المحلات التجاريّة تحضيرا لهذا الشهر الفضيل لم تعد موجودة مع الأسف. فالأسر لن تستطيع أن تشتري هذه الكميات من المواد الغذائيّة بل ستضطر لاعتماد الأشياء الضرورية فقط. ومثلا على ذلك، سنستغني عن الجلاب الذي أصبح سعره يتخطى 10 آلاف ليرة لبنانية».

الناس تشتري الضروريات... ووجبات الإفطار تكاد تخلو من البروتينات لصالح الخضراوات

من ناحيتها، تعبّر ربّة المنزل عايدة، وهي من سكّان منطقة صور في الجنوب، عن أسفها لما آلت إليه الأوضاع بشكل عام وتحديدا المسّ بلقمة عيش الناس. وتقول: «هذه السّنة لم نحضّر شيئا لرمضان. كيف نحضر وكيلو اللحم بـ65 ألف ليرة؟ ماذا علينا أن نشتري في ظل هذا الغلاء؟. كنت أحضّر نوعية كبيرة من الأصناف. ستتغير عادات مائدتنا هذه السّنة، وخصوصا سنفتقد لشتى أنواع الحلويات بالإضافة إلى التمر والجلاب إذ إن سعره بلغ 60 ألف ليرة وحتى الليمون، بحيث إن صندوق الليمون أصبح سعره 75 ألف ليرة». أما عند وجبة السحور، تقول: «أقوم بوضع اللبن الرائب في قطعة القماش المعقمة وربطها على شكل كيس لتحويله إلى لبنة في ظل عدم قدرتنا على شراء الأجبان والألبان».

وفي هذا الإطار ذكر مرصد الأزمة في الجامعة الأميركية في بيروت أن تكلفة إفطار رمضاني بسيط جداً ستفوق قدرة الكثير من العائلات اللبنانية مع استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية والارتفاع الجنوني في أسعار المواد الغذائية.

فقد قام باحثو المرصد باحتساب دقيق لكلفة وجبة إفطار مكونة من حبة تمر، حساء العدس، سلطة الفتوش، وجبة أرز مع دجاج، ونصف كوب من لبن البقر، وذلك اعتماداً على المقادير والكميات المنشورة في كتاب «ألف باء الطبخ» وعلى أسعار الجمعيات التعاونية في بيروت، مع العلم أنه جرى احتساب الأطعمة والكميات لتقدم 1400 سعر حراري للفرد كمعدل ضروري لإفطار شخص.

وبناء على ذلك الحساب، جاءت كلفة الإفطار اليومي المؤلف من مكونات وجبة أساسية للفرد الواحد بـ12.050 ليرة أي 60.250 ليرة يومياً لأسرة مؤلفة من 5 أفراد، وبالتالي ستقدر الكلفة الشهرية للإفطار لأسرة مؤلفة من 5 أفراد بحوالي مليون و800 ألف ليرة، فيما أشارت الدراسة إلى أن تلك الكلفة لا تتضمن المياه أو العصائر أو الحلويات أو نفقات الغاز أو الكهرباء ومواد التنظيف.