في سابقة بتاريخ القضاء اللبناني... قاضية تتمرّد بدعم من رئيس الجمهورية

غادة عون

بيروت: انتهت مسرحية القاضية غادة عون والتي شاهدها اللبنانيون مباشرة على الشاشات يومي الجمعة والسبت، بعدما قررت تحويل قرار النائب العام التمييزي غسان عويدات بكفّ يدها عن القضايا المالية، إلى «عراضة إعلامية وسياسية»، من خلال عدم التزامها بقرار عويدات واستكمال تحقيقاتها بالملفات المالية، حيث اقتحمت على مدى يومين أحد «مكاتب توريد الأموال» في «قضية مكتف»، مدعومة بمناصرين من التيار الوطني الحر، وهو ما لاقى رفضا لبنانيا واسعا، خصوصا أن غادة عون محسوبة على رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحرّ. 

القصة بدأت عندما انسحب عناصر من جهاز أمن الدولة من التحقيق مع شركات مالية بفعل ما صدر عن عويدات، فقامت القاضية عون بالتوجّه مع مرافقيها إلى مكاتب إحدى هذه الشركات وتابعت التحقيقات، ولو أنّ القرار الصادر يسقط عنها أي صفة قضائية أو اختصاص في هذا الملف. 

وقضية مكتف كانت ضمن القضايا التي تتولاها عون، لكن النائب العام التمييزي اتخذ قرارا قبل يومين، بتعديل المهام وإحالة القضايا المالية إلى قاضٍ آخر، بما فيها تلك المتعلقة بحاكم مصرف لبنان رياض سلامة والصيارفة على خلفية سعر صرف الدولار في السوق السوداء، إضافة إلى قضايا الأموال المهربة من لبنان. 

وبحسب المعلومات فإن القاضي عويدات اتخذ قراره بإقصاء القاضية عون، كإجراء تأديبي ومسلكي بحق القاضية عون لمخالفتها التعاميم الصادرة عنه، والأصول التي تنظم عمل القضاء، وعدم التزامها بتعهدات سبق وتقدّمت بها أمام مجلس القضاء الأعلى، لناحية احترام القوانين، إضافة إلى وجود كم من الشكاوى المقدمة ضدها في التفتيش القضائي، خصوصا أن عويدات سبق أن أحال عون إلى التفتيش القضائي، في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، في الملف المتعلّق بفساد في مصلحة السير.

وعلى الرغم من «العراضة» التي قامت بها عون، ودعم التيار الوطني الحرّ لها، إن من خلال مناصريه الذين آزروها، أو من خلال تغريدات لنواب ومسؤولين في التيار، فإنّ كل ما صدر من قرارات بحق الشركة المالية من قبل عون تمّ إلغاؤها، فرفع الشمع الأحمر عن الشركة وألغي قرار البحث والتحري بحق ميشال مكتّف صاحب الشركة.

وزوبعة عون ليست بجديدة فمنذ سنوات عمدت عون ومعها مسؤولون في التيار الوطني الحر على إثارة ملفات فساد في الإعلام، وهدر وسوء إدارة. أي منها لم يؤدِ إلى نتيجة. لا بل إنها اتخذت قرارات كيدية مخالفة للقوانين، فقد أوقفت قبل عام ثلاثة قاصرين في قضية إحراق صورة لرئيس الجمهورية. استمرّت بتوقيف أحد الشبان لأسبوعين بقضية تشابه أسماء من دون النظر في الملف، بتعليل انشغالها وانكبابها على دراسة ملفات أخرى. أخلت سبيل نجل أحد المسؤولين في تيار سياسي محسوبة عليه، ولو أنه ضُبط بحوزته «ميزان حسّان» لترويج المخدرات. تأخرت في إصدار قرار منع السفر بحق رئيس مجلس إدارة «سايفكو» المتّهم باختلاس ملايين الدولارات ما سمح بمغادرة لبنان. وأخلت سبيل مواطن أجنبي ضُبط بحوزته مخدّرات في مطار رفيق الحريري الدولي. وتحويل ملف جناية قتل بحق مرافق إحدى الشخصيات السياسية إلى جنحة إطلاق نار.

المؤسف أنّ ما فعلته عون أدخل القضية إلى الزواريب السياسية الضيقة، فبدل أن يتم التحقيق في قضية الجرم المالي بشفافية ومصداقية وبعيدا عن «العراضات الإعلامية» وأن يكشف عن حقائق ينتظرها اللبنانيون منذ أن خسروا أموالهم في المصارف، بات الحديث اليوم عن قاضية قرّرت التمرد انصياعا لأوامر مرجعيتها السياسية، وارتكبت سابقة لم يشهدها لبنان من قبل عبر حشدها لمئات المحازبين لمؤازرتها في تمردّها، فهي ليست بطلة كما يحاول أن يصوّرها البعض بل هي متهمة بأنّ كل ما تقوم به هو لصالح طرف سياسي على حساب آخرين.