محاولات التحايل الروسي

عندما كتبت قبل أسابيع عن استحالة تعريب الأسد، كانت الأصوات التي خرجت لتطالب بعودته إلى الحاضنة العربية لا تزال خافتة، بينما بتنا اليوم نسمع عن مبادرات ودعوات تصدر من عدة دول وجهات للمطالبة بعودة نظام الأسد إلى جامعة الدول العربية والتطبيع معه. والساعي الأكبر لتفعيل هذا المسار هو وزيرالخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي يقوم منذ أسابيع بجولات وزيارات لعدة دول عربية داعيا إلى إلغاء قرار تجميد عضوية دمشق في الجامعة العربية منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، والخروج بموقف عربي يعلن في القمة العربية في الجزائر.

يحاول الروس أن يسوقوا أن العملية السياسية «تتقدم» عبر حوارات اللجنة الدستورية في جنيف، في محاولة منهم لإعطاء شرعية ما أو اعتراف ما بالانتخابات الرئاسية المقبلة في سوريا، بينما في الحقيقة فقد سبق وصرح المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا غير بيدرسون أمام مجلس الأمن بعيد انتهاء الجولة الخامسة من اجتماعات اللجنة الدستورية أن الجولة «كانت فرصة ضائعة وعبارة عن خيبة أمل».

كذلك يحاول الروس الإيحاء بأن عودة النظام إلى جامعة الدول العربية والتطبيع معه يضعف إيران في سوريا ويبعد الأسد عنها، وهذه الوصفة جربت مرات عدة وأثبتت فشلها قبل الثورة كما بعدها، ولا ننسى كيف عول البعض بعد التدخل العسكري الروسي، على أن هذا التدخل سيضعف إيران ويخرجها من سوريا، ولكن بعد أكثر من خمسة أعوام كانت نتيجة التدخل العسكري الروسي المزيد من التوغل الإيراني في سوريا والمزيد من السيطرة لا على القرار السياسي السوري وحسب بل أيضا على الجغرافيا السورية.

النقطة الثالثة التي يستخدمها الروس لتسويق ضرورة التطبيع مع الأسد ونظامه، هي الوضع الاقتصادي والأزمة الناتجة عن العقوبات المفروضة على النظام وخصوصا عقوبات قيصر، ويكرر الروس التخويف من «انهيار الدولة السورية»بسبب هذه العقوبات. لقد كان الجانب الأميركي والأوروبيون واضحين عندما أخبروا الروس بآلية رفع هذه العقوبات، وتحدثوا عن شروط لرفعها أو تخفيفها، منها وقف الاستهداف المتعمد من قبل النظام السوري وروسيا وإيران للمنشآت الطبية والمدارس، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والسماح للمنظمات الدولية بالوصول إلى السجون السورية، كذلك التزام دمشق بالتنفيذ الكامل لالتزامات معاهدتي حظر تطوير الأسلحة الكيماوية، والحد من انتشار الأسلحة النووية. يتجاهل الروس ومن معهم هذه الشروط، بينما لو كانوا جادين في موضوع «تخفيف معاناة المدنيين»لالتزموا بتطبيقها وطالبوا وضغطوا على نظام الأسد لتنفيذها، ولكن بطبيعة الحال لا يمكن أن ننسى أن روسيا نفسها هي من مارست حق النقض (الفيتو) أكثر من مرة في مجلس الأمن لتمنع إدخال المساعدات الإنسانية إلى بعض المناطق السورية. فليس المعروف عن روسيا اهتمامها بالجانب الإنساني وحقوق الإنسان ومحاولة السعي للتخفيف من معاناتهم، ولكنها وجدت في موضوع العقوبات والمعاناة التي يعيشها السوريون في مناطق سيطرة النظام حجة قد تنفعها بخطتها لإعادة التطبيع مع الأسد في خطوة لإعادة تمويله.

هي ليست المبادرة الأولى لروسيا والتي يكون ظاهرها إنسانيا بينما هدفها إيجاد تمويل للنظام السوري ولعملياتها في سوريا بعد أن أنهكتهم العقوبات المفروضة على سوريا مثل إيران، وليس مؤتمر إعادة اللاجئين السوريين الذي عقد قبل أشهر في دمشق إلا إحدى محاولات استجلاب الدعم المالي.

لا شك أن ما يعيشه السوريون في مناطق النظام هو مأساة حقيقية، حتى بتنا نسمع عن عمليات هروب ونزوح من مناطق النظام إلى مناطق سيطرة المعارضة في الشمال، وخصوصا مع ارتفاع معدلات الفقر إلى نسب خيالية، ولكن تبقى مأساتهم جزءا من مأساة الشعب السوري والتي لا يمكن أن تنتهي إلا بحل شامل وعادل للجميع، حل يحاسب جميع من تسببوا في هذه المأساة، فليس من الإنسانية في شيء أن تترافق الدعوات لرفع العقوبات عن نظام الأسد مع صدور نتائج تقرير صادر عن فريق تحقيق أممي والذي حمل النظام السوري المسؤولية عن الهجوم الكيماوي الذي استهدف بلدة سراقب في إدلب في فبراير (شباط) 2018.

والمطلوب اليوم هو عودة العرب إلى سوريا، وعودة سوريا إلى محيطها العربي، وذلك لن يتحقق إلا بحل عادل يضمن تعافيها وانتقال سياسي وفق بيان «جنيف واحد»والقرار 2254 وخروج جميع القوى الأجنبية وأدواتها من سوريا.