التقارب التركي مع القاهرة.. تغيير في الرؤى الاستراتيجية أم مناورات تكتيكية؟

قبول مصري متحفظ على محاولات أنقرة للتهدئة
وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، ونظيره المصري سامح شكري

القاهرة: اتسمت العلاقات المصرية التركية بأنها «علاقة هادئة»لم تشهد الكثير من التوترات منذ إقامة العلاقات الرسمية بين البلدين عام 1948 على مستوى السفراء، ولم ترتق إلى درجة التحالفات الاستراتيجية، لكن ومنذ الإطاحة بنظام الإخوان عام 2013 دخلت في حالة «عداء سياسي»بين النظامين، لم تمتد بدورها إلى العلاقات التجارية أو تصل إلى حد القطيعة الكاملة.

وشهدت الشهور الأخيرة محاولات تركية لحلحلة الأزمة مع مصر، تصاعدت بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة، حيث توالت التصريحات الرسمية التركية عن أهمية العلاقة بين القاهرة وأنقرة، قوبلت في البداية بتحفظات مصرية، لكنها تطورت ووصلت إلى قيام وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو بالاتصال بنظيره المصري سامح شكري هنأه فيه بشهر رمضان المبارك، فيما سبق الاتصال تقدم رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، بالشكر للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، على الجهود التي بذلها خلال رئاسة تركيا الدورية لمجموعة الثماني الإسلامية.

هذه التحركات التركية وما قابلها من قبول مصري متحفظ طرح تساؤلات عن الأسباب التي دفعت أنقرة إلى تغيير موقفها تجاه القاهرة، وعما إذا كانت هذه التحركات تعكس تغييرا في استراتيجية تركيا خلال الفترة المقبلة أم إنها مناورات تكتيكية فرضتها الظروف والضغوط، سرعان ما تتراجع عنها حال تغيير هذه الظروف؟

العلاقات بين البلدين يحكمها عدد من الاعتبارات لكونهما أكبر بلدين في منطقة الشرق الأوسط بالمعايير السكانية والاقتصادية والعسكرية، وتربطهما علاقات متميزة بالقوى العالمية على رأسها الولايات المتحدة الأميركية وروسيا، ويمثل البلدان حجري زاوية في أي ترتيبات إقليمية بالمنطقة، وهو ما يضفي أبعادا استراتيجية تعطي ثقلا للبلدين يمثل دخولهما في حالة عداء مستمرة إنهاكا لا يستطيعان تحملها لفترات طويلة، كما يمثل تقاربهما لدرجة التحالف الاستراتيجي خطورة قد لا تقبلها التوازنات الدولية ولا الإقليمية.

ورغم أن الإرث التاريخي والثقافي المشترك بين البلدين كبير، لكنه لم يمنع من حدوث خلافات بين البلدين، خاصة وأن النظرة المصرية قد تحمل بعض الشك تجاه النوايا التركية وتخشى من أن يظل هاجس «التبعية»للخلافة العثمانية مسيطرا على رؤية أنقرة لها، وهو ما ظهر في كثير من تصريحات المحللين المصريين الذين اتهموا الرئيس التركي بالعمل على إحياء «العثمانية»على حساب ومصالح دول المنطقة وفي مقدمتها مصر، وهو ما قد يعكس تصورات رسمية مصرية إلى حد كبير، خاصة وأن كثيرا من هؤلاء المحللين يرتبط بشكل وثيق بدوائر صنع القرار المصرية.

الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك (يسار) والرئيس التركي سليمان ديميريل (يمين) يترأسان وفدي بلديهما في اجتماع أنقرة لبحث الأزمة السورية التركية، أكتوبر 1998 (مواقع)

نقاط التماس

هناك نقاط تماس بين البلدين مثّلت بعضها عناصر تقارب، والأخرى كانت عناصر توتر، في مسيرة علاقتهما الرسمية، أبرزها ما يتعلق بالملفات الإقليمية خاصة الملف السوري منذ منتصف القرن الماضي، عندما انضمت تركيا إلي حلف بغداد، وهو ما اعتبرته القاهرة وقتها تهديدا لسوريا وأرسلت مصر قوات لها عام 1957، خوفًا من إسقاط حلف بغداد للحكومة السورية، ولمساعدة القوات السورية التي تم نشرها بالقرب من الحدود السورية التركية ردًا على تهديد تركي بالهجوم عندما تجمع عدد كبير من القوات على طول الحدود، قبل أن يتم انسحاب الجانبين وانتهاء الأزمة.

ورغم وجود سيناريو مشابه للأزمة بين دمشق وأنقرة عام 1998، بعد التهديدات التركية بالقيام بعمل عسكري ضد سوريا لإيوائها مقاتلي حزب العمال الكردستاني ورئيسه عبد الله أوجلان، فإن تدخل القاهرة هذه المرة كان عبر وساطة قام بها الرئيس الراحل حسني مبارك لاحتواء الأزمة وانتهت بنجاح بسحب تركيا قواتها من على الحدود مع سوريا وتوقيع «اتفاق أضنة»الذي نص على التعاون في مواجهة الإرهاب ومنع تواجد عناصر حزب العمال الكردستاني على الأراضي السورية، وظل البلدان يعملان بالاتفاق الأمني حتى عام 2012، حين انخرطت تركيا رسمياً في دعم المعارضة السورية المسلحة.

 

نقاط الخلاف

كان هذا الانخراط أحد نقاط الخلاف بين البلدين خاصة بعد الإطاحة بحكم الإخوان، حيث تبنت تركيا بعد الربيع العربي صعود تيارات الإسلام السياسي إلى السلطة وقدمت دعما معنويا كبيرا لثورات الربيع العربي وبما يتفق مع توجهات الحزب التركي الحاكم ذي المرجعية الإسلامية، وهو ما ظهر واضحا في الحالة المصرية.

فبعد الثلاثين من يونيو (حزيران) 2013 وعزل نظام الإخوان عن الحكم، دخلت تركيا في حالة رفض للأوضاع في مصر، واعتبرت ما حدث انقلابا على الشرعية متبنية وجهة نظر جماعة الإخوان وأنصارها، وهو ما رفضته القيادة السياسية في مصر وقتها، وقالت إن الجيش استجاب لصوت الشعب في رفض النظام مثلما استجاب له في 2011، ووصلت حدة التوترات إلى إعلان البلدين بسحب سفرائهما، دون قطع العلاقات والاكتفاء بمنصب القائم بالأعمال.

ودخلت العلاقة في منعطف جديد باستضافة تركيا المئات من عناصر جماعة الإخوان وأنصارها، وسماحها بإطلاق قنوات شنت هجوما متواصلا ضد النظام المصري.

هذا الملف فرض نفسه على العلاقات بين البلدين، وأصبح ركيزة للخلاف، وتحول إلى قضية مركزية لم تكن تحظى بهذه الأهمية من قبل.

الرئيس المصري المعزول محمد مرسي والرئيس التركي رجب طيب إردوغان (غيتي)

القنوات الخلفية

ورغم هذا الخلاف فإن اللافت للانتباه أن هذا الخلاف لم ينعكس بدوره على ملف كان بمثابة «القنوات الخلفية»التي تحرص الدول على بقائها حتى لا تصل العلاقة إلى مستوى القطيعة الكاملة، وهو الملف الاقتصادي.

فالعلاقات الاقتصادية المصرية التركية كانت في أقوى حالتها خلال السنوات الماضية على عكس «العداء السياسي»بين النظامين، فتركيا، وفق الإحصاءات الرسمية المصرية هي خامس أقوى شريك تجاري مع مصر، ويصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى أكثر من 5 مليارات دولار سنويا.

وجاءت تركيا كأكبر مصدر، للسلع غير البترولية إلى مصر، بعد كل من الصين والولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا على التوالي، مشكلين 41 في المائة من حجم الواردات المصرية في 2020، بينما جاءت الإمارات كأكبر مستورد للسلع غير البترولية من مصر يليها كل من السعودية وتركيا والولايات المتحدة وإيطاليا على الترتيب، مستحوذين على ما يقرب من 35 في المائة من الصادرات المصرية عام 2020، فيما تمثل الشركات السياحية التركية أكبر ناقل للسياح الأوروبيين والروس إلى شرم الشيخ والغردقة اللتين تمثلان المقصد الرئيسي للسياحة الأجنبية.

وتمثلت أهم الصادرات المصرية لتركيا في المنتجات الكيماوية، والبلاستيك، والمطاط، والمنسوجات، والملابس الجاهزة، والمعادن، والزيوت النفطية، والماكينات، والمعدات، والذهب، والمعادن النفيسة، والزجاج ومنتجاته، والمنتجات الغذائية والزراعية، فيما تتمثل الواردات المصرية من تركيا في المواد النفطية، والمعادن ومنتجاتها، والمنسوجات والملابس، والآلات والمعدات والكيماويات، والبلاستيك والمطاط، والسيارات والمركبات والورق والسلع الغذائية والزراعية والذهب والمشغولات.

تركيا أكبر مصدّر للسلع غير البترولية إلى مصر

التضاد في المواقف

هذا التضاد في المواقف بين العداء السياسي والتقارب الاقتصادي يفسره مساعد وزير الخارجية الأسبق جمال بيومي في تصريحه لـ«المجلة»بأن مصر تعتمد «سياسة عاقلة»تعمل على فصل الملفات، وسبق وأن اتخذت مصر قرارا هي والدول التي لها خلافات أيضا مع تركيا بعدم تأثير الخلافات السياسية على العلاقات الاقتصادية والتجارية والتي تؤثر بشكل مباشر في حياة الناس، ومن ثم حافظت على معدلات التبادل التجاري مع تركيا.

الخبير بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية الدكتور عمرو الشوبكي يؤكد أيضا أن البلدين تصرفا بوعي ورشادة في الملف الاقتصادي، ولم تؤثر الخلافات السياسية على حركة التنقل والتجارة بين البلدين، مشيرا إلى أن الطيران التركي والعلاقات الاقتصادية بين البلدين قوية وهناك طيران مشترك بين البلدين يسير ما لا يقل عن 4 رحلات يوميا، وحركة التبادل التجاري لم تتأثر لأن هناك شبكة مصالح وإرثا حضاريا يجب الحفاظ عليه، مشيرا إلى أن «من حق تركيا أن تتعاطف مع التيار الذي تريده لكن لا تفرض ذلك على الشعب المصري».

 

أزمة الغاز

لكن هذا التقارب الاقتصادي لم يظهر في ملف آخر كان محل خلاف بين البلدين منذ عقود، وهو ملف ترسيم الحدود البحرية المشتركة الذي أوصل الخلاف ذروته بعد إعلان تشكيل منظمة غاز شرق المتوسط والتي تهدف لإنشاء سوق غاز إقليمي في منطقة شرق المتوسط، وتحسين العلاقات التجارية وتأمين العرض والطلب بين الدول الأعضاء.

وتضم المنظمة في عضويتها كلا من مصر والأردن وإسرائيل وفلسطين واليونان وقبرص وإيطاليا، مع إمكانية ضم فرنسا مستقبلا ووجود أميركا والإمارات والاتحاد الأوروبي كمراقبين، مع استبعاد تركيا وسط خلافاتها مع كل من اليونان وقبرص ومصر وإسرائيل، وهو ما اعتبرته أنقرة عملا عدائيا، وقالت إنها لن تسمح بأي خطوات تهدد ما قالت إنه حقوقها المائية في التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط.

ورغم أن هذا الملف مثل نقطة ضغط على تركيا حيث ظل طوال العقود إحدى نقاط الخلاف بينها وبين جيرانها ولم يتم ترسيم حدودها البحرية مع أغلبها، فإنه كان في الوقت نفسه أحد أهم الإشارات التي أرسلتها القاهرة للتهدئة مع تركيا عندما طرحت مناقصة للتنقيب في البحر المتوسط،  وقالت تركيا على لسان وزير الدفاع خلوصي أكار إن تلك الخطوة تطور هام مثمنا احترام القاهرة لحدود الجرف القاري التركي، وقال إن تركيا ومصر لديهما قيم تاريخية وثقافية مشتركة، ومعربا عن ثقته بأن تفعيل هذه القيم يمكن أن ينعكس على حدوث تطورات مختلفة في الأيام المقبلة.

 

تغيير في الخطاب

هذا التغيير في خطاب تركيا حيال علاقاتها مع مصر جاء على عدة مستويات رسمية، كان أبرزها على لسان الرئيس التركي في مارس (آذار) الماضي من أن التعاون بين بلاده ومصر في مجالات الاستخبارات والدبلوماسية والاقتصاد مستمر، وأن عملية التعاون مع مصر في مجالات المخابرات والدبلوماسية والاقتصاد مستمرة بالفعل وأنه لا توجد مشكلة في هذا، مشددا على أن «الصداقة بين الشعبين المصري والتركي، أكبر من العلاقات بين الشعبين المصري واليوناني».

تصريحات إرودغان سبقتها وأعقبتها تصريحات من مختلف المستويات التركية الرسمية، منها تأكيد وزير الخارجية عن بدء أنقرة اتصالات دبلوماسية مع القاهرة على مستوى الاستخبارات ووزارة الخارجية، وأن استئناف العلاقة سيتم بخطوات صغيرة وفق استراتيجية معينة.

كما أعلنت الرئاسة التركية على لسان المتحدث الرئاسي إبراهيم قالن بأنه بات ممكنا «فتح صفحة جديدة في علاقتنا مع مصر وكذلك دول الخليج الأخرى للمساعدة في السلام والاستقرار الإقليميين».

 

خطوات موازية

وصاحب هذه الخطوات التركية خطوات أخرى موازية للحد من قنوات المعارضة المصرية لديها، وأعلنت أنها ألزمت هذه القنوات بمواثيق الشرف الإعلامية، وتم وقف أشهر برنامجين في قناتي «الشرق»،و«مكملين»،لمعتز مطر، ومحمد ناصر، كما عرضت أنقرة تقديم المساعدة لمصر في حل أزمة السفينة التي جنحت في قناة السويس، وتسببت في إغلاق الممر الملاحي لأيام، ومع أن مصر رحبت بالخطوة، إلا أنها أكدت الحاجة إلى مزيد من الخطوات لبناء الثقة واستعادة العلاقات.

هذه التغيرات التركية تطرح تساؤلات عن الأسباب التي دفعتها لتغيير سياستها في المنطقة وهل هذه التغيرات هي تغيرات في استراتيجية أنقرة أم إنها مناورات تكتيكية، قد تتغير بتغير الظروف؟

السفير جمال بيومي قال إن هذا التغيير بدأ منذ أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من قاعدة محمد نجيب ردا على التدخلات التركية في ليبيا عن «الخط الأحمر»لمصر وأن هذه التدخلات يجب أن تقف.

وأضاف بيومي أن هناك ضغوطا متنوعة تعرضت لها تركيا، فمصر أوضحت موقفها في الأزمة الليبية ووضعت خطوطها الحمراء، وقامت بمناورات مع القوات البحرية الروسية في البحر المتوسط، وتبنت إنشاء منتدى شرق البحر المتوسط للغاز الذي تحول إلى منظمة بعد ذلك، وذلك بالتوازي مع ضغوط من حلف الأطلنطي وخلافات واضحة مع الاتحاد الأوروبي، كل هذه التحركات يبدو أنها جلعت تركيا تعيد تقييم سياستها الإقليمية والدولية وتتراجع عن كثير منها.

وأكد بيومي لـ«المجلة»أن تركيا بدأت تلين في اللغة وتغازل مصر لكن القاهرة تريد أن ترى أفعالا على الأرض لا أقوالا، خاصة وأن القنوات في تركيا ما زالت تهاجم النظام وكلما حدث تقدم في السلوك وليس الأقوال، فسنقول أهلا وسهلا.

ولفت مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق إلى أن القاهرة عندما سحبت سفيرها من أنقرة أكدت في بيان الخارجية أن «مصر وشعب مصر يكن أطيب المشاعر للشعب التركي الشقيق، وهو ما يؤكد حرص مصر على علاقاتها مع تركيا التي سبق وشكلت معها مجموعة (D8)للدول الإسلامية، بغرض التعاون لكنها، توقفت نتيجة أحلام إوردغان في الإمبراطورية العثمانية».

وأشار بيومي إلى أن الضغوط لم تكن خارجية فقط لكن هناك ضغوطا تركية داخلية لتحسين العلاقة مع القاهرة، مشيرا في هذا الصدد إلى تصريحات ووزير الخارجية السابق أحمد داود أوغلو بضرورة عودة العلاقات مع مصر، مؤكدا إلى أن ما تطلبه القاهرة ليس بعيدا عن «التفكير التركي العاقل».

 

فشل الخيارات الآيديولوجية

فيما يرى الخبير في مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية عمرو الشوبكي أن هناك عدة أسباب قد تفسر تغيير تركيا لسياستها أبرزها هو اكتشاف الجانب التركي فشل الخيارات الآيديولوجية للحزب الحاكم في تركيا، لأن فكرة أنك ترهن سياسة بلد كبير ومؤثر مثل تركيا لمؤثرات آيديولوجية ضيقة للحزب الحاكم بدعم جماعة الإخوان المسلمين في مصر والعالم العربي على حساب التواصل بين الدول كان خللا كبيرا وثبت فشله، فالإخوان ذراع لا يمكن الاعتماد عليها، ولا يوجد توظيف سياسي لبلد بأكمله من أجل تنظيم مهما كان تعاطفه مع هذا التنظيم، فتركيا تختلف عن إيران، ففي تركيا هناك دولة وطنية وعلمانية، حتى الآن، ولا تجد عندها مثل إيران الحرس الثوري أو فكرة دعم الميليشيات والأذرع وهو ما قد يمثل سياسة طبيعية تعكس فكر النظام الإيراني، لكن ما حدث من تركيا كان عكس طبيعتها كدولة وثبت أنه لا يؤدي إلى أي نتائج، وبمرور الوقت ثبت أن هذا الموقف يحتاج إلى مراجعة.

وأضاف أن مصر لم تقم مثلا بإنشاء أو دعم قنوات فضائية معارضة لتركيا ولم تلعب هذه اللعبة، وما ينطبق على مصر وباقي البلاد الأخرى، التي تختلف مع تركيا؛ فعودة العلاقات مع تركيا خطوة حميدة، وهناك إرث ثقافي مشترك بين البلدين، وبين الشعبين.

وقال الشوبكي أيضا:«أعتقد أن هذه التغيرات تعكس تحولا في استراتيجية تركيا، فهناك نقاط تفاهم بين القاهرة وأنقرة، وهناك تفاهمات على القضايا الشائكة كموضوع التنقيب عن الغاز، فيما ظلت الاستثمارات التركية في مصر ولم تتراجع، كما لم تتأثر حركة التجارة بين البلدين»، مشيرا إلى أن العلاقة بين البلدين ستعود لتكون «طبيعية»بمعنى أن هناك ملفات ستكون محل اتفاق وأخرى محل اختلاف، فالوضع الطبيعي لا يعني التطابق في كل الملفات، بل سنتفق في قضايا ونختلف في أخرى، وسيكون باب الحوار بين الدول موجودا بين المؤسسات والقنوات الشرعية.

لكن إلى أي مدى يؤثر هذا التقارب بين البلدين على علاقات مصر مع دول أخرى ما زالت علاقتها متوترة مع أنقرة مثل اليونان والتي تعد علاقتها مع مصر من العلاقات المميزة تاريخيا حيث قام البلدان بتوقيع اتفاقية حول تعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الدولتين في شرق البحر المتوسط وهي منطقة تضم احتياطات واعدة للنفط والغاز في أغسطس (آب) 2020، والتي جاءت بعد غضب البلدين من توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وحكومة طرابلس، فيما اعتبرت أنقرة أنها لا تعترف بالاتفاقية بين مصر واليونان لأنها تمس حدودها البحرية.

 

التوازن في العلاقة

السفير جمال بيومي أكد أن التقارب مع تركيا، حال حدوثه، لن يكون على حساب التقارب مع أطراف أخرى، بل إن الموقف المصري يجب أن يطمئن كل من كان على خلاف مع تركيا مؤخرا، فمصر لا تلعب مثل هذه اللعبة.

وهذا ما يؤكد عليه بدورة الدكتور الشوبكي الذي يشير إلى أن مراعاة مصر للجرف التركي كان بمثابة رسالة إيجابية وأن هذا التقارب سيوسع دائرة المصالح، لكن أي تفاهمات مع تركيا لا أعتقد انها ستؤثر على علاقة مصر مع هذه الدول.

وأضاف أن العلاقة بين مصر وتركيا وإن تقاربت لا يمكن أن تكون على حساب علاقتها مع أي دول أخرى سواء اليونان أو دول الخليج التي تمثل أكبر الشركاء التجاريين لمصر، وهناك تبادل كبير أيضا بين الدول الخليجية وتركيا، وأعتقد أن مصر ستكون حريصة خلال الفترة المقبلة على التوازن في العلاقات مع تركيا بحيث لا تؤثر على علاقتها مع أي دولة أخرى خاصة الدول العربية.