انتعاش لافت للإقراض في السعودية

4 عوامل أدّت إلى استمرار تسهيلات منح القروض

جدة: أينما تجولت في شوارع السعودية أو تصفحت وسائل التواصل الاجتماعي، سيقابلك فيض من الإعلانات التجارية للبنوك والمصارف ومؤسسات التمويل العقاري والتمويل التأجيري للسيارات على اختلاف أنواعها.

وتظهر آخر إحصائيات البنك المركزي السعودي انتعاشاً قوياً في القروض المقدمة للقطاع الخاص والمؤسسات الحكومية غير المالية والأفراد؛ رغم أن المملكة ومحيطها لا يزالان تحت التأثيرات القاسية لحائجة كوفيد-19 التي أثرت بدرجات متفاوتة على حركة الاستثمار ورؤوس الأموال والأفراد.

عضو مجلس الشورى السعودي والخبير المالي والاقتصادي، فضل البوعينين

وبحسب ضيف «المجلة»عضو مجلس الشورى السعودي والخبير المالي والاقتصادي، فضل البوعينين، فإن التمويل العقاري وتمويل المشروعات الحكومية العملاقة والقطاع الخاص، تستحوذ على حصة الأسد. ولكن ما هي الأسباب الحقيقية وراء ارتفاع شهية الإقراض بمختلف أنواعه؟ ولماذا تبقى السعودية بمنأى عن المخاوف التضخمية الناتجة عن ارتفاع السيولة إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق؟

 

ماذا تقول الأرقام؟

وفقاً لأحدث تقارير البنك المركزي السعودي (ساما):

 

أولاً: القطاع الخاص

نمت القروض المقدمة من البنوك والمصارف السعودية للقطاع الخاص بنهاية فبراير (شباط) 2021 بمعدل 15 في المائة، وقيمة بلغت 233 مليار ريال (62.13 مليار دولار) ليصل إجمالي القروض إلى 1826 مليار ريال (487 مليار دولار)، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2020 حين بلغ إجمالي القروض إلى 1593 مليار ريال (425 ميار دولار). وفي يناير (كانون الثاني) السابق، بلغت نسبة النمو 14 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2020.

 

ثانياً: المؤسسات الحكومية غير المالية

ارتفعت القروض الممنوحة للمؤسسات الحكومية غير المالية بنسبة 25 في المائة بنهاية فبراير 2021، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي؛ ليصل إجمالي القروض إلى 71.7 مليار ريال (19.12 مليار دولار).

 

القروض العقارية

نمت القروض العقارية بنسبة 28 في المائة في فبراير 2021 بقيمة 14 مليار ريال (3.73 مليار دولار)، فيما بلغ إجمالي القروض العقارية خلال 4 سنوات فقط نحو 280 مليار ريال (74.7 مليار دولار).

 

سيولة قياسية

بلغت مستويات السيولة في السعودية أرقاماً غير مسبوقة، حيث وصلت إلى 2.19 تريليون ريال (582 مليار دولار) في أبريل (نيسان) الجاري.

ويلفت الخبير المالي السعودي البارز، فضل البوعينين، الانتباه إلى وجود عاملين رئيسيين يؤثران على انتعاش الإقراض في المملكة، أولهما الارتفاع القياسي للسيولة في الأسواق ونموها المتواصل، إلى جانب انخفاض تكاليف الإقراض إلى مستويات دنيا، الأمر الذي خلق حافزاً للمقترضين.

وعند السؤال عن مبلغ 50 مليار ريال (13.33 مليار دولار) أودعها البنك المركزي السعودي في يونيو (حزيران) الماضي وعلاقتها بالسيولة الحالية، أوضح البوعينين أنه «مع بداية أزمة كورونا والتأثيرات السلبية لإغلاق الاقتصاد وانخفاض أسعار النفط، ضخ البنك المركزي ذلك المبلغ في القطاع المصرفي لتحفيز الاقتصاد وتقديم التسهيلات الائتمانية للقطاع الخاص واستمرار دورة التمويل مع حزمة قرارات شملت تأخير سداد مستحقات القروض والإعفاءات من رسوم الخدمات البنكية، وذلك كجزء من الإدارة الحكيمة للأزمة».

 

مخاوف التضخم

يشهد العالم حالياً تضخماً هائلاً في الأصول، وذلك بسبب الحزم المالية، الأميركية والأوروبية، التي ضخت تريليونات الدولارات في الاقتصاد العالمي مع تراجع نسب الفائدة إلى درجة يمكن معها وصف الحال بـ«التخمة».

ويعتبر البوعينين أن «ضخ السيولة في السوق السعودية له تأثير محدود، فالسوق السعودية قادرة على استيعاب السيولة الحالية في المشاريع العقارية والمشاريع الحكومية العملاقة».

ويضيف: «لقد ساهم نمو السيولة بشكل إيجابي في انتعاش سوق الأسهم السعودية، إذ توجه جزء من الأموال إلى الاستثمار في سوق الأسهم، وهو ما ظهرت نتائجه على ارتفاع المؤشر».

إن بعض الإجراءات الحكومية، التي وصفها وزير الاقتصاد السعودي، ماجد القصبي، بأنها مؤلمة، مثل رفع ضريبة القيمة المضافة من 5 في المائة إلى 15 في المائة، أوائل يوليو (تموز) 2020، أدت إلى بعض التضخم ورفع التكاليف، إلا أن لها جانباً إيجابياً في امتصاص السيولة، التي يذهب جزء منها في تضخم بعض القطاعات غير الإنتاجية.

كما تساهم بعض القرارات التي اتخذتها الحكومة مؤخراً مثل تعديل لائحة الأراضي البيضاء (غير المطورة) بثلاث مراحل تنفيذية مع المرونة في تطبيق المراحل وتوسيعها أو دمجها؛ لفرض مزيد من الرسوم، يساهم في توسيع رقعة المنتجات العقارية وخفض أسعار الأراضي غير المطورة؛ بدلاً من تضخمها.

 

قروض للمواطن والمقيم

مع توسع السيولة وانخفاض أسعار الفائدة، أصبح الحصول على القروض أسهل من أي وقت مضى في حال انطبقت الشروط على المتقدم، وهي يسيرة إلى حد كبير. فمجرد وجود دخل منتظم من جهة عمل محددة وأن يكون الراتب محولاً إلى البنك المقرض مع وجود اتفاقية تضمن إيداع مكافأة نهاية الخدمة لدى البنك المقرض، يضمن لأي متقدم، سواء كان مواطناً أم مقيماً، الحصول على القرض بفائدة منخفضة هذه الأيام.

يقول أحمد، وهو مقيم عربي في السعودية يعمل في القطاع الخاص، إنه تمكن من الحصول على قرض يعادل 10 أضعاف راتبه الشهري في أقل من أسبوعين، مضيفاً أنه تمكن من الحصول على النقد وتحويله إلى بلاده على شكل دفعة أولى للمسكن الذي يرغب في تقسيطه.

إن الملاءة المالية العالية لدى البنوك والمصارف السعودية واستعدادها لتقديم القروض للمواطنين والمقيمين، يوسع سوق الائتمان بشكل أكبر، ما يعني ارتقاب انعكاس ذلك على أرباح المؤسسات السعودية المقرضة عند ظهور النتائج الربعية والنصفية والسنوية.

 

توقعات للمستقبل

يربط فضل البوعينين، وهو مصرفي مخضرم، استمرار حالة سوق الإقراض بأربعة عوامل على الشكل التالي:

انخفاض تكلفة القروض من ناحية أسعار فائدة

استمرار السيولة لدى البنوك والمصارف

تواصل التمويل العقاري

المضي قدماً في تمويل المشروعات الحكومية العملاقة

ويضيف أنه «طالما ظلت هذه العوامل الأربعة موجودة، فإن الموجة الحالية من انتعاش الإقراض ستتواصل».

وترتقب السعودية نمواً اقتصادياً، تجمع عليه المؤسسات المحلية والعربية والدولية. وتتراوح التوقعات بين 2.1 إلى 4.2 في المائة بعد سنوات من نمو متواضع أو نمو سلبي (انكماش) كما حصل عام 2020.

إن تعافي الاقتصاد ودخول المزيد من الاستثمار الأجنبي، الذي سجلت تراخيصه نمواً مذهلاً في الربع الأخير من عام 2020 بلغ 466 ترخيصاً، مع تحسن أسعار النفط والمدخولات الحكومية بشقيها النفطي وغير النفطي، تشي جميعها بأن الاقتصاد السعودي، الذي يشكل لوحده 50 في المائة من مجمل اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، سيسجل ازدهاراً وخلقاً للمزيد من الوظائف هذا العام.

كما أن ازدهار الاقتصاد السعودي، سيقود قاطرة النمو العربي مع وجود الملايين من المقيمين العرب، إلى جانب مضاعفة الاستثمارات السعودية في الدول المجاورة، التي ستكون البنوك والمصارف المحلية ملاذها للحصول على سيولة تنفيذ المشاريع الاستثمارية.