في وداع ميشيل كيلو لا معنى للحياة دون حرية

مرة جديدة يوحد الحزن السوريين في جميع دول الشتات، أتاهم خبر وفاة الأستاذ الكبير ميشال كيلو بعد أسابيع من معاناته بسبب فيروس كورونا في مستشفيات باريس، ليذكرهم بمصابهم ومأساتهم المستمرة.

كثيرون كتبوا وسيكتبون عن سيرة رجل أمضى أكثر من نصف قرن يناضل من أجل حرية السوريين، عن مراحل نضاله وإيمانه الدائم بحتمية الخلاص من الديكتاتورية والظلامية بكل أشكالها، كثيرون اختلفوا معه بأسلوبه في العمل السياسي وخصوصا بعد انطلاق الثورة، وتحديدا بعد انضمامه إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة في العام 2013 إلى لحظة انسحابه منه كما الكثيرين في 2016، ولكن الجميع أجمع على صدق الرجل وتفانيه من أجل قضية بحجم قضية الحرية، فكانت خسارته خسارة كبيرة للسوريين، بكاه جميع من اختلف مع أسلوبه معلنين أن حجم خسارته كبير، في وقت أحوج ما تكون فيه الساحة السياسية السورية لديناميكيته وحيويته رغم سنين عمره التي فاقت الثمانين.

استطاع كيلو عندما سرد قصة طفل لم يعرف ما هو العصفور، طفل ولد في المعتقل لأم أخذت رهينة من أبيها في سجون حافظ الأسد، أن يخبر العالم عن طبيعة النظام السوري، هو المثقف والكاتب والصحافي والمناضل، عرف كيف يبكي الكثيرون حرقة على ذاك الطفل، وعلى سوريا والسوريين.

في عهد حاظ الأسد سرب تسجيل صوتي لكلمة ميشال كيلو، كما كلمات لآخرين في مؤتمر لاتحاد الكتاب العرب (السوري) في 1979. أعلنوا خلالها رفضهم لممارسات النظام، اعتقل لاحقا لأشهر وغادر بعدها إلى باريس ليتابع نشاطه السياسي المعارض، ليعود بعد سنوات إلى سوريا، وليساهم بعد عام 2000، حيث ساهم بمختلف الفعاليات السياسية البارزة: بيان الـ99، بيان الـ1000، إعلان بيروت- دمشق، وإعلان دمشق- بيروت، لجان المجتمع المدني. مع انطلاقة الثورة 2011، كان له دور في مختلف تشكيلات المعارضة، بدءاً بهيئة التنسيق الوطنية، ومن ثم المنبر الديمقراطي واتحاد الديمقراطيين والائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة.

كثير من شباب الثورة الذين اختلفوا مع شخصيات تعرف بالمعارضة التقليدية، أي المعارضة التي سبقت الثورة بسنوات طويلة، كتبوا على صفحاتهم كم تعلموا من نضالات وكتابات هذه الشخصيات، وجاء موت ميشال كيلو ليوحدهم ويوحد السوريين في الداخل والخارج حزنا وليذكرهم بقضيتهم الأولى «الحرية».

قبل رحيله بأيام، كتب كيلو وصية وجهها للسوريين، أبرز ما جاء فيها: «لن يحرّركم أي هدف غير الحرية فتمسّكوا بها، في كل كبيرة وصغيرة، ولا تتخلّوا عنها أبدا، لأن فيها وحدها مصرع الاستبداد، فالحياة هي معنى للحرية، ولا معنى لحياةٍ من دون حرية. هذا أكثر شيء كان شعبنا وما زال يحتاج إليه، لاستعادة ذاته، وتأكيد هويته، وتحقيق معنى لكلمة المواطنة في وطننا».

خسرنا أستاذا كبيرا بحجم ميشال كيلو، ولكن علينا أن نتأكد أننا لم نخسر رسالته ورسالتنا، الحرية، هي أكثر ما نحتاجه من أجل خلاصنا. مؤلم هذا الرحيل، مؤلم أنه لم يعد بإمكان السوري أن يحلم حتى بقبر في وطنه، ولكن الأكثر إيلاما هو أن تذهب تضحيات ملايين السوريين هباء لأن البعض لا يزال يتمسك بمشاريعه الفئوية الخاصة. كتبها كيلو في وصيته: «في وحدتكم خلاصكم، فتدبروا أمرها بأي ثمن وأية تضحيات، لن تصبحوا شعبا واحدا ما دمتم تعتمدون معايير غير وطنية وثأرية في النظر إلى بعضكم وأنفسكم، وهذا يعني أنكم ستبقون ألعوبة بيد الأسد، الذي يغذي هذه المعايير، وأنتم تعتقدون أنكم تقاومونه».

جمعني بالأستاذ ميشال إعلان دمشق- بيروت، في العام 2006، ولاحقا الائتلاف الوطني، واختلفت معه كثيرا، ولكنني كنت أنظر دوما له وللآخرين بإعجاب وتقدير، فقد كانوا مثالا لمعنى الإيمان بقضية وطن وشعب دون أن يفقدوا البوصلة بما يتعلق بقضايا المنطقة العادلة والمحقة، دفعوا سنين طويلة من حياتهم بين اعتقال وتخفٍ وملاحقة. وصار اليوم لزاما على السوريين أكثر من أي وقت مضى أن يعودوا إلى بوصلتهم الأولى، وخصوصا بعدما باتت جيوش ودول تحتل سوريا، ومشاريع إقليمية ودولية عدة تتصارع على تحديد مصيرها. فليرقد ميشال كيلو بسلام، ولتنعم سوريا بالحرية التي أفنى عمره في سبيلها، ودفع ملايين السوريين أثمانا غالية للوصول إليها.