منال عبد الصمد لـ «المجلة»: نحتاج حكومة جديدة تباشر الإصلاحات فوراً

وزيرة الإعلام اللبنانية قالت: لا يمكن إصلاح وضع الإعلام ما لم يتماثل البلد ككلّ للشفاء

 

بيروت: عندما عينت الدكتورة منال عبد الصمد وزيرة للإعلام في لبنان، وضع الكثيرون أيديهم على قلوبهم، ليس توجسا منها، بل قلقا عليها... فهذه الوزارة بالغة الحساسية في لبنان، ولم يسبق أن تولى حقيبتها إلا الذكور، ولأنها مثل الكثير من الدوائر الرسمية في القطاع العام اللبناني، فيها فائض من الموظفين المحسوب معظمهم على أطراف سياسية...

 ومع أن هذه الحقيبة الوزارية هي الأولى التي تشغلها منال عبد الصمد فقد لفتت الأنظار منذ أن وضعت رجلها داخل مكتبها في الطابق السادس من مبنى الوزارة القائم على مدخل شارع الحمراء الذي كان ذات يوم أحد أهم الشوارع في العواصم العربية.

واجهت منال عبد الصمد تراكمات عقود في وزارة الإعلام، خصوصا في إذاعة لبنان الرسمية والوكالة الوطنية للإعلام ومديرية الدراسات، إضافة إلى تلفزيون لبنان الذي ليس للوزارة عليه إلا نوع من الوصاية.

وقد عملت منذ اليوم الأول على جبل من الملفات بما فيها مشروع للصحافة والإعلام عموما وأيضا الانفلات في مواقع التواصل الاجتماعي...

استقالت الحكومة باكرا وبانتظار تشكيل حكومة لبنانية جديدة (وهذا موعده مجهول نظرا للأزمة السياسية الكبيرة والخلافات الحادة) لم تتوقف الوزيرة عن النشاط الذي يسمح به الدستور في نطاق تصريف الأعمال، وأظهرت الكثير من الدينامية والحضور والفاعلية... وكأن شعارها: كوني جميلة واعملي.

 

«المجلة»التقت الوزيرة منال عبد الصمد وحاورتها في كل الأمور المتعلقة بقطاع الإعلام والمشاكل التي تواجه العاملين فيه بعد غياب العديد من المؤسسات الإعلامية العريقة عن السوق الإعلامية وانضمام العديد من الزملاء العاملين في الصحف والمجلات إلى آلاف العاطلين عن العمل في لبنان القوي، وهنا نص الحوار.

 

الزميل عمر الناطور مع الوزيرة منال عبد الصمد

تجربة حكومة الاختصاصيين

* كيف تقيمين تجربة حكومة الاختصاصيين في بلد يتنازعه النفوذ السياسي والمحاصصة الطائفية، وهل أنت من خلال هذه التجربة مع تمسك الرئيس المكلف بحكومة اختصاصيين انطلاقاً من المبادرة الفرنسية؟

- حكومة اختصاصيين هي أكثر ما نحتاج إليه، خصوصاً أن مختلف الإدارات وصلت إلى مرحلة من التهرؤ، وكل ذلك نتيجة نظام المحاصصة السياسية والطائفية المتجذّر. إذن وبعد فشل تلك التجارب، لا بد من رؤية جديدة ومقاربة حديثة للنهوض بمؤسساتنا وببلدنا. وزراء كثيرون في الحكومة الحالية يعملون بشفافية ونزاهة ولديهم نيّة صادقة للعمل على إنقاذ لبنان من أزماته. ولكن وُضعت عدّة عراقيل في طريق الحكومة لأسباب داخليّة وخارجيّة ما تسبّب بفرملة عملها أو التشويش عليه في أكثر من محطة مفصلية، ولم يتمّ دعمها داخلياً لا من قبل السياسيين ولا احتضانها خارجياً لناحية ضخّ بعض المساعدات المالية كي تتمكّن من المضي قدماً في تحقيق ولو جزء من الإصلاحات المنشودة. ونحن نقدّر المبادرة الفرنسية وأي مبادرة من دولة شقيقة تساعد لبنان على وضعه على سكّة الإصلاح والنهوض.

* هل يمكن للحكومة العتيدة أن تنجح بعد التعطيل الذي أخّر ولادتها 7 أشهر حتى الآن أو أن مصيرها سيكون مماثلاً لمصير حكومة حسان دياب؟

- الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلد وصل إلى حالة حرجة والأزمة باتت خانقة، وكل يوم تأخير في العلاج سيفاقم الأمور خطورة. وثمّة عقوبات خارجية واضحة وضغوط بكل الاتجاهات، وكل الإشارات والمواقف الخارجية تدلّ أن مفتاح الحل الوحيد هو عبر حكومة جديدة مستقلة قادرة على تحقيق إصلاحات، وهنا بيت القصيد، الإصلاحات هي ممر إجباري لكنها مسار طويل، فالأمر لا يتعلق فقط بالرئيس المكلّف إنما بنهج وتوافق يجب اعتماده والتعاون بين الجميع لتحقيق تلك الإصلاحات، أو بالأحرى البدء بتحقيقها.

 

* كيف تقيمين تجربة المرأة في الحكومة حيث تضمنت حكومتكم 6 نساء في مناصب وزارية مهمة كانت فيما مضى حكراً على الرجال؟

- لا فرق للعنصر الجندري في أي مجال أو عمل سوى بمدى قدرة كلّ شخص على العطاء والإنتاج، وعلى الرغم من عمر الحكومة القصير نسبياً، تمكنّا من تغيير الصورة النمطية عن المرأة. أثبتت المرأة أنها القوة الناعمة القادرة على التغيير، رغم أننا نعمل في ظروف استثنائية وقاسية، بدءاً من التراكمات المالية والأزمة المعيشية وصولا إلى وباء كورونا.

 

* أين أصبح مشروع قانون تعديل وزارة الإعلام ومن هي الجهة التي تعرقله؟

في الواقع وضعنا خطة استراتيجية وأدرجتها وزارة الإعلام كاقتراحات ضمن اقتراح قانون الإعلام الذي أرسلته إلى لجنة الإدارة والعدل النيابية، وتضمنّت آراء إعلاميين وأكاديميين وقانونيين. وبحسب الخطة، تحلّ هيئة ناظمة للإعلام مكان وزارة الإعلام والمجلس الوطني للإعلام، حيث تتولّى تنظيم القطاع الإعلامي بشقيه العام والخاص، وتكون لها صلاحيات تقريرية وتنفيذية. وتنص الخطة على خلق منصة واحدة للإعلام تُسمى «Liban Media»،تضم الوكالة الوطنية للإعلام والإذاعة اللبنانية ومديرية الدراسات والمنشورات اللبنانية وتلفزيون لبنان، تكون مستقلة في عملها وتواكب العصر عبر منصات رقمية، بالإضافة إلى استحداث مكتب دولة لشؤون التواصل، يؤمن التواصل بين الحكومة والشعب، وبين الوزارات.

ولكن لوضع هذه الخطة على سكة التنفيذ لا بد من إقرار اقتراح قانون الإعلام في المجلس النيابي وفق الصيغة النهائية التي وضعتها وزارة الإعلام. وهو ما نوصي بتحقيقه في أقرب وقت ممكن تحقيقاً للإصلاحات في الإعلام العام والخاص وحماية لحقوق الصحافيين.

 

* كيف تنظرين كوزيرة للإعلام إلى واقع العاملين في المؤسسات الإعلامية وأين هي المشاريع التي بحثتم فيها مع المعنيين لدعم القطاع الإعلامي؟

- الإعلام هو أحد قطاعات البلد المتعثّرة مالياً كغيره من القطاعات نظراً للضيق الاقتصادي الذي يمرّ به البلد والذي أثّر سلباً على سوق الإعلان. الدورة الاقتصادية متكاملة ولا يمكن إصلاح وضع الإعلام ما لم يتماثل البلد ككلّ للشفاء ويستعيد عافيته الاقتصادية، ولكن هذا لم يمنعنا من اقتراح إعفاءات ضريبية على أموال مستحقة للدولة، ومحاولة إنشاء حاضنة إعلامية، ووضع مشروع قانون لتنظيم العمل النقابي كي يتسنّى لجميع العاملين في القطاع الانتظام في نقابة تدافع عن حقوقهم وتوفّر لهم التأمينات الاجتماعية إلى ما بعد التقاعد، بالإضافة إلى تأمين حماية متعددة الوجوه لهم من خلال الملاحظات الجوهرية التي أدخلتها وزارة الإعلام على اقتراح قانون الإعلام. فضلاً عن تنظيمنا للعديد من الدورات التدريبية للإعلاميين في شتى مواضيع الساعة بغية تنمية مهاراتهم وتعزيز قدراتهم المهنية لا سيما في ظل الأزمات التي نمر بها وأبرزها جائحة كورونا.

 

انفجار المرفأ جمد تعيينات التلفزيون

* ما هي الأسباب التي عرقلت مشروع تطوير تلفزيون لبنان وانتخاب مجلس إدارة له؟

- عملنا منذ البداية على تعيين مدير عام لتلفزيون لبنان وفق آلية شفافة من ثلاث مراحل. وقد تمّ الانتهاء من عمليتي الفرز الأولى والثانية، وتأهّل بختامهما 45 مرشحاً إلى مرحلة إجراء المقابلات الشفهية، التي على ضوئها يختار وزير الإعلام 3 أسماء ويرفعها إلى مجلس الوزراء. لكن جاءت حادثة المرفأ لتعلّق الأمور عند هذا الحد بعدما كنّا وصلنا إلى المرحلة الأخيرة وهي إجراء المقابلات الشفهيّة.

الطموحات

* ما هي المشاريع التي كنت تطمحين لتنفيذها وحالت الظروف دون تحقيقها؟

- مشاريع كثيرة ومتطورة كنّا نطمح لتنفيذها، وبدأنا بتنفيذ عدد منها وتوّقفنا قسراً عن استكمال البعض بسبب «تصريف الأعمال»الذي يفرض علينا ضوابط معيّنة ويحدّ من مجال حركتنا. ولكنّنا رغم ذلك، بقينا نعمل بشكل مستمر، سواء عبر اجتماعات حضورية أو افتراضية. وأنجزنا الكثير مثل حملات توعية ودورات تدريبية وإنشاء صفحتين إلكترونيتين عن كورونا وعن مكافحة الأخبار الزائفة، وإنتاج مجموعة كبيرة من الفيديوهات من إعداد تلفزيون لبنان لتشجيع الصناعة اللبنانية بدءاً من مستلزمات كورونا، وتوزيعها على مختلف الجهات المعنية الداخلية وكذلك لدى السفارات والبعثات لنشرها في الخارج، ونعمل حالياً على الإنتاج الإعلامي والأمن السيبراني، وذلك بالتعاون مع مختلف الوزارات ومنظمات أممية. يمكن للراغبين بالاطلاع على تفاصيل كل تلك المشاريع أن يزوروا موقع وزارة الإعلام.

 

الأساس عامل الثقة

* كيف تنظرين إلى الواقع الحالي للبلاد وما المطلوب للخروج من الأزمة؟

- ليس خافياً على أحد أن الوضع في أسوأ أحواله، بالإضافة إلى وجود تعقيدات ومصالح متضاربة، وكأننا ندور في دوّامة لا نعرف كيفية الخروج منها. الخيارات المتاحة ليست كثيرة، وفي مقدمتها تفاوض الحكومة العتيدة مع صندوق النقد الدولي. ويبقى الأساس هو عامل الثقة بين مختلف الأفرقاء والإرادة الفعليّة للتوصل إلى حلول ملموسة وتقديم التنازلات لإنقاذ بلدنا في أسرع وقت.