باسم الشعب

استفاق اللبنانيون على انتفاضة قاضية- غادة عون- وخرقها القوانين التي أقسمت على العمل بها من خلال خلع وكسر مكتب نقل الأموال- مكتف- بهدف الاستحواذ على ملفات تكشف هويات الذين قاموا بتحويل مليارات الدولارات إلى الخارج من خلال هذه الشركة في عز الأزمة الاقتصادية والمالية التي يشهدها لبنان.

الأهم هو تجاهل عون أوامر رئيسها القاضي عويدات بنقل الملف الذي تعمل عليه إلى قاض آخر. انقسم اللبنانيون قسمين. هناك من هاله هذا المشهد السريالي لقاضية تتمرد على أوامر رئيسها وتقوم بشكل مافياوي بأمر مرافقيها بكسر وخلع مكاتب شركة مكتّف لنقل الأموال، فيما هي تستشيط غضبا وتصرخ بوجه كل من يحاول ثنيها عن خرق القانون، لا سيما محامي الشركة، وهناك من رأى فيها نوعا من «روبن هود»الشرق التي تسعى إلى مهاجمة الأغنياء الفاسدين الذين سرقوا أموال الشعب تمهيدا لإعادتها لهم... ليزيد المشهد سريالية وقتامة شعرت القاضية بوعكة صحية أثناء وجودها في مكاتب شركة مكتّف، فطلبت إحضار راهبة، هي الأخت أغنس، المعروفة بدفاعها المستميت عن بشار الأسد، فيما تجمهر بعض الناس بشكل «لا عفوي» ومحضر مسبقا لدعم خطتها تلك. بعد أن استعادت بعضا من حيويتها، (ربما بفضل صلوات الأخت أغنس) ذهبت بخطوات متثاقلة نحو الثلة الداعمة لـ«انتفاضتها»وتوجهت لها من خلال ميغافون كان موجودا أيضا بشكل «لا عفوي»في المكان، بكلمات شعبوية لتبرر خرقها القوانين وسط هتاف وتصفيق أوحى لها بأن «الشعب معها». لندع جانبا التصرف المشين لتلك القاضية التي اعترفت هي نفسها أمام مجلس القضاء بأنها انفعلت كثيرا يوم واقعة الاقتحام، ولندع جانبا أيضا أية مقارنة بين أدائها «المعيب»وأداء بعض القضاة اللبنانيين المشرّف والمتناسب على مر سنين عمر القضاء اللبناني المتناسب مع المهنة التي يمارسون بوحي القاعدة الذهبية «العدل أساس الملك»، ولنعد إلى اعتقاد القاضية بأنها تملك توكيلا من الشعب لتقوم بما قامت به، متناسية ومتجاهلة النتائج المترتبة على أدائها، ولنقم بمقارنة بسيطة بين فعلتها «باسم الشعب»وبين ما قام به من تدين له بالولاء قبل نحو ثلاثة عقود «باسم الشعب العظيم»أيضا. في الحالتين عبثية لا تأخذ بعين الاعتبار أية نتائج لقرارات لها تداعياتها على جزء كبير من الشعب تحت وهم وكالة شعبية تتيح لحاملها سوق الناس أينما يشاء ولو كان نحو هلاكهم.

الشعب، ونحن نتكلم عن لبنان في حقبة الحرب الأهلية والمذهبية، لم يكن يوما مع «جنرال بعبدا». الأصح هو أن جزءا من الشعب كان معه، ولكن منظر ساحة قصر بعبدا الذي أصر على تسميته بقصر الشعب لتمكين حجة تمثيله، ممتلئة بشباب متحمس «لرجل متمرد على الواقع»محاطا بأشخاص يجيدون التبجيل له بشكل يومي أفضى إلى أن يتملكه جنون العظمة. وبالتالي دفعه إلى أخذ قرارات مدمرة على المجتمع برمته اعتقادا منه أنه يملك صكا يملّكه مصيرهم. هذا كان عام 1989... حربان قتلتا ناسا من دون وجه حق ولكن الأهم، من دون التفكير بما هو ممكن ومستطاع. كان مشهد انتحار جماعي.

قررت القاضية عون سلوك نفس الطريق بنفس النهج والفكر والممارسة. توهمت أن بضعة شباب مضللين أرسلهم جبران صهر الرئيس لمؤازرتها هم الشعب الذي يعطيها سلطة التمرد على القضاء. لم تأبه للحظة أن تصرفها سيقضي على ما تبقى من هيبة له. المشكلة أن تصرف القاضية هذا لا ينبت من موقع «ثورجي»على الواقع المزري أو مثالي كما يريد إظهاره البعض. إنما من موقع الكيد والعداء للطرف الآخر الذي يلتحم مع «الرئيس»في موقعة كباش عبثية، فيما الناس تعاني. تعتقد عون ومن تمثل أنه لا هوادة في معركة استعادة «الحقوق المسيحية»ولو أدت إلى تهجير من تبقى من شبابهم، وتحطيم القضاء وتدمير الاقتصاد... إلخ. هنا كل شيء يصبح استنسابيا، الحقيقة، العدالة، القيم. أما الناس فتقع ضحية التضليل المقصود وتصبح أداة في يد «الحاكم».

هذا ما اختبره اللبنانيون قبل نحو ثلاثة عقود، وهذا ما يختبرونه مجددا اليوم على يد نفس الشلة التي تملكها قبلا يتملكها اليوم جنون العظمة الذي قاد البارحة ويقود اليوم إلى التدمير. تدمير المجتمع وتدمير العائلة وتدمير الوطن... إلخ.

بعد الحرب العالمية الثانية حاول العالم، الألمان والأوروبيون خصوصا، فهم ظاهرة هتلر. كيف وصل إلى الحكم؟ كيف تحكم بمصير الألمان ومن ثم الأوروبيين والعالم؟ وعمدوا جميعا إلى نقد الفكر الذي سهل نشأة النازية والفاشية، وأقاموا ندوات ونشاطات وكتبوا روايات وصوروا أفلاما وأنشأوا متاحف وأقاموا احتفالات لتذكير العالم بجرائم تلك الحقبة وجهدوا من أجل رأب الصدع ووضعوا قوانين متينة كي لا يتكرر هذا التاريخ. من هنا أتت فكرة الاتحاد الأوروبي. من البديهي القول إنه إذا عاد هتلر اليوم فلن يجد له مكانا في ألمانيا، لذا عودة اليمين المتطرف إلى أوروبا غالبا ما تواجه بتكاتف الأطراف الأخرى رغم اختلاف توجهاتها. ولكن ماذا لو عاد هتلر وحمله الألمان مجددا إلى السلطة؟ من الطبيعي ساعتئذ أن يتحملوا ثمن هذا الخيار وكل الأثمان الوخيمة التي سيدفعونها من جرائه. صحيح أن هناك من لا ذنب له في هذا السيناريو  ولكنه سيكون ضحية الأكثرية وسيدفع ثمن خياراتهم هم للأسف.

للعودة إلى لبنان، لا بد أن يدفع اللبنانيون ثمن خيار الأكثرية، وهذا تماماً ما يجري اليوم.