الضائقة المعيشية تهدّد الحكومة الانتقالية

تذمر شعبي وتساؤلات حول الدعم الدولي

الخرطوم: تهدد الأزمات المرتبطة بمعاش السودانيين استقرار الحكومة الانتقالية، وتُثير تساؤلات حول قدرة الحكومة في الإيفاء بطموحات المواطنين المرتجاة من الثورة التي أطاحت بنظام الرئيس المعزول عمر البشير، إذ تتفاقم أزمات مثل انقطاع الكهرباء المبرمج والعشوائي، فضلا عن تذبذب وفرة الوقود والخبز، وتضخم الأسعار بشكل لا يناسب غالبية السودانيين، ما يتسبب في خسارة الحكومة الانتقالية لقاعدتها الشعبية رغم مشاركة عدد كبير من القوى السياسية في الحكومة.

وتشهد البلاد منذ سنتين حالة من عدم اليقين في أوضاعها الاقتصادية على الرغم من الخطوات الكبيرة التي قامت بها الحكومة على صعيد إسقاط العقوبات الاقتصادية الأميركية، وإعادة الاتصال المالي مع المؤسسات الدولية وتحسن علاقات السودان مع الدول الكبرى، ووعود بمساعدة السودان في الخروج من الأوضاع المتردية.

لكن الوضع الماثل، يشير إلى مشكلات متعلقة بحياة السودانيين اليومية مثل النقص الحاد في العقاقير الطبية، وعدم استقرار حركة المواصلات، والظلام نتيجة انقطاع الكهرباء، مما يضع الحكومة أمام غضب المواطنين، واشتعال الاحتجاجات الشعبية في بعض المناطق، في ظل غياب المبادرة السياسية المطمئنة.

وفيما يبدو أنها محاولة لتهدئة الأوضاع، زار رئيس الوزراء الأسبوع الماضي مدينة عطبرة في ولاية نهر النيل شمال السودان، بيد أن الزيارة قوبلت في بعض أنشطتها باحتجاجات واسعة وانتقادات لرئيس الوزراء وحكومته، واتهامات بعجزها في حل الضائقة المعيشية، وتباطؤ في استعادة الأموال التي يتهم بالاستيلاء عليها أنصار النظام المعزول.

 

 

انسداد الأمل سيؤدي إلى انفجار

ويرى عبد الله العيدروس أحد الشباب الناشطين في المجال العام أن الحكومة تستمر في استخدام منهج الهروب إلى الأمام في مواجهة قضايا لا تحتمل التأجيل مثل إصلاح هيكلة مؤسسات الدولة لمعالجة الصرف الزائد على جهاز مترهل وغير كفء بل مقاوم لعملية الإصلاح كما يظهر ذلك في مؤسسات مثل إدارة الضرائب وإدارات البنوك والمحليات ووزارة المالية نفسها كما أن قضية مناهضة الفساد يجب أن تكون مقدمة على ما عداها وفي كل هذه الملفات ولكن- يضيف: «لا نجد أي تقدم ملحوظ».

ويعتقد عيدروس في حديث مع «المجلة»أن السياسات الموضوعة لمعالجة أثر التضخم على الفقراء لا تأثير واقعيا لها بسبب سوء التنفيذ لمشاريع الرعاية الاجتماعية، معتبرا أن الأوضاع العامة تتطلب تغييرا عاجلا في السياسات وقرارات نافذة بشان الإصلاح الاقتصادي والإصلاح الإداري.

وحسب ملاحظاته، فإن الوضع محتقن نسبة للضائقة الاقتصادية التي من نتائجها الانفلات الأمني وتوسع رقعة الجريمة والعنف والتفكك الأسري والنزوح والهجرة، معتبرا أن هذا الاحتقان سيؤدي إلى انفجار وحالات فوضي عامة مصحوبة بعنف لن تستطيع الحكومة معالجته إلا باللجوء إلى الطرق القديمة في إخماد الاحتجاجات بالعنف المفرط.

ويقول عيدروس إن قطاعا عريضا من الشباب في حالة غضب وهيجان من الإخلال بالوعد وانسداد الأمل وهو أيضا يفتقد للقيادة السياسية الرشيدة رغم رصد تحركات لتطوير التحالفات وتنظيم الجماعات المتفرقة وتوحيدها ما نرجو له النجاح.

لكن مسؤولا حكوميا مأذونا له بالحديث الإعلامي قال لـ«المجلة»: «إن حكومة حمدوك تبذل مجهودات واسعة للسيطرة على الأوضاع، وإن أزمة الكهرباء تحسنت بنسبة كبيرة في شهر رمضان، وكذلك توفر الخبز، وهناك مساع حقيقية لاستمرارية الخدمات الأخرى بصورة جيدة، فضلا عن البرنامج الحكومي (ثمرات) الذي يستهدف تقليل صدمة الإصلاحات الاقتصادية على الفئات المجتمعية الضعيفة»، موضحا أن عملية الإصلاح تتطلب وقتا طويلا والحكومة لا تملك «عصا موسى»لكنها تجتهد بموارد شحيحة، وإن تحسن العلاقات الخارجية يتطلب تدابير وإجراءات للاستثمار فيه، موضحا أن الحكومة ورثت مشكلات واسعة ومعقدة من النظام المعزول، وأن التوترات الأمنية والمشكلات القبلية والأوضاع على الحدود تحد من قدرتها على استعجال عملية الإصلاح.

وتشارك في الحكومة الانتقالية قوى سياسية عديدة مثل حزب الأمة القومي والتجمع الاتحادي، والمؤتمر السوداني، وحزب البعث، إلى جانب الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية سلام، ومجموعات سياسية واجتماعية أخرى إضافة الى المكون العسكري، لكن الأزمات المتلاحقة تجعل قاعدة الحكومة الشعبية تتآكل حسب المختصين في قراءة اتجاهات الرأي العام المحلي.

ويقول صديق دلاي، رئيس تحرير صحيفة «المستقبل»برس لـ«المجلة»إن التفاؤل الكبير الذي توقعه السودانيون من حكومة حمدوك بعد التعديلات التي حدثت عقب توقيع اتفاقيات السلام، أصبحت خيبة أمل.

وذكر دلاي الذي يعد من بين أبرز الكتاب تأييدا للثورة التي أطاحت بنظام البشير، أن حكومة حمدوك باعت كل الفرص المتاحة وانتهى المطاف بتلك الحيرة في وحل موجة الغلاء الثانية، وأضاف قائلا: «حكومة ماري أنطوانيت تقترح الصبر بعد الفشل الذريع لمنع التدهور الأخير في نسخة غير متوقع منها إلا النجاح وإن كان محدوداً».

ويأمل دلاي أن لا تتسبب خطى الحكومة المتثاقلة في حل المشكلات في تآكل رصيد الدعم الشعبي الذي منحه السودانيون للحكومة، داعيا رئيس الوزراء حمدوك عد الرهان على العبور بكونه صاحب رؤية بعيدة ويحقق في الاستراتيجي بينما الشعب يسير على الجمر من يومياته المأزومة، وقد بلغ السيل الزبى، ولا مجال لأي خروج من نافذة التبرير أو الاعتذار، حسب إفادة صديق دلاي.

 

 

سياسة تقود إلى مزيد من الإفقار

ومنذ أيام، قام نحو ثلاثين حزبا سياسيا ومنظمة وتجمعا بتسيلم مجلس الوزراء مذكرة حول الوضع الاقتصادي المتردي وكيفية الحلول؛ حيث أشارت المذكرة إلى أن السياسات الاقتصادية التي تم انتهاجها طوال أكثر من عام ونصف العام من عمر الحكومة الانتقالية لم تلتزم ببرنامج الثورة ولم تعتمد على حشد الموارد الداخلية بل استندت إلى الخضوع للإملاءات الخارجية في القضايا الاقتصادية الداخلية التي يجب أن تدار وفق احتياجاتنا الوطنية.

وطالبت المذكرة الحكومة الانتقالية بالتخلي الكامل عن السياسات القائمة على منهج الصدمة الذي كان يستخدمه النظام المعزول واستبداله ببرنامج المؤتمر الاقتصادي القومي الأول ومذكرات الخبراء الاقتصاديين لقوى الثورة وإعادة النظر في موازنة 2021 التي اعتمدت الصرف المتضخم على الأجهزة الحكومية على حساب التنمية؛ والتراجع عن الزيادات الكبيرة التي تم فرضها على الكهرباء ورسوم الخدمات الحكومية؛ وأن تتولى الدولة استيراد الفجوة في الوقود والغاز والقمح والدواء بدلا من تركها للقطاع الخاص واتباع سياسات تؤدي إلى تقوية سعر صرف العملة الوطنية بدلا عن تخفيضها ودعم الزراعة والصناعة وتشغيل الشباب ومعالجة المشكلات المتعلقة بالمواصلات وفوضي وارتفاع الأسعار وتدهور سعر صرف العملة الوطنية والخبز.

وكان مجلس الوزراء بالاشتراك مع مجلس السيادة أجاز قبل أيام قوانين من بينها قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص، بهدف زيادة فعالية عملية الإصلاح الاقتصادي وتبني منهج مزدوج لإدارة عمليات التنمية الاقتصادية.

بيد أن تحالفا معارضا لسياسات الحكومة الاقتصادية أدان إجازة الحكومة للقانون واعتبره من أسوأ القوانين المعادية لأهداف ثورة ديسمبر (كانون الأول) المجيدة؛ وقالت عضو اللجنة القيادية للتحالف هند التجاني لـ«المجلة»إن قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص ما هو إلا غطاء للتخلص من مؤسسات القطاع العام وتحويل الشركات العسكرية والأمنية والرمادية والتي يجب ضمها إلى وزارة المالية؛ معتبرة أن هذه الخطوة تؤكد أن «المجموعة الموالية للروشتات والإملاءات الخارجية قد سطت على الثورة وأعادت منهج النظام المباد في الاقتصاد».

ورأت التجاني أن هذه السياسة تقود إلى مزيد من إفقار وتجويع المواطنين الذين يعيشون الأزمات المتكررة التي تفتعلها مراكز قوى داخل النظام لتبرير تطبيق السياسات الصادمة، ورفضهم لسياسات حشد الموارد الداخلية التي تؤدي إلى حل كافة الأزمات الاقتصادية والمعيشية.

 

يجب عودة تدخل الحكومة

أما الدكتورة دلال عبد العال المتخصصة في الاقتصاد والأستاذة الجامعية بكلية الإمارات للعلوم والتكنولوجيا، فقد رأت أن ظهور الأزمات الطاحنة والمستفحلة التي شملت الوقود والغاز والخبز والكهرباء والدواء والارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة والتضخم؛تعود إلى تطبيق سياسات لا تناسب البيئة السودانية الاقتصادية.

وتقول عبد العال لـ«المجلة»إن هشاشة الوضع الاجتماعي وتنامي معدلات الفقر وانعدام التنمية المتوازنة  تضع الحكومة أمام خيار واحد بانتهاج فلسفة اقتصادية تراعي البيئة السودانية، وتمكن الدولة من الولوج والاندماج في الاقتصاد العالمي، معتبرة أن سياسة السوق وحدها ليست الخيار المناسب للبلاد في الوقت الحالي، داعية إلى المزج بين سياسات السوق والحرية الاقتصادية وسياسات تدخل الدولة وعمل تشكيلة مناسبة من تدخل القطاع الخاص والعام في الحياة الاقتصادية.

ورأت أن سياسة خروج الدولة عن استيراد السلع الأساسية وفي مقدمتها الوقود والقمح والدواء وترك ذلك للقطاع الخاص تسبب في الشح والندرة وارتفاع الأسعار، وقالت إن الحكومة تغض الطرف عن انتشار محال بيع الأسلحة في السوق السوداء.

 

التحضير للانتخابات المقبلة

وفي تحليله لاتجاهات الرأي العام إزاء هذه الأوضاع وتأثيرها على الحكومة الانتقالية، يقول الدكتور إبراهيم محمد أحمد أستاذ العلوم السياسية بجامعة بحري، إن الأزمة الاقتصادية كانت سببا في اندلاع ثورة الشباب للإطاحة بنظام الرئيس البشير وحزب المؤتمر الوطني، موضحا أن آخر حكومة للرئيس المعزل ضمت أكثر من 106 أحزاب وجماعات سياسية.

ويضيف محمد أحمد لـ«المجلة»أن الرأي العام الذي ساند بقوة تغيير النظام في ديسمبر، واجه ذات المشكلات الاقتصادية القديمة بل وتفاقم الوضع، مما تسبب بشكل ملحوظ في خيبة أمل سائدة في اتجاهات الرأي العام.

واعتبر أن التغيير المنشود بدا وكأنه سراب، وانتشر التذمر نتيجة حالة عدم يقين في الاقتصاد ووعود بالدعم الدولي بينما الخزائن خاوية من العملات الأجنبية، فضلا عن تأثير تضارب تصريحات المسؤولين ما يزيد من حالة التذمر والغضب الشعبي، وبدأت تطرح التساؤلات وتثار الشكوك حول الشعارات التي رفعت في الثورة بخاصة وسط الشباب الذي كان يأمل في تغيير المعادلة الاقتصادية نحو الأفضل، لكن الحكومة الانتقالية لا تطرح حتى مبادرة تلبي مطلوبات وطموحات المواطنين، ولا يبدو أن لديها حلولا للأزمات، ما يدفع بأهمية خيار التوافق السياسي العام والبدء في ترتيبات لإجراء انتخابات تأتي بحزب صاحب أغلبية يستطيع أن يأخذ البلاد إلى بر الأمان مع الاحتفاظ باتفاقيات السلام الموقع مع الحركات التي تحمل السلاح.