الهند تطلب دعم الخليج في مواجهة موجة كورونا القاتلة

تعثر الاقتصاد يهدد ما يزيد على 10 ملايين هندي

 

مساء الخميس قبل الماضي، أعلن غوردوارا وهو مكان لعبادة السيخ يقع في ضاحية إندرابورم في نيودلهي أنه سيوفر الأكسجين مجاناً لمرضى كورونا، حتى يتمكنوا من الدخول إلى المستشفى.

ومع انتشار الخبر، جاء الناس في سياراتهم أو على أقدامهم أو دراجات الريكشا يستميتون للحصول على أنابيب الغاز التي يشهد سكان الهند نقصًا حادًا فيها.

وفي يوم الجمعة، كانت الأرصفة والشوارع المحيطة بالمعبد تفيض بالمرضى اللاهثين المختنقين ومن حولهم أفراد عائلاتهم وأصدقائهم.

تشتهر معابد السيخ بمطابخها المجتمعية المسماة «لنغار» والتي تقدم وجبات كاملة لأي شخص يأتي إليها. تصبح هذه المطابخ ذات أهمية خاصة في أوقات الكوارث.

بينما تتعامل الهند مع حالة فزع كبرى بسبب تصاعد الموجة الثانية من فيروس كورونا، ينشر غوردوارا المتطوعين للعمل في تفقد مستويات الأكسجين لدى المرضى حديثي القدوم ووضعهم على أجهزة التنفس.

لا تحظى أغلب مستشفيات الهند بأجهزة مستقلة لتوليد الأكسجين وتقديمه مباشرة للمرضى، والسبب في الأساس هي أنها تتطلب توفر إمداد كهربائي لا ينقطع، وهو أمر نادر في ولايات عديدة. وفي غوردوارا، يواصل المتطوعون والمتبرعون توفير اسطوانات الأكسجين عبر شرائها أو نقلها من جميع أنحاء المدينة وجلبها إلى المكان.

 

إعلان انتصار قبل أوانه

على مدار الأسابيع الثلاثة السابقة، استحوذت مقاطع فيديو وصور مروعة لمشاهد الفوضى في مستشفيات الهند والمشارح والمقابر على انتباه العالم. ظنت دول عدة أن الهند كانت تتحرك بحسم وسرعة للقضاء على الفيروس. وفي يناير (كانون الثاني) عام 2021، خاطب رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي منتدى الاقتصاد العالمي بدافوس في اجتماع افتراضي، معلنًا قبل الأوان أن الهند تغلبت على أسوأ مراحل الجائحة بتطوير بنية صحية خاصة بالتعامل مع كوفيد وبتدريب مواردها البشرية على مكافحة الفيروس. ولوهلة بدت كلمات مودي حقيقية.

وقبل عام تقريبًا في منتصف أبريل (نيسان) عام 2020، أعلنت الهند عن تسليم إمدادات من عقار هيدروكسي كلوروكين، وباراسيتامول إلى الإمارات العربية المتحدة والأردن، بصفتها أدوية ضرورية تدخل في علاج الفيروس. وفي تصريحاته استخدم مودي عبارته المفضلة في وصف الهند بـ«صيدلية العالم»، بل وأرسل فرقا تضم 88 طبيبًا وممرضًا إلى الإمارات في مايو (أيار) عام 2020 لدعمها في مكافحة الفيروس، وبعث فريقًا طبيًا عسكريًا مكونًا من 15 فردا مع إمدادات إلى الكويت، بالإضافة إلى كميات من عقار هيدروكسي كلوروكين إلى البحرين.

كذلك تصدرت الهند الأخبار بفضل تبرعها واسع النطاق باللقاحات بصفتها واحدة من أكبر مراكز تصنيع اللقاحات في العالم. وبدأ تلقي لقاح أسترازينيكا المصنوع في الهند في دول الخليج التي بادرت مبكرًا لشراء شحنات منه في حملات تلقيح سكانها.

وكان كل من وزير الشؤون الخارجية جاي شانكار، ووزير الخارجية هارش شرينجلا في الهند، على تواصل مستمر حينئذ مع نظرائهما في الخليج.

 

عودة مغتربي الهند من الخليج

في مرحلة ما في منتصف عام 2020، بدأت البعثات الدبلوماسية الهندية في الخليج في تسجيل الهنود المغتربين الذين يرغبون في العودة إلى الديار، وكانت النتيجة إسراع ما يزيد على 870,000 مغترب بالعودة إلى ولاية كيرالا الجنوبية وحدها. وكان من بين العائدين ما يصل إلى 5,67,138 شخص فقدوا وظائفهم رسميًا نتيجة للعودة، بحسب وزارة شؤون الهنود غير المقيمين في كيرالا.

وفي الجانب المقابل، بعد أن شعر كثير من المغتربين الآخرين بالذعر نتيجة لعدم قدرتهم على التحكم في الموارد الصحية، قرروا العودة إلى الخليج أو تأجيل سفرهم إلى الهند. وكانت سيدة أعمال هندية مقيمة في البحرين تبكي وهي تصف كيف تُرِك والدها المليونير الذي كان يعمل في الجيش سابقًا دون إنقاذ وهو يعاني من ضيق تنفس شديد بسبب نقص الأكسجين، وبعد ذلك كان على مرافقيه البقاء بجوار جثمانه في موقع إحراق الجثامين المزدحم بشدة ليتجنبوا ضياع جثمانه وسط أكوام الرفات.

وقالت: «لو أن الوضع طبيعي، كان سيحصل على جنازة عسكرية يُلف فيها الجثمان بعلم البلاد، ولكنهم اضطروا لإتمام إجراءات الحرق في مكان مكتظ كمحطة قطار».

وقال إيرودايا راجان، خبير الهجرة الدولية ورئيس قسم أبحاث شؤون الهنود بالخارج في مركز دراسات التنمية في ثيروفانانثابورام إنه على الرغم من ارتفاع أعداد العائدين فإن تقديرات وزارة شؤون الهنود غير المقيمين في كيرالا تشير إلى أن الأعداد أكبر بكثير.

وأوضح قائلًا: «يوجد حوالي 10 ملايين هندي في دول الخليج، وعلى أفضل تقدير ربما عاد منهم 500 ألف شخص، وهذا سيكون أكبر عدد في الأعوام الخمسين الأخيرة».

وأضاف: «كذلك الوضع غير مستقر، عاد بالفعل عشرات الآلاف إلى أماكن عملهم والبعض منهم حصل على وظائف جديدة».

 محرقة جثث في غازيبور في الهند (غيتي)
​​​​

دول مجلس التعاون الخليجي تقدم مساعدات

بعد أن كانت الهند تؤدي دور الشقيقة التي تقدم مساعدات في أزمة الجائحة بتوزيع الأدوية واللقاحات، انزلقت سريعًا إلى وضع عاجل متأزم مشابه لما وقعت فيه إيطاليا ونيويورك في عام 2020.

في هذه المرحلة، استطاع التقارب الذي حققه رئيس الوزراء الهندي مع دول غرب آسيا الثرية بالطاقة في جني ثمار ملموسة وغير ملموسة. كان منها لفتات التضامن الحالية بإضاءة برج خليفة بألوان العلم الهندي، وإضاءة بورصة أبو ظبي بألوان ثلاثية في تعبير رمزي عن الصلات الاقتصادية والتجارية التي تربط بين البلدين. وعلى الرغم من أن الخطوط الجوية الخليجية أبقت الرحلات مفتوحة بحذر، فإنها كانت سريعة في طلب تحاليل إضافية وشهادات صحية من المسافرين إلى الهند والقادمين منها.

طلبت الهند المساعدة من دول عديدة لإعادة ملء خزانات الأكسجين لديها، في عملية أُطلق عليها «أكسجين مايتري». وحددت وزارتا الشؤون الداخلية والدفاع في الهند عدة دول لشراء خزانات ذات سعة كبيرة واسطوانات أكسجين. كما تعمل الحكومة بالتنسيق مع سنغافورة والإمارات على رفع الخزانات كبيرة السعة عن طريق طائرات القوات الجوية الهندية.

وتعهدت حكومات السعودية والإمارات والبحرين وعمان والكويت بالدعم، وبالفعل أرسلت أول دفعة من المساعدات إلى الهند المتأزمة. كما شحنت السعودية 80 طنا متريا من الأكسجين السائل إلى الهند بالتعاون مع مجموعة أداني وشركة ليندي البريطانية متعددة الجنسيات.

وفي الأسبوع الماضي، أرسلت الهند طائرة عسكرية إلى الإمارات لنقل حاويات أكسجين والعودة بها لاستخدامها في مستشفياتها. ونقلت الطائرة 6 حاويات تبريد عميق فارغة من دبي بحسب ما ذكرته تقارير إعلامية في الهند. ومن المقرر أن تستخدم الحاويات لتخزين الأكسجين السائل بهدف مساعدة مرضى فيروس كورونا على التنفس.

أما الجالية الهندية في الخليج والتي كانت دائما ما تسارع بتقديم الإغاثة، فقد تأخرت بعض الشيء هذه المرة، إلى حد كبير بسبب إجراءات تحويل الأموال الصارمة للغاية التي تقيد مسيرات التبرعات.

ولكن لم يمنع ذلك المعبد الهندوسي في أبوظبي، وهو الأول من نوعه في المنطقة، ولا معبد غورو ناناك داربار في دبي من قيادة مساعي الهنود في الإمارات لإرسال إمدادات الأكسجين إلى مرضى كورونا في موطنهم.

كذلك يعمل معبد بابس هنودس ماندير في أبوظبي على توفير سلسلة توريد لخزانات واسطوانات الأكسجين كل شهر بدءًا من الأربعاء الماضي. وقال سوامي براهمافيهارداس: «سنوفر هذا الأكسجين للمحتاجين عبر الحكومة وعبر شبكة مستشفيات خاصة بعلاج حالات كورونا خاصة بالمعبد».

وأضاف أن أول جولة إغاثة مرسلة هذا الأسبوع سوف تتضمن 44 طنا متريا من الأكسجين السائل في 600 أسطوانة ومكثفات أكسجين. وأشار إلى أن «مجموعة ترانس وورلد تتولى الدعم اللوجيستي لهذه الإغاثات الإنسانية جوًا وبحرًا».

كذلك يقدم معبد غورو ناناك داربار إمدادا شهريا بـ10 حاويات أكسجين، وفقا لتصريحات سوريندر سينغ كانداري رئيس المعبد الذي قال: «نعمل على تنظيم المساعدات بالفعل، وأول شحنة سوف ترسل يوم السبت أو الأحد». وأضاف: «سوف نقدمها لدعم من يحتاجون الأكسجين في دلهي وبنجاب».

وكان من الحكومة الهندية أن رفضت جميع عروض تقديم تبرعات نقدية، وذلك إدراكًا منها لمكانتها كدولة ذات تأثير حديث وقوي في غرب آسيا. وأوضح المتحدث باسم القنصلية الهندية في دبي أن الهند لم تطلب تبرعات نقدية، وقد وجهت البعثة الأشخاص الراغبين في تقديم الدعم بتوفير الأكسجين إلى جمعية الصليب الأحمر الهندية، التي تعمل مع وزارة الصحة الهندية على توزيع الأكسجين الطبي.