تداعيات مقتل الرئيس ديبي على الأوضاع في ليبيا

بسبب وجود معارضة تشادية مسلحة على أراضيها
احتجاجات في تشاد بعد مقتل الرئيس (غيتي)

القاهرة: يبدو أن مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي المفاجئ خلال عمليات عسكرية قادها بنفسه ضد قوات المعارضة التشادية (جبهة الوفاق والتغيير التشادية) سوف يلقي بظلاله على الأوضاع في تشاد، ووسط أفريقيا، كما ستكون له ارتدادات كبيرة وخطيرة على الأوضاع في ليبيا، فمع اتخاذ قوات المعارضة التشادية من الجنوب الليبي «المفرغ أمنياً»قاعدة لانطلاقاتها للقيام بأعمال مسلحة في الداخل التشادي، خاصة وأنها تسيطر على بعض المناطق الليبية وتمتلك الأسلحة والأموال وأنها قد تجعل من الجنوب الليبي ساحة خلفية لصراعها مع الجيش، والنظام التشادي، في ظل مشاركتها مع أحد أطراف الصراع الليبي، المشير خليفة حفتر، وتلقيها تدريبات قوية على يد المرتزقة الروس الموجودين في ليبيا (فاغنر)، إضافة إلى وجود عناصر عديدة من مقاتلي «جبهة التغيير والوفاق»الذين يعملون موظفين في شركة «فاغنر»الروسية والتي يملكها أحد المقربين للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وما يؤكد على اشتعال وسخونة الموقف بعد مقتل الرئيس إدريس ديبي الذي حكم البلاد لأكثر من 30 عاما، هو الدعم الذي تلقاه نجله محمد ديبي، الذي تولى مقاليد الأمور في البلاد، خلفا لأبيه من قبل حكومة فرنسا، والتي أصر رئيسها إيمانويل ماكرون على حضور جنازته، رغم تحذيرات المعارضة له من الإقدام على مثل هذه الخطوة، وإعلان المعارضة التشادية وقف إطلاق النار حتى إتمام جنازة ديبي، متعهدة في ذات الوقت بمواصلة زحفها والتقدم نحو العاصمة انجمينا، وهو ما يؤشر على أن الأوضاع سوف تزداد اشتعالا، حيث ستسعى فرنسا بكل تأكيد إلى تقديم الدعم للرئيس الجديد محمد ديبي، للتأكيد على نفوذها في المنطقة، ولعدم خسارة حليف مهم يساعدها على الوجود القوي في وسط أفريقيا، وحصول المعارضة أيضا على دعم أطراف ليبية، إضافة لدعم جماعات «فاغنر الروسية».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال جنازة الرئيس التشادي (غيتي)

مستقبل غامض وكل الاحتمالات واردة

ومع مقتل الرئيس التشادي إدريس ديبي الذي كان ضمن الحلفاء الأمنيين لليبيا، هناك ملاحظات أساسية يجب التطرق إليها، وذلك حسب الكاتب والمحلل السياسي المصري عبد الله السناوي، وهي:

أولا: لا بد من استيضاح الظروف التي اغتيل فيها الرئيس التشادي السابق، لأن الرواية الرسمية غير متماسكة وغير مقنعة والتي تحدثت عن أنه قتل في اليوم التالي لانتخابه أثناء قيادة قواته للقتال ضد المتمردين، وهي رواية مشكوك فيها من حيث التوقيت.

والسؤال الثاني- حسب السناوي- هو الذي يوضح إذا ما كان نجله محمد إدريس ديبي، وهو جنرال قد جاء إلى رئاسة المجلس العسكري ضمن تسويات حتى لا تنفرد «جبهة ديبي»؟ أم إنه جاء لأسباب أخرى؟

ومن غير الواضح حتى الآن طبيعة القوة التي يتمتع بها ديبي الابن، «هل هو رجل قوي جديد في تشاد؟»أم إنه «نسخة باهتة من والده»، ومؤقتة، ومرتبطة بالتحولات؟ وذلك في ظل وجود معارضة تشادية مسلحة، وقوية. والصيغة كلها قائمة على تحالفات بين جماعات مسلحة قديمة منذ الإطاحة بالرئيس حسين حبري وقبلها، وبالتالي نحن نتكلم عن حوالي 40 عاما من الحروب الأهلية بين عصابات، أو مجموعات مسلحة.. وليبيا طوال الوقت هي عمق استراتيجي لتشاد... ولعلنا- يضيف السناوي: «ما زلنا نذكر أن المشير خليفة حفتر قاد اشتباكات، أو عمليات عسكرية داخل الأراضي التشادية وقد تم أسره».

محمد إدريس ديبي وسط مجموعة من القادة العسكريين خلال إعلان وفاة والده (أ.ب)

إذن التداخل موجود، ولكن ما هي حدود هذا التداخل؟ وما هي حدود الضمانة السياسية لاستتباب الأمر، خاصة أن الرئيس ديبي الأب عرف عنه مقارعة الإرهاب، والجماعات الإرهابية، وهناك فارق بين الجماعات الإرهابية كالقاعدة، وداعش، ومثيلاتها، وبين المعارضة المسلحة التي لها برامج سياسية ولها الطموح نفسه للعب دور أكبر في الحياة العامة، والحياة السياسية التشادية، وحتى هذه اللحظة- نتيجة غموض مقتل ديبي وحقيقة التعهدات الفرنسية ومدى صلابتها- أعتقد أن المستقبل التشادي القريب غامض بل شديد الغموض، وبالتالي كل الأشياء محتملة في المسألة الليبية، ومدى انتقال شرارات اللهب من تشاد إلى ليبيا رغم محاولات بناء نظام جديد أكثر تماسكا ومشروعات وطنية تكتنفها الكثير من العقبات، وهو ما سيتضح خلال الأيام القادمة، وفي الحقيقة نحن أمام مجموعة من الأسئلة الكبري التي تخيم على تشاد، وبالتبعية على ليبيا.

والحكم على علاقة تعاون المعارضة التشادية مع «فاغنر الروسية»، أو أحد أطراف الصراع الليبي، حسب رأي السناوي، «يحتاج إلى اتضاح الحقائق والمعلومات الأساسية، لأن كل ذلك افتراضات، ولكن بالطبع عليها إشارات وليس من الممكن بناء تصور متماسك إلا عندما تتضح المعلومات الأساسية: ما الذي جري في اغتيال إدريس ديبي؟ ما حقيقة اغتياله؟ هل جاء ذلك من داخل معسكره؟ أم إن الرواية الرسمية صحيحة، وأنه قتل في المعارك؟ لأن لكل افتراض افتراضين كبيرين، ولكل افتراض تبعاته وحساباته، فإذا كان قد قتل من داخل معسكره في عملية تصفية حسابات وجرت لملمتها باختيار نجله لقيادة المجلس العسكري فهذا معناه أن الأوضاع هشة جدا، وسوف تتغير سريعا».

ومقتل ديبي هو مكسب للمعارضة التشادية المسلحة، فالرئيس ديبي يمسك بمقاليد السلطة منذ 30 عاما، وإزاحته سوف تغير من أوراق اللعبة وتربكها.

أما بخصوص تحالف المعارضة التشادية المسلحة مع أي من أطراف الصراع في ليبيا خلال هذه الآونة، فيقول عبد الله السناوي إنه «غير وارد، حيث إن قوة الدفع لحل الأزمة الليبية أكبر بكثير من طاقة المعارضة التشادية المسلحة في إرباك المشهد الليبي، ولكنها تتداخل بشكل أو بآخر، وإذا ما أفلست الأوضاع في ليبيا فسوف نرى وضعا مختلفا، ولكن حتى الآن الوضع الليبي تضمنه حسابات دولية وأميركية، وروسية، وفرنسية، ومصرية، وتركية، فهذه اللعبة محكومة، وإذا ما فشلت فكل سيناريو يكون محتملا وأي جماعات مسلحة في تشاد، أو غيرها يمكنها أن تتداخل هنا أو هناك. ولكن في حدود الوضع الحالي، فهذا سؤال مؤجل إلى أن تتضح قدرة الصيغة الليبية في آخر العام في التقدم بخطوات ملموسة خاصة فيما يتعلق بترحيل المرتزقة، أو بناء جيش وطني واحد وإجراء انتخابات، وغير ذلك».

 

دورية أمنية ليبية تجري تمشيطاً للدروب الصحراوية بحثاً عن متسللين (القوة المشتركة التابعة لقوات الوفاق)

 

تخوفات من انقسام بين الشمال والجنوب

الفراغ الأمني الذي أحدثه مقتل الرئيس ديبي تصل ارتداداته إلى أبعد من ليبيا وهو ما يتطلب عدم رضوخ طرابلس للتغيرات الجيوسياسية المحتمل حدوثها في تشاد، كما يجب أن يقوم المجلس الرئاسي بدور الوسيط الإقليمي الفاعل لفتح مفاوضات بين النظام التشادي في انجمينا، والمعارضة التشادية المسلحة لتهدئة الأوضاع وتجنيب ليبيا والمنطقة مخاطر الأزمة التشادية، وتكثيف الجهود الليبية من أجل العمل على إصلاحات طويلة الأجل في تشاد- حسب الباحث السياسي أحمد الصويعي- لأن تحول تشاد لبؤرة من بؤر الصراع ستكون له تداعياته وآثاره على دول الجوار وفي مقدمتهم ليبيا.

كما أن وجود المعارضة التشادية المسلحة على الأراضي الليبية، وامتلاكها الأسلحة والعتاد والأموال يمثل خطورة كبيرة على المشهد، وفي حال سيطرتها على تشاد فإن هذا الوضع يهدد الدولة الليبية بشكل كبير، حيث يظل الجنوب الليبي مهدداً بالانقسام والسيطرة عليه من المعارضة التشادية.

 

تأثر حتمي وسريع بالأحداث

كما أن ليبيا- خاصة الجنوب الليبي- ستتأثر بشكل مباشر بالأحداث الجارية في تشاد، وحدوث أي فراغ في السلطة، أو انهيار لمنظومة الدولة ستزيد من فاعلية العصابات المسلحة العابرة للحدود مع تشاد والتي عانى منها الجنوب الليبي بشقيه الغربي والشرقي حسب ناجي مختار، عضو المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، والذي أكد على ضرورة وجود المؤسسة العسكرية بشكل مكثف على الحدود الجنوبية الشرقية، والجنوبية الغربية.

وغياب ديبي عن المشهد يشكل مصدراً للقلق على أمن ليبيا، كما ستكون له تأثيرات رهيبة على المنطقة، لأن تشاد هي المورد الوحيد للمقاتلين لمجموعة دول الساحل الخمس، والوحيدة التي تمتلك جيشا فعالا، كما أن الاضطرابات التي ستأتي بعد مقتل ديبي ستصب في مصلحة تنظيم جبهة النصرة، وتنظيم داعش. وفي حال نجحت المعارضة التشادية (جبهة التغيير والوفاق) في الاستيلاء على السلطة، فسوف يحدث انقسام بين الشمال والجنوب مرة أخرى مع سيطرة «التبو»وامتداد الاضطرابات من ليبيا عن طريقهم ، ومن الممكن أن نرى تحالفات مع أطراف ليبية، أو الميليشيات، وهو ما دفع رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إلى اتخاذ إجراءات فورية لتأمين الحدود الليبية الجنوبية مع تشاد، والتعامل مع أي أهداف معادية، إضافة إلى دعوة مجلس النواب في بيان له، جميع الجهات المختصة بحماية البلاد وأمنها إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وحازمة لتأمين وحماية البلاد وحدودها الجنوبية، ومطالبا اللجنة العسكرية (5+5) بالإسراع في توحيد المؤسسة العسكرية لضمان أمن واستقرار البلاد وتأمين حدودها.