احتمالات فرض عقوبات أوروبية على ساسة لبنانيين

في أثناء اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل هذا الأسبوع، دعا وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، الاتحاد الأوروبي للبدء في عملية فرض عقوبات على مسؤولين لبنانيين يعرقلون حل الأزمة اللبنانية والمبادرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ عدة أشهر، فيما يُعد تحولًا كبيرًا في سياسة فرنسا تجاه لبنان وانتقالا مهما من الدبلوماسية إلى ممارسة الضغط.

وسعى ماكرون إلى التباحث مع مسؤولين لبنانيين لتشكيل حكومة إنقاذ من أجل تنفيذ إصلاحات وإدارة برامج مساعدات بهدف انتشال لبنان من مأساته الحالية. ولكن يبدو أن حزب الله لا يشاركه الهدف ذاته، حيث يرغب التنظيم في نفوذ أكبر وليس أقل، وسوف تقلص المبادرة الفرنسية من نفوذه بالتأكيد.

ضاق الفرنسيون ذرعًا من تمديد المسؤولين اللبنانيين لعملية تشكيل الحكومة وقرروا اتخاذ موقف أكثر صرامة وبدأوا عملية الإعداد للعقوبات. في تصريحات لـ«سكاي نيوز»العربية، صرح وزير الخارجية الفرنسي بأن فرنسا «لن تتردد في اتخاذ إجراء ضد مسؤولين لبنانيين تخلوا عن الصالح العام لأجل مصالحهم الشخصية».وقد يتم اتخاذ إجراءات إضافية أيضًا، مثل فرض حظر سفر على سياسيين لبنانيين بالإضافة إلى تجميد أرصدتهم الأجنبية.

هذا تحول مهم بالفعل، بيد أن التنفيذ ليس سهلا. قررت فرنسا الذهاب إلى الاتحاد الأوروبي بدلًا من فرض عقوبات فرنسية مباشرة، وهو ما يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا ولكنه سيستغرق وقتًا أطول، بسبب بيروقراطية الاتحاد الأوروبي، كما أنه سيتطلب موافقة الدول الأعضاء البالغ عددها 27 دولة، وهو ما سيضيف قدرًا من التعقيد إلى العملية.

وفي الوقت ذاته، لا يملك لبنان رفاهية الوقت.

 

مخاطر وشيكة

وفقًا لتقارير صحافية من لبنان، سوف ينفد احتياطي المصرف المركزي في غضون شهر، وستُجبر الدولة على التوقف عن دعم سلع أساسية. يعني هذا زيادة معدل البطالة والتضخم وسقوط مزيد من اللبنانيين تحت خط الفقر، وتقع بالفعل نسبة تزيد على 50  في المائة من اللبنانيين تحت خط الفقر. كذلك انخفضت قيمة الليرة اللبنانية بنسبة 90 في المائة مما يهدد استيراد سلع أساسية في ظل ندرة عملة الدولار. وبحسب ما ذكره البنك الدولي، يواجه الاقتصاد اللبناني «كسادا شاقا وطويلا»في ظل توقعات بانخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تقارب 20 في المائة.

وما يثير قلقًا أكبر هو أن حزب الله لن يسمح للمصرف المركزي بالتوقف عن دعم السلع الأساسية، وتحديدًا الوقود والدواء والغذاء، لأن هذه السلع هي المواد الأساسية التي يقوم التنظيم بتهريبها من لبنان إلى سوريا. والحزب يشتريها بأسعار زهيدة في لبنان- لأنها مدعمة- ثم يبيعها بأسعار أعلى خارج لبنان، وبالتالي يجني مبالغ كبيرة بعملة الدولار.

ولكن عندما ينفد احتياطي المصرف المركزي، سيكون لحزب الله خطة أخرى. فسوف يضغط على المصرف المركزي من أجل الوصول إلى الحسابات المصرفية في البنوك الخاصة. وبالتالي سيصبح الشعب اللبناني هو من يمول عمليات التهريب التي ينفذها حزب الله بأموال من مدخراته الخاصة- والتي لم يعد بإمكانهم الوصول إليها منذ شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019. وبناء عليه، سيتمكن حزب الله من الاستمرار في وضعه- بقدر ما- لمدة عام أو نحوه، وهي فترة قد تكون كافية حتى تجني المفاوضات النووية بين أميركا وإيران ثمارها.

في ظل هذه التطورات السريعة في لبنان، قد لا يسمح الوقت لفرنسا بتحريك العقوبات الأوروبية عبر القنوات البيروقراطية وانتظار موافقة الجميع. لقد تأخر الوقت بالفعل، حيث إن حزب الله استحوذ بالفعل على كبرى مؤسسات الدولة ومواردها، وها هم الآن يسعون وراء أموال الشعب.

وفي نهاية الأمر، تظل المشكلة الأساسية في لبنان هي حزب الله، وإيران في نهاية المطاف. وبالتالي يجب على أوروبا أن تنظر إلى جذور المشكلة وليس فروعها.

 

المشكلة الأساسية هي حزب الله

حتى إن تم تمرير العقوبات على الفور، فسوف تعاقب حلفاء حزب الله، بقدر ما فعلت عقوبات ماغنيتسكي الأميركية في العامين الماضيين، ولكن حتى تلك لم تمنع حزب الله من فرض سيطرته على لبنان ومؤسساته وموارده. أما النتيجة الإيجابية الوحيدة فجاءت نتيجة للعقوبات الأميركية على إيران، والتي منعت حزب الله من الحصول على العملة الصعبة التياعتاد الحصول عليها مباشرة من إيران. وبالتالي توقف العديد من برامجه، كما انكمشت قاعدة مؤيديه. بيد أن عملياته الأساسية، العسكرية والمالية، لم تتوقف.

ربما أدرك ماكرون هذا بالتدريج على مدار الشهور القليلة السابقة، بعد أن أعلن عن مبادرته الفرنسية في بيروت، في أثناء زيارته بعد انفجار مرفأ بيروت الذي دمر نصف المدينة وأودى بحياة مائتي شخص. ثم اجتمع بعد ذلك مع الجميع، بمن فيهم ممثلون ومسؤولون من حزب الله. وعندما سئل عن الأمر كان رده أنه يعتبر أن حزب الله يمثل قطاعًا كبيرًا من الشعب اللبناني ولا يمكن إقصاؤه. بيد أن سبب ذلك كان اعتقاد الفرنسيين أن حزب الله يمكن أن يكون جزءًا من الحل وليس المشكلة.

ولكن عندما سارت الأمور نحو تشكيل حكومة إنقاذ واصطدمت بحائط صد، بدأ الفرنسيون يدركون أن حزب الله ليس مجرد جزء من المشكلة، بل هو المشكلة الأساسية... وفي سبتمبر (أيلول) 2020، أخبر ماكرون حزب الله أن عليهم الاختيار ما بين الاستمرار كجماعة إرهابية أو أن يصبحوا حزبًا سياسيًا لبنانيًا له تمثيل برلماني. لكن من الواضح أن حزب الله قرر أن يكون الاثنين، وأن يتصرف كتنظيم إرهابي دون الحاجة إلى التخلي عن مكانته السياسية داخل مؤسسات الدولة. وفي النهاية، طالما لا توجد مساءلة ما الذي يوجب على حزب الله الاختيار؟

إن حزب الله منظمة إيرانية وليس لبنانية، وبالتأكيد لا تزعجه أي ديناميكيات لبنانية فرنسية. والوسيلة الوحيدة للضغط على حزب الله هي مضاعفة الضغط وليس التسوية. فهم الرئيس الفرنسي الأمر، وربما تصدُر العقوبات عاجلًا أو آجلًا، بيد أنها لن تكون كافية لاحتواء حزب الله في لبنان أو إيران في المنطقة. من دون سياسة واضحة، يتم تنسيقها بالكامل بين الولايات المتحدة وأوروبا، بهدف احتواء حزب الله، سوف يصبح لبنان رسميًا مستعمرة إيرانية.

وهذا ليس مستحيلًا، إذا تضمنت المباحثات النووية بين أميركا وإيران- بالتفصيل- عمليات إيران الإقليمية، بما فيها أعمال حزب الله في لبنان. ولا يجب تخفيف أي عقوبات دون تناول المخاوف الإقليمية.

 

* حنين غدار: باحثة في زمالة فريدمان في برنامح غيدولد للسياسة العربية بمعهد واشنطن، حيث تركز على سياسة الشيعة في المشرق.