مسرحية الانتخابات الرئاسية في سوريا

وسط ظروف «غير طبيعية» ورفض دولي
من سوق الحميدية وسط العاصمة دمشق (غيتي)

القامشلي: حدّد نظام الرئيس السوري بشار الأسد موعد الانتخابات الرئاسية التي ستشهدها البلاد يوم 26 مايو (أيار) المقبل، رغم عدم مشاركة المعارضة فيها والتي كان من المقرر أن تشارك فيها بعد الانتهاء من وضعِ دستور جديد للبلاد، كما كان متوقعاً بحسب جدول أعمال «اللجنة الدستورية»، لكن هذه الأخيرة لم تحرز أي تقدّمٍ في عملها رغم عقدها لخمس جلسات في مدينة جنيف السويسرية بمشاركة الوفدين الرئيسيين فيها والمكونين من الحكومة ومعارضتها، إلى جانب وفدٍ ثالث كان يمثّل المجتمع المدني.

وبلغ عدد المرشحين في هذه الانتخابات مع الأسد، 51 مرشحاً بينهم 7 نساء ومرشح من أكراد سوريا، وفق ما أعلن رئيس مجلس الشعب السوري (البرلمان) حمّودة صبّاغ نهاية الأسبوع الماضي، والذي لم يستبعد وصول عدد المرشحين للرئاسة إلى 35 مرشّحاً، ولكن باب الترشّح أغلق يوم 28 أبريل (نيسان)، ولم يعلن المجلس الذي يرأّسه عن مرشّحين جدد.

 

 

نازحون سوريون يتظاهرون ضد الرئيس الأسد والانتخابات الرئاسية المقبلة في مدينة إدلب )غيتي)

 

أحزاب تقاطع... وصناديق الاقتراع ليست في كلّ مكان

من المتوقع أن يصوّت أعضاء كتلة حزب البعث (الحاكم) والبالغ عددهم 170 عضواً، مجدداً للرئيس الحالي، بحسب ما أعلنت وكالة الأنباء الرسمية الحكومية (سانا)، لكن أحزابا مرخّصة لدى النظام السوري قررت مقاطعة هذه الانتخابات مثلما فعل حزب التضامن المحسّوب على معارضة الداخل.

وكشف رئيس حزب التضامن في تصريحاتٍ هذا الأسبوع أن «حزب البعث استحوذ على مقاعد مجلس الشعب، ولهذا السبب قرر حزبه مقاطعة الانتخابات الرئاسية في البلاد»، والتي ستجري بعد نحو عقدٍ من حربٍ طاحنة تشهدها سوريا على خلفية اندلاع احتجاجات شعبية معارضة لرئيسها منتصف شهر مارس (آذار) من عام 2011.

وقال غسان إبراهيم، الإعلامي والأكاديمي السوري إنه «من الواضح أن ما يسمى الانتخابات التي سيعقدها نظام الأسد هي ليست انتخابات في واقع الأمر، وإنما مجرّد عملية لتمرير بقاء النظام السوري الحالي من خلال شكليات توحي أن ذلك تمّ في جوٍ ديمقراطي».

وأضاف لـ«المجلة» أن «الانتخابات تتطلب أولاً جواً ديمقراطياً لأنها جزء من الديمقراطية، أما استخدامها في أجواء غير ديمقراطية وفي ظل غياب الحريات، كما هو الحال في سوريا الآن، فهي محاولة تشبه الانتخابات الإيرانية للقول بأن لديهم انتخابات، بينما في الحقيقة هي تكريس للديكتاتورية تحت اسم الانتخابات».

وتابع الإعلامي السوري: «كان يمكننا وصف هذه الانتخابات بالشرعية أو ما إلى ذلك، لو كانت هناك أجواء آمنة وتوحي بالديمقراطية وتسمح للجميع بالمشاركة، وتمنح الحق لهيئة خاصة مستقلة تحدد من يحق له الترشح ومن لا يحق له ذلك، كما يحصل في كل دول العالم. فحين يترشح أي شخص لمنصب رئاسي يجب أن لا يكون متهماً جنائياً وليس بالضرورة أن يكون هناك إثبات يؤكد ذلك».

كما أشار إلى أن «اليوم يحاول كثير من السوريين رفع دعاوى قضائية بحق بشار الأسد، وبالتالي فهو أوتوماتيكياً لا يحق له الترشح وفق مفاهيم الديمقراطية والانتخابات، ومن هذا المنطلق لا يمكن اعتبار ما يجري في سوريا انتخابات حقيقية بحسب معنى الكلمة، وإنما مخرج روسي للتأكيد على إنهاء الحرب».

ولفت إلى أن «الدول الغربية والمجتمع الدولي، باستثناء روسيا وإيران هم ضد إجراء هذه الانتخابات»، موضحاً أن «هناك نسبة كبيرة من السوريين تقدر بنحو نصف عدد السكان لن تشارك في هذه الانتخابات، وإذا صح وصف ما يجري بالانتخابات، فهي لنصف سوريا بالإضافة إلى أن هناك مناطق خارج سيطرة النظام، بينما المقيمون في مناطق النظام لا يوجد لديهم خبز أو وقود ومياه وكهرباء أو خدمات، لكن النظام يدعوهم إلى الانتخابات، وبالتالي معظمهم لن يصوّت فيها لأنه منشغل باحتياجاته اليومية، وهو ما يجعل احتمال تزوير نتائجها مرتفعاً للغاية».

 

 

سيارة لبنانية تحمل صور الرئيس الأسد عند حاجز المصنع بين لبنان وسوريا (غيتي)

 

المجتمع الدولي يرفض هذه الانتخابات

ومن جهته، قال رامي عبد الرحمن مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يتخذ من بريطانيا مقرّاً له إن «المجتمع الدولي يرفض هذه الانتخابات لأنه كان يجب إنهاء جدول أعمال اللجنة الدستورية قبل إجرائها، لكن النظام ماطل إلى أن جاء موعد الانتخابات، وبالتالي المجتمع الدولي رفض إجراءها لهذا السبب».

وأضاف أن «هذه الانتخابات غير شرعية، خاصة وأن الأسد رئيس حالياً بحكم الأمر الواقع»، مشدداً على أنه «سيفوز في ولاية جديدة، لكنه لن يكون رئيساً سوى لمناطق سيطرته ومناطق سيطرة الروس والإيرانيين».

 

الاتحاد الأوروبي يرفض الانتخابات ويهدد بتجديد العقوبات

وكان الاتحاد الأوروبي قد رفض بالفعل إجراء الانتخابات الرئاسية في سوريا وهي لم تنل حتى الآن سوى قبولٍ روسي خجول، حيث اعتبرت موسكو أن إجراء هذه الانتخابات هو «شأنٌ داخلي سوري».

وقال الممثل الأعلى للشؤون الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل في بيانٍ مكتوب نيابةً عن الدول الأعضاء، إن «الاتحاد الأوروبي سيكون على استعداد لدعم انتخابات حرة ونزيهة في سوريا وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254، وتحت إشراف الأمم المتحدة، بما يرضي مبادئ الحوكمة وأعلى المعايير الدولية للشفافية والمساءلة لجميع السوريين، بما في ذلك السوريون في الشتات المؤهلون للمشاركة. فالانتخابات التي ينظمها النظام السوري، مثل الانتخابات البرلمانية التي جرت العام الماضي أو الانتخابات الرئاسية في وقت لاحق من هذا العام، لا تفي بهذه المعايير، وبالتالي لا يمكن أن تسهم في تسوية الصراع، ولا يمكن أن تؤدي إلى أي إجراء للتطبيع الدولي مع النظام السوري».

وأضاف بوريل في إفادته الصحافية المتعلقة بالانتخابات الرئاسية السورية والتي جاءت بحلول الذكرى العاشرة للاحتجاجات الشعبية السورية أن «الاتحاد الأوروبي سيجدد العقوبات التي تستهدف بعض الأعضاء البارزين وكيانات النظام في نهاية مايو الجاري».

 

الإفراج عن المعتقلين... ومحاربة داعش أولوية

وأشار بوريل إلى أن «الاتحاد الأوروبي لا يزال عاقداً العزم على وضع نهاية للقمع والمطالبة بالإفراج عن المعتقلين، ومشاركة النظام السوري وحلفائه بشكل هادف في التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254»، لافتاً إلى أن «الاتحاد الأوروبي لم يغيّر سياسته على النحو المبيّن في الاستنتاجات السابقة للمجلس ولا يزال ملتزماً بوحدة وسيادة وسلامة أراضي الدولة السورية».

وتابع أن «القمع الوحشي الذي يمارسه النظام بحق الشعب السوري وفشله في معالجة الأسباب الجذرية للانتفاضة أدى إلى تصعيد الصراع المسلح وتدويله. فعلى مدى السنوات العشر الماضية، تسببت الانتهاكات التي لا حصر لها لحقوق الإنسان، والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني من قبل جميع الأطراف، لا سيما من قبل النظام السوري، في معاناة إنسانية هائلة».

وكشف أن «المساءلة عن جميع انتهاكات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان تكتسب أهمية قصوى كشرط قانوني وكعنصر أساسي في تحقيق السلام المستدام والمصالحة الحقيقية في سوريا».

كما لفت إلى أن «أزمة اللاجئين السوريين هي أكبر أزمة نزوح في العالم، حيث يوجد 5.6 مليون لاجئ مسجل و6.2 مليون نازح داخل سوريا يعيشون ظروفاً غير مواتية لعودتهم الآمنة والطوعية والكريمة والمستدامة بما يتماشى مع القانون الدولي، وقد ترتب على الصراع تداعيات خطيرة في جميع أنحاء المنطقة وخارجها، مما غذى المنظمات الإرهابية. والأولوية الآن تكمن في منع عودة ظهور تنظيم داعش الإرهابي والتركيز على محاربته».

 

 

مركز اقتراع في حي النبل بحلب، خلال الانتخابات النيابية. يوليو 2020(غيتي)

 

الانتخابات ستجري في ظروف غير طبيعية

ويستعد النظام السوري لإجراء الانتخابات الرئاسية، بينما يعيش في الخارج ملايين السوريين اللاجئين الذين فروا من نيران الحرب، كما أن هناك مناطق خرجت عن سيطرته منذ سنوات ولن تسمح الجهات التي تسيطر عليها بوجود صناديق الاقتراع فيها.

ووصف مدير المرصد السوري هذه الانتخابات بـ«غير الطبيعية» لا سيما من جهة تزامنها مع وجود ملايين السوريين في الخارج. إضافة لنزوحٍ داخلي ومناطق لا تخضع لسيطرة النظام.

وقال عبد الرحمن: «باعتقادي لن تتجاوز نسبة المشاركة في هذه الانتخابات 20 في المائة من عموم سكان البلاد إذا كانت الانتخابات حقيقية، لكننا نعرف النظام وأن انتخاباته مزوّرة ومزيّفة وسيفوز فيها الأسد مجدداً».

وشدد على أن «هذه الانتخابات مضحكة ومثيرة للسخرية، فالمرشحون للرئاسة فيها والمنافسون للأسد يعتبرون أن الأسد قائدهم العظيم، لكن المحزن أن تقوم روسيا بالتغطية على هذه الانتخابات».

وهذه ثاني انتخابات رئاسية يجريها النظام السوري منذ اندلاع الاحتجاجات بعد الانتخابات الرئاسية التي عُقِدت في عام 2014. وهي أيضاً ثاني انتخاباتٍ تجري في غضون عامين بعد انتخابات مجلس الشعب التي رفضها أيضاً المجتمع الدولي والتي أُجريت العام الماضي.

وستعقد هذه الانتخابات الرئاسية بغياب ملايين السوريين المقيمين في الخارج كلاجئين والمتوزعين على مختلف دول الجوار السوري، إضافة لأوروبا وأميركا وكندا وروسيا وغيرها من دول العالم. لكن السفارات السورية في الخارج ستفتح أبوابها أمام الناخبين.

وفي وسط العاصمة اللبنانية بيروت، عُلِقت لوحات طرقية فوق جسر «الكولا» يظهر فيها الأسد وكُتب عليها «نبايعك»، وهو مصطلح دأب النظام السوري على استخدامه منذ سنوات، وتعني «سننتخبك مجدداً».

ولن تجري الانتخابات الرئاسية السورية في عموم البلاد، إذ لن تسمح «الإدارة الذاتية» لشمال سوريا وشرقها بوجود صناديق اقتراع في مناطق سيطرتها التي تضم كامل محافظتي الرقة والحسكة، إضافة لأجزاءٍ من محافظتي حلب ودير الزور، وفق ما أفادت مصادر مقرّبة من الإدارة لـ«المجلة».

كما لن تتواجد صناديق الاقتراع في محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة «هيئة تحرير الشام» (النصرة سابقاً) وهي ذراع تنظيم القاعدة في سوريا. وأيضاً لسيطرة فصائلٍ محسوبة على المعارضة السورية المسلّحة المدعومة من تركيا والتي لن تسمح بوجود الانتخابات في مناطقٍ سورية أخرى تسيطر عليها شمال شرقي البلاد وغربها.

والمرشح الكردي السوري المشارك في الانتخابات الرئاسية السورية يدعى محمد كاميران محمد جميل ميرخان. ويخوض المنافسة معه ثلاث سيدات هنّ فاتن نهار وناهد الدباغ ودعد بنت مبارك قنوع. بالإضافة إلى الأسد و13 آخرين، هم: عبد الله سلوم عبد الله، ومحمد فراس ياسين رجوح، ومحمد موفق صوان، ومهند نديم شعبان، وأحمد يوسف عبد الغني، ومحمد صالح أسعد الحاج عبد الله، وعبد الحنان خلف البدوي، ومحمود أحمد مرعي، وسنان أحمد القصاب، ومحمد يوسف رمضان، وخالد عبده الكريدي، وأحمد هيثم أحمد المكاري، وحسين محمد طيجان وآخرين.

ورغم وجود 51 منافساً بالفعل لرئاسة سوريا، لكن لا يعد مرشحاً للانتخابات إلا المتقدمون الذين سيحصلون على تأييد 35 عضواً في مجلس الشعب، حسب دستور البلاد الذي أقر عام 2012 بعد حذف وتعديل موادٍ في الدستور القديم.

وانتقدت المعارضة السورية، إجراء الانتخابات الرئاسية في البلاد. وسبق لـ«الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» أن أعلن عن مشاركته في هذه الانتخابات قبل أشهر، لكنه أصدر لاحقاً بياناً تراجع فيه عن الأمر نتيجة رفض أنصاره لذلك.