تسريبات جواد ظريف

جرى تسريب حديث صحافي مسجل لوزير خارجية إيران يشكو فيه دور قاسم سليماني الطاغي (قتله الأميركيون في العراق قبل سنة) والذي تعاظم مع اندلاع الحرب الأهلية السورية. وقال ظريف- حسب التسريبات التي لم ينف صحتها المتحدث باسمه- في الجمهورية الإٍسلامية الميدان العسكري هو الذي يحكم، واعتبر أنه ضحى بالدبلوماسية من أجل الميدان العسكري، بدل أن يكون الأخير في خدمة الميدان الدبلوماسي. ويضيف التسريب تأكيد ظريف أن سليماني عمل عن قرب مع روسيا بهدف إفشال المحادثات النووية في فيينا والمنع من أي تقارب إيراني أميركي. الجزء الأهم في حديث ظريف المسرب هو أنه كشف تبلغه من وزير خارجية أوباما وقتها جون كيري عن معلومات بـ200 عملية عسكرية شنتها إسرائيل ضد إيران ومصالحها في سوريا.

بداية لا شيء يسرب في إيران صدفة أو نتيجة لجهد استقصائي ما لصحافي ما. لا بد أن يكون لهذا التسريب أهداف معينة.

فكل ما قاله ظريف هو محض تضليل، وتضليل الرأي العام الغربي هو إحدى ركائز مهنته التي يمتهنها كرأس للدبلوماسية في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. شكوى ظريف مثلا من سليماني في تقديم العمل العسكري على العمل الدبلوماسي مضحكة جدا، ولكنها لا تخدع أحدا، خاصة وأن «دبلوماسيا»إيرانيا هو أسد الله أسدي يحاكم اليوم في بلجيكا بتهمة نقله مواد متفجرة بغية تفخيخ اجتماع مجاهدي خلق في باريس عام 2018. ولا مجال هنا لتعداد الأعمال الإرهابية الإيرانية والتي كانت الوسيلة «الدبلوماسية»الوحيدة التي أتقنها وطبقها نظام الملالي، من خطف الأجانب في لبنان في أوائل الثمانينات من القرن الماضي، مرورا بتفجيرات باريس في منتصف الثمانينات إلى محاولة اغتيال عادل الجبير سفير المملكة في واشنطن في العام 2011 وإلى كثير من الأعمال الإرهابية التي منها ما هو معروف ومنها ما يزال طي الكتمان. ناهيك عن وجود ميليشيات «شيعية»في العديد من الدول العربية تديرها إيران بدقة متناهية. فعن ماذا تراه يشكو ظريف؟

أما في موضوع معارضة سليماني والروس للاتفاق النووي، فالوقائع تنفيه طبعا بمجرد توقيع إيران على الاتفاق في العام 2015 واستفادتها من مئات ملايين الدولارات التي ذهبت لتمويل الحرس الثوري وفيلق القدس تحديدا في عملياته الخارجية من سوريا إلى لبنان إلى العراق إلى اليمن. فكيف يمكن للرجل الأقوى في إيران كما يدعي ظريف نفسه أن يفشل في تفخيخ الاتفاق؟

يريد ظريف إبراز وجه دبلوماسي يمثله، وهو أنه كان مظلوما ومقموعا من قبل سليماني والحرس الثوري. يريد ظريف من خلال هذا التسجيل المسرب أن يوهم العالم بأنه كان يمكن له أن يغير من سياسة إيران لولا سليماني فيدعم وجهة نظر شائعة تقول إن في إيران طرفين يتواجهان: المتشددون وفي مقدمتهم سليماني والمعتدلون كالرئيس روحاني وظريف نفسه. وفي هذا تضليل أيضا بما أن الجميع يعلم أن القرارات بأدق تفاصيلها في الأنظمة الديكتاتورية وفي إيران تعود بالنهاية إلى شخص واحد، خامنئي في حالتنا. ثم من المعروف أن البرنامج النووي تطور بشكل لافت على عهد معتدل آخر هو الرئيس خاتمي.

يبدو أن تلك الرسالة موجهة للأميركيين الذين يعترضون على دخول الولايات المتحدة الأميركية الاتفاق النووي من دون تعديلات وعلى نزع العقوبات تدريجيا ثم بالكامل على نظام اختطفه سليماني وهو اليوم بمجرد اغتيال سليماني بات محررا من هيمنة الميدان العسكري. كما يمكن للمتحمسين للاتفاق ونظام الملالي أن يدعموا حجة التقارب بهذا التسريب. يبقى الشق المقلق المتعلق بنقل جون كيري وزير الخارجية السابق معلومات عن العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية في سوريا. المعروف عن كيري أنه لم يقطع علاقاته بإيران يوما واستمر بالتشاور مع ظريف في عهد ترامب واتهم بأنه يقوّض السياسة الخارجية للبيت الأبيض تجاه إيران. نفى كيري مشاركته ظريف معلومات عسكرية لا تنزع عنه ميله وانحيازه إلى نظام الملالي والاتفاق النووي والتقارب مع إيران. المشكلة أن الولايات المتحدة الأميركية في عهد أوباما والآن في عهد بايدن تفضل أعداءها على حلفائها.

مع كيري، ومالي، ونائب وزير الدفاع كال المعين أخيرا، نحن نتجه إلى مسار شرق أوسطي بدأه أوباما وحاول عرقلته ترامب ويستكمله بايدن قد ينتهي به المطاف إلى استحواذ إيران على القنبلة النووية.