لبنان أمام لهيب التضخم وجنون الدولار

تحذيرات من سيناريوهات مرعبة بعد رفع الدعم
يحذّر محللون من أثر رفع الدعم على الفقراء، وهم أكثر من نصف عدد السكان

بيروت: ساعة الصفر لم تحن بعد، ولكن مجرد التفكير بسيناريو ما بعد رفع الدعم، هو مشهد مرعب لكافة اللبنانيين الذين وجدوا أنفسهم تدريجياً منذ العام الفائت عاجزين عن تأمين احتياجاتهم الأساسية، على وقع ارتفاع هيستيري في الأسعار في ظل انهيار الليرة التي خسرت أكثر من 90 في المائة من قيمتها مقابل الدولار.

 

رفع الدعم أو فقدان أموال المودعين

وقد بدأ احتياطي المصرف المركزي بالدولار يتضاءل، مع وصوله إلى مستويات متدنية جدا بانخفاض تنازلي تخطى 17 مليار دولار، ما ينذر بالمسّ بأموال المودعين بشكل مباشر، وهو ما ينعكس سلباً على قدرة المركزي في استمرار دعم السلع الأساسية كالطحين والوقود والأدوية.

وتدرس السلطات، بدفع من المصرف المركزي، منذ أشهر، ترشيد أو رفع الدعم عن استيرادها من دون وضع خطة بديلة، في خطوة يحذّر محللون من أثرها على الفقراء، وهم أكثر من نصف عدد السكان، وعلى معدل التضخم، إلا أنه لا تزال السلطات تؤجل هذه الخطوة في محاولة لشراء المزيد من الوقت قبل لحظة الارتطام الكبرى.

ما تبقى من احتياطات قابلة للاستخدام، وفقاً لوزير الماليّة، لم يعد يتخطى مستوى 1.5 مليار دولار. وهو ما يكفي لدعم استيراد المواد الأساسيّة لحدود شهرين أو ثلاثة أشهر كحد أقصى. القرار المنتظر خلال الأسابيع المقبلة سيتعلّق برفع الدعم عن المحروقات أولاً تدريجيّاً، إلى حد رفعه بشكل كلّي لاحقاً.. على أن تلي ذلك قرارات أخرى تتعلّق بما تبقى من سلع ما زال مصرف لبنان يدعم استيرادها، كالمواد الغذائيّة والطحين، من دون أن يتضح مصير دعم استيراد الدواء حتّى اللحظة.

الليرة خسرت أكثر من 90 في المائة من قيمتها مقابل الدولار

البطاقات التمويلية البديلة عن الدعم

لا تزال حكومة حسّان دياب المستقيلة متردّدة حيال قرار رفع الدعم، بانتظار الإفراج عن الحكومة العتيدة، دون إعداد خطط بديلة للكارثة التي ستنجم عن هذا القرار والذي استنزف أموال المودعين، لا سيما أن البطاقة التموينية التي وضعت بالدرج (مقترح بديل عن سياسة الدعم) لن تطال سوى 700 ألف عائلة بل 200 ألف إذا ما تمخّضت بسبب صعوبة الحصول على المعلومات كما أوضح وزير المال غازي وزني في تصريح له.

 

لهيب التضخم وجنون الدولار

الدخول في مرحلة رفع الدعم من دون خطة واضحة، يعني في المرحلة القادمة ارتفاع معدلات التضخم بشكل قياسي الذي سيسببه ارتفاع سعر الصرف الجنوني، مع رفع الدعم. علما أن وقف ضخ الدولار من المركزي يعني عمليّاً نقل الطلب على الدولارات لاستيراد هذه السلع إلى السوق السوداء، ما سيؤدي بالتالي للمزيد من الجنون في سعر الدولار في الأسواق. وزير الماليّة قدّر نسبة التضخّم المتوقعة هذه السنة، نتيجة رفع الدعم، بحدود 77 في المائة. لكنّ هذه النسبة تأخذ بالاعتبار ارتفاع أسعار السلع الأساسيّة بعد رفع الدعم فقط، ولا تحتسب ارتفاع أسعار السوق الناتج عن الضغط المتوقع على سعر الصرف. إذن ستكون نسب التضخم مفتوحة على جميع الاحتمالات، في غياب أي حدود لقيمة الانخفاض المتوقع في سعر صرف الليرة.

وقد سلّط الكتاب الذي وجّهه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة إلى وزير المال غازي وزنه، قبل أسبوع، والذي يحضّ فيه الحكومة على وضع تصور واضح لسياسة الدعم التي تريد اعتمادها بغية وضع حد للهدر الحاصل، الأضواء مجددا على الاحتياطي المتبقي لديه من جهة، وملف دعم المواد الأساسية الذي تتجنب الحكومة ومجلس النواب الخوض فيه والاحتراق بجمره لما له من تداعيات شعبية عليهم من جهة ثانية.

 

ترشيد الدعم بالخفاء

وبالتالي لبنان سيكون خلال الأيام المقبلة بين خيارين رفع الدعم وما سينتج عنه من كوارث معيشيّة واجتماعيّة، إما المس بآخر ما تبقّى من أموال المودعين في مصرف لبنان، بحجة الاستمرار بتقديم الدعم. وبالفعل بدأ السير في مسألة ترشيد الدعم، ولكن بالخفاء، تمهيداً للرفع النهائي للدعم، وقد خفّضت وزارة الاقتصاد محتوى السلة الغذائية المدعومة إلى مواد أساسية معدودة مثل اللحوم والحليب.

في هذا السياق، أشار الخبير الاقتصادي لويس حبيقة، في حديث لمجلة «المجلة»إلى أن «ثمة سوء تقدير للاحتياطي الموجود في مصرف لبنان، فبحسب ما هو معلوم تبقى لدى المركزي ما يقارب 16 أو 17 مليون دولار، ولكن هذا الاحتياطي الإلزامي يعود للمودعين وليس ملك مصرف لبنان».

بائع يرتب منتجات طازجة معروضة للبيع بسوق في صيدا، لبنان (غيتي)

 

لا مفر من رفع الدعم

وعن مقدور المركزي الاستمرار بسياسة الدعم، قال حبيقة إنه «لم يعد هناك مجال للاستمرار بالدعم لأنه ليس لدى المركزي أكثر من الاحتياطي الإلزامي»،وتابع: «يمكن استخدام جزء صغير منه على مدى شهرين فقط باعتبار 500 مليون دولار في الشهر الواحد، ولكن بشرط إعادة المبلغ»

وأكد: «واقعيا لا أموال متبقية للاستمرار بالدعم، ولكن في الوقت نفسه يجب ترشيد الدعم اليوم قبل الغد، فصحيح أن الأسعار سترفع بشكل كبير، ولكن بدلا من أن يستمر الدعم الكامل لشهرين يمكن أن يمتد لأربعة أو خمسة أشهر على أبعد تقدير مع ترشيده ريثما يتم تشكيل حكومة جديدة».

ورأى حبيقة أن عدم حسم ملف الدعم من قبل السلطات اللبنانية تفاديا لغضب الشعب، نظرا للتداعيات الخطيرة لهذه الخطوة، مشيرا إلى أن السلطة تحاول شراء المزيد من الوقت لتجيير الأزمة للحكومة العتيدة».

وعن التداعيات الخطيرة لرفع الدعم، قال حبيقة إن «لبنان أمام خيارين السيئ والأسوأ، فالاستمرار بالدعم لا يمكن أن يحل الأزمة المعيشية الحاصلة في البلاد إنما هو يستنزف الاحتياطي بسرعة أكبر، وبالتالي هذه الخطوة لا مفر منها ولكن المشكلة في التوقيت وكمية الترشيد».

 

المنصة ومعضلة الاحتياطي

فيما كان من المفترض أن يكون يوم الجمعة الفائت في 16 أبريل (نيسان)، موعدا لإطلاق منصة مصرف لبنان الجديدة التي يعوّل عليها في تخفيض سعر دولار السوق السوداء، بعد الارتفاع الجنوني الذي وصل إليه ولامس 15 ألف ليرة للدولار الواحد، لكن قبل أقل من 24 ساعة على الموعد المرتقب لإطلاق المنصة، تم تأجيل الانطلاقة. وفيما زعم أن التأجيل يتم بفعل التحضيرات التقنية، غير أن عوائق أخرى تقف في وجه نجاح المنصة بمهامها وتحقيق جدواها. أبرز تلك العوائق، العرقلة الحاصلة في ملف التأليف الحكومي واحتياطي المركزي، لا سيما أن مصرف لبنان لا يملك القدرة على ضبط السوق ولجم انفلات سعر صرف الدولار وحيداً.

وفي ظلّ تلك الأجواء، قد يعتمد مصرف لبنان سياسة المماطلة بعض الشيء قبل إطلاق المنصّة الإلكترونية التي تتطلب الصرف من احتياطي «المركزي»للتدخّل في سوق القطع وتحديداً الاحتياطي الإلزامي الذي، كما تؤكّد مصادر موثوقة، بات أدنى ممّا هو مصرّح به وقد لامس حالياً 16 مليار دولار على أن يصل إلى 15 ملياراً عندما تحين ساعة وقف الدعم في نهاية مايو (أيار) المقبل.

وفيما وجّه المركزي إلى وزارة المالية كتابا يعلمه فيه عن قرب نفاد الاحتياطي «الدولاري»، من البديهي التساؤل عن الجهة التي سوف تضخ الدولارات للمنصة، حتى تحصل عمليات بيع وشراء الدولار من قبل التجار لشراء المواد الأساسية، خصوصا أن المصارف لا تملك عملة أجنبية كافية لتمويل هذه المنصة.

وقد رأى حبيقة في حديثه لـ«المجلة»أنه من الضروري «تأجيل عمل تلك المنصّة في ظلّ غياب أية آمال في تشكيل حكومة في المدى المنظور وذلك لضمان استمرارية عملها، وحاكم مصرف لبنان على دراية بهذا الأمر». وقال: «مشكلة سعر صرف الدولار معلومة، وتبرز في شحّ العرض بل في انعدامه، مقابل الطلب الكبير على تلك العملة، وبدء عمل المنصّة لن يزيد هذا العرض إنما استقرار الأوضاع».

وأشار إلى أن «إطلاقها هو عمل تنظيمي وتقني ومحاولة لإيجاد حلّ لمعضلة ارتفاع الدولار فقط، والعمل بها هو بمثابة حرق خرطوشة من دون جدوى. فالطلب موجود والعرض مفقود ولن يتوفّر الأخير إلا بعد تشكيل الحكومة»،مشيراً إلى «ضرورة توحيد سعر صرف الدولار، وليس تعداده بين سعر المنصة 3900 ليرة وسعر السوق الحرة».

وحول إمكانية تدخّل مصرف لبنان لضبط السوق من الاحتياطي، أكّد حبيقة أن «مصرف لبنان لا يستطيع اليوم ضبط السوق، وإنما يمكنه التدخّل للحيلولة دون ارتفاع سعر الدولار فقط، لأن ضبط السوق يحتاج إلى حكومة، وعند تشكيلها ولو لم تبدأ الإصلاحات سيرتاح اللبنانيون بعض الشيء ويتأمّلون خيراً، فيبيعون بعضاً من الدولارات المخزنة لديهم».

 

تداعيات رفع الدعم

لا شك إن رفع الدعم، في ظل غياب أي خطة بديلة، سيؤدي ذلك حتما إلى ارتفاع الأسعار بشكل جنوني لن يكون بعدها المواطن قادرًا على الاستمرار في العيش بالحدّ الأدنى وتأمين قوته اليومي. البداية ستكون في أسعار المحروقات مع ارتفاع جنوني قد يصل فيه سعر صفيحة البنزين (إلى ما يُقارب 185 ألف ليرة لبنانية، وهو ما سيخلق تضخّما كبيرا يشمل أسعار كل السلع والبضائع الأخرى).

أما على الصعيد الصحّي، فإن ارتفاع سعر الدولار الطبّي سيؤدّي إلى حصر الاستشفاء للمقتدرين ماديا واستحالة حصول الفقراء على الخدمات الطبية بكل ما للكلمة من معنى، ناهيك عن أسعار الأدوية التي ستقفز إلى مستويات خيالية لتصبح صعبة المنال.

وعلى الصعيد الغذائي، فقد بات من المؤكد أن المواطنين سوف يفقدون القدرة الشرائية نتيجة الارتفاع الخيالي بالأسعار الناتجة من وقف الدعم، وبالتالي سيتحوّل المشهد إلى مواجهات بين المواطنين في المتاجر وزيادة معدلات الجرائم والسرقات، وهو ما يعني عمليًا سقوط الدولة بكل مؤسساتها.

في هذا السياق، أشار رئيس جمعية حماية المستهلك، زهير برو، لـ«المجلة»إلى أن «المشهد بعد رفع الدعم مفتوح على جميع الاحتمالات، وبالتالي أيام سوداء بانتظار اللبنانيين والانهيار سيكون أكبر بكثير مما نشهده اليوم، مع فقدان الدولار ودون قطاعات إنتاجية وغياب الدولة عن إيجاد أي حلول أو حتى تنظيم مرحلة الانهيار وطرح بدائل ولو في الحد الأدنى، ولكن ما يهمهم صرف ما تبقى من أموال المودعين لصالح التجار والمسؤولين».

 ورأى أنه «في بلد كلبنان وفي ظل غياب الدولة وسيطرة المصارف وكبار التجار على السوق والبلاد بالتواطؤ مع السلطة وأحزاب الطوائف، لا يمكن أن ينتج على أيدي هؤلاء سوى ما شهدناه في الماضي من نهب الثروة الوطنية وتأسيس دولة ريعية دون أي قطاع إنتاجي علما أن لبنان يستورد أكثر من 85 في المائة من احتياجاته».

وأضاف برو:«وضع البلد تجاوز تبذير 8 مليارات دولار استفاد منها الأغنياء وكبار التجار تحت ذريعة الدعم»، وتابع: «كل ما جرى هو تمويل الاحتكارات وترسيخها».

يكرر برو طلب وقف هذا الهدر الذي إن وجّه إلى المحتاجين لن يكلّف أكثر من مليار دولار، ويمكن حينها «استخدام الأموال الباقية لاستنهاض الاقتصاد».

وأكد برو أن الهدر الأكبر يحصل في قطاعَي المحروقات والدواء. مشيرا إلى «دعم أكثر ما يصل إلى 3 آلاف نوع دواء بدلا من 434 محددة من منظمة الصحة العالمية. هكذا انطلقنا من 100 مليون دولار إلى دعم يوازي ملياراً و200 مليون دولار». كل ذلك، يساهم اليوم في تسريع الانهيار الحاصل والدفع نحو الفوضى الشاملة عبر تجفيف الاحتياطي وهدر أموال المودعين لمضاعفة أرباح الأثرياء والتجار والمصارف.