اليهود الإيرانيون في إسرائيل: زيارة الوطن الأم أملٌ صعب المنال

أحلام بالعودة وذكريات جميلة
صورة قديمة ليهود إيرانيين في مدينة همدان

بريتشهر ثاني كاتبة وناشطة اجتماعية يهودية من أصول إيرانية تقيم في إسرائيل، ولها عدة مؤلفات وروايات شهدت إقبالا كبيرا هناك. والمعروف أن بريتشهر اسم فارسي يعني المرأة التي تملك وجها بجمال ملائكي.

ولدت بريتشهر البالغة من العمر 75 عاما في طهران في عائلة تعرف بالإحسان والاجتهاد في العمل وغادرت برفقة عائلتها إيران عندما كان عمرها 18 سنة، بعد مرور شهر على انتهاء فترة دراستها في الثانوية في مدرسة الشاه رضا الكبير (رضا شاه كبير) إلى إسرائيل.

ودخلت هذه الكاتبة الإسرائيلية الإيرانية إلى الجامعة العبرية في القدس بعد تعلم اللغة العبرية وذلك بهدف دراسة اللغة والأدب العربي والثقافة الإسلامية، حيث درست في فرع الاستشراق. وكانت بريتشهر تدون مذكراتها الشخصية في كتيب، وذلك قبل الدخول إلى الجامعة والزواج، غير أنها بدأت تمارس الكتابة بشكل مهني وعمرها 57 عاما بعد تشجيع زوجها نعيم ثاني لها.

وقالت بريتشهر ثاني في حوار مع «المجلة»: «اضطررت للبقاء في المنزل لبضعة أسابيع في 2008 بسبب كسر في قدمي اليمنى وعندئذ قمت بتأليف أول كتاب لي بالعبرية وهو قصة بعنوان (الديك الإيراني- תרנגול הפרסי) وشكل حجم الإقبال الكبير عليه مفاجأة، حيث بيعت 25 ألف نسخة منه آنذاك وتم ترشيحه لنيل جائزة سابير السنوية للمبدعين في مجال الأدب».

وقامت موسسة MERAGEالتي تهتم بشؤون اليهود الإيرانيين في إسرائيل بتكريم بريتشهر ثاني وقدمتها على أنها من ضمن 3 كاتبات مميزات في البلاد. وتقوم هذه المؤسسة في إسرائيل بنشاطات واستثمارات كبيرة لتمكين الإيرانيات في إسرائيل في القطاعات العلمية والثقافية والاجتماعية.

 

بريتشهر ثاني

وصدر كتابها الثاني بعنوان: «رسائل حب من طهران» (מכתבי אהבה מטהרן) في 2015 وحظي باستقبال كبير وانتشر بشكل واسع.

وتابعت بريتشهر ثاني قائلة: «(رسائل حب من طهران) يحكي قصة حقيقية وواقعية لأحد الإيرانيين المقيمين في إسرائيل ويتضمن رسائل حب كتبها هذا الشخص في إسرائيل إلى خطيبته المجهولة التي لم يرها أبدا والتي تقيم في إيران بعد حرب 1967 (وتسمى في إسرائيل حرب الأيام الستة). ويروي الكتاب 150 عاما من حياة أجيال ضمن عائلة واحدة. وقمت بترجمة النسخة العبرية لكتاب (الديك الإيراني) إلى الفارسية بعد عامين من صدور كتاب (رسائل حب من طهران) حيث حظي هذا الكتاب باستقبال كبير».

كما قامت بريتشهر ثاني بإنشاء مجموعة من الشبكات الاجتماعية تحت عنوان «مجموعة الكاتبات الإيرانيات» وذلك في إطار نشاطها الثقافي ومحاولة منها لتقديم الكاتبات اليهوديات الإيرانيات في إسرائيل ودعمهن. ولقيت هذه الخطوة ترحيبا واسعا مما أدى إلى زيادة التواصل بين الكاتبات وانتقال تجاربهن.

وتعتبر بريتشهر ثاني التي تمتلك تجارب عديدة مساعدة اجتماعية تعمل بشكل طوعي في مؤسسة MERAGEفي قطاعات اجتماعية عديدة وذلك إلى جانب الكتابة.

وقالت إن المعرض السنوي العاشر للكتب الفارسية انعقد في مدينة حولون في 27 أبريل (نيسان)، وإنها كانت ضمن منظمي المعرض باعتبارها عضوة الهيئة الإدارية للمعرض. وصدر لبريتشهر ثاني كتابها الرابع للقصص الشعبية تحت عنوان «القصة الإيرانية» بالعبرية في نهاية عام 2019 قبل تفشي فيروس كورونا، وهذه الرواية استمرار لرواية «الديك الإيراني».

وأشارت هذه الكاتبة الإسرائيلية من أصول إيرانية إلى نشاطها خلال الفترة الطلابية في جامعة القدس، مضيفة: «كنت طالبة في عهد الشاه وكانت العلاقات بين إسرائيل وإيران ممتازة. كنا نحتفل بعيد النوروز (رأس السنة الفارسية) كل عام، في صالة هنا، وكان السفير الإيراني في إسرائيل يشارك في الاحتفال. كنا ننظم مائدة السينات السبع (هفت سين) وعرضا مسرحيا إيرانيا باللغة الفارسية، وكنا نرقص وكنا سعداء للغاية. تعرفت على زوجي من خلال هذه النشاطات الطلابية. كان زوجي وهو أيضا من أصول إيرانية طالبا في فرع الهندسة الكيميائية آنذاك».

سألتها عما إذا كانت ترغب في العودة إلى إيران؟ فأجابت: «لا أستطيع أن أزور البلد الذي أحبه بهذه السهولة».

وتقول ثاني حول الأوضاع الراهنة لليهود في إيران: «تشير التوقعات إلى أن عدد اليهود في مدن طهران وأصفهان وشيراز ويزد يتراوح بين 25 إلى 35 ألف شخص. وإذا رجح هؤلاء البقاء في إيران على الهجرة فهم بلا شك يعيشون ظروفا لا بأس بها. لقد أعلنت الجمهورية الإسلامية منذ قيامها أنها لا تعادي اليهود بل عدوها هو إسرائيل. ومع ذلك فإن اليهود تعلموا أن لا يرفعوا أصواتهم وأن لا يرفعوا رؤوسهم وأن لا يتفوهوا بكلمة واحدة، لأنهم متهمون دوما بالتجسس أو التعاون مع إسرائيل».

لم تنس بريتشهر ثاني التي تقطن إسرائيل منذ أكثر من 57 عاما بلدها الأم الذي ترعرعت ودرست فيه.

سألتها عما إذا كان بإمكان اليهود الإيرانيين في إسرائيل زيارة إيران فقالت: «لا يحب اليهود الإيرانيون في إسرائيل زيارة بلدهم الأم أي إيران فحسب، بل إنهم لا ينفكون يحلمون بزيارة إيران ولا يغيب هذا الحلم عن بالهم ولو للحظة واحدة غير أنهم لا يستطيعون زيارة إيران بسبب الظروف الراهنة وسياسات الجمهورية الإسلامية وذيولها. إن إقامة علاقة صداقة بين إيران وإسرائيل حلم ينتظره الإيرانيون باستثناء حكام إيران ومواليهم. كنت ألتقي بسياح إيرانيين خلال زياراتي إلى دول أخرى وعندما كنت أقدم نفسي لهم كانوا يرحبون بي وكان تعاملهم معي يدفعني دوما إلى طرح هذا السؤال: ما الخطأ الذي ارتكبه اليهود الإيرانيون؟ لماذا لا نستطيع زيارة البلد الذي نشأنا وترعرعنا فيه ولماذا لا نستطيع استضافة أصدقائنا الإيرانيين في إسرائيل؟ لقد فرقونا. لعنة الله عليهم. كان الشعب الإيراني والشعب الإسرائيلي مرتبطين بعلاقات أخوية. إن نظام الجمهورية الإسلامية هو النظام الوحيد الذي يتعامل مع الرعايا الإسرائيليين بهذا الشكل في الوقت الذي لا يقبل الإسلام مثل هذا التعامل. تكونت فكرة كلمة الإسلام من السلام، وتعني كلمة شالوم بالعبرية السلام والمحبة».

 

ريتا جهان فروز مغنية إسرائيلية من أصول إيرانية

لقد استوطن اليهود إيران منذ أمد بعيد ولا يزال اليهود الذين غادروا البلاد إلى إسرائيل منذ عدة عقود تجمعهم أواصر عميقة ببلدهم الأم ويعتبرون أنفسهم إيرانيي الهوى والهوية.

وتابعت بریتشهر ثاني أن اليهود الإيرانيين في إسرائيل يتمسكون بعاداتهم وتقاليدهم واحتفالاتهم وأكلاتهم الإيرانية، قائلة: «نفتخر نحن كإسرائيليين من أصول إيرانية بكوننا إيرانيين ولم ولن ننسى ثقافتنا وحضارتنا التي تمتد جذورها لآلاف السنين فنحتفل بعيد النوروز ونقيم مائدة السينات السبع (هفت سين) ونرقص ونغني بمناسبة رأس السنة الفارسية التي تتزامن مع أول يوم من فصل الربيع، خاصة أن عيد النوروز وعيد الفصح اليهودي هما في فترات زمنية متقاربة».

وأضافت: «إذا زرتِ بيت أي شخص من أصول إيرانية أو يهوديا متزوجا من إيرانية أو يهودية متزوجة من إيراني ستلاحظين وجود صنف أو عدة أصناف من الأكلات الإيرانية على المائدة. بالمناسبة صدرت مؤخرا عدة كتب عن المطبخ الإيراني في إسرائيل».

وقالت بريتشهر ثاني عن حجم العلاقات والترابط بين اليهود الإيرانيين واليهود العرب في إسرائيل: «يشكل العرب نحو 20 في المائة من سكان إسرائيل، ولهم علاقات تجارية واسعة وبيع وشراء مع اليهود الإيرانيين في إسرائيل. ويشكل العرب نسبة كبيرة وأساسية من الموظفين الطبيين مثل الممرضين والأطباء في المستشفيات الإسرائيلية وهم يحظون باحترام وتقدير كبير من الجالية اليهودية الإيرانية في إسرائيل، وهذا الاحترام متبادل بين العرب والإيرانيين في إسرائيل، حيث تقطن غالبية المواطنين العرب في شمال إسرائيل. نحن كيهود إيرانيين نتمتع بحقوقنا ونسكن في المدن اليهودية ونحترم حقوق بقية المواطنين في إسرائيل. يحترم معظم الإسرائيليين حقوقنا وحقوق اليهود العرب».

وتابعت الكاتبة الإيرانية: «إذا قمنا بنظرة خاطفة على أحوال اليهود في بعض الدول العربية وإيران نجد أن اليهود العرب في إسرائيل يتمتعون بحياة أفضل وظروف اجتماعية تتميز بنسبة عالية من العدالة مع اليهود غير العرب. وفي الوقت الذي يتولى فيه عدد من اليهود العرب والإيرانيين مناصب حكومية رفيعة في إسرائيل نجد أن اليهود محرومون من تولي مناصب في جهاز القضاء في إيران. لدينا قضاة وأساتذة من أصول عربية في إسرائيل وأيضا في قطاعات أخرى كالجيش وبعضهم بدرجات رفيعة».

وأشارت بريتشهر ثاني إلى حضور شخصيات مؤثرة يهودية من أصول إيرانية في القطاعات الطبية والثقافية والجامعية وحتى الجيش الإسرائيلي، وتابعت: «على سبيل المثال فإن أحد مسؤولي ملف مكافحة كورونا في إسرائيل من أصول إيرانية. وهناك فنانات ومغنيات يهوديات بارزات من أصول إيرانية، على غرار ريتا جهان فروز، وليراز تشرهي. وكان هناك العديد من الموسيقيين والعازفين اليهود في إيران، لكنهم غادروا إلى إسرائيل ودول أخرى بعد قيام الثورة».

وتمكن عدد من اليهود من أصول إيرانية من الدخول إلى الكنيست الإسرائيلي خلال الأعوام الأخيرة على غرار جاليت ديستل اعتباريان، وميراف بن آري.