عون ودياب متفقان على هدر أموال المودعين

بعد محاولات التهرب من قرار رفع الدعم

يبدو أن رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب يصر على إضافة إنجاز جديد لحكومته التي أوصلت البلاد إلى الإفلاس وضربت كل القطاعات الإنتاجية وزادت عدد الفقراء وعدد العاطلين عن العمل، وذلك عن طريق السطو على أموال المودعين لتمويل البطاقة التمويلية عبر الاحتياطي الإلزامي، في حال لم يأت تمويل من الخارج.

فالرجل، منذ بدء الحديث عن رفع الدعم، يصر على رفض تحمل مسؤولية هذا القرار بأي ثمن، حتى ولو لم يبق فلس في الخزينة. والأسوأ أنه لا يتوقف عن «النق» وكأن أحدا أجبره على القبول بتسلم رئاسة الحكومة، وهو العارف سلفا بما ينتظره من تحديات.

مصادر نيابية مطلعة أكدت لـ«المجلة» أن دياب وقبل إعلانه هذا القرار حاول التهرب من قرار رفع الدعم لترحيله إلى الحكومة الجديدة، إلا أن العراقيل المستمرة لعملية التأليف دفعته للتوافق مع رئيس الجمهورية ميشال عون على أن يكون تمويل البطاقة من أموال الاحتياط في مصرف لبنان. هكذا بكل بساطة رغم تبعاته الكارثية على الناس والدولة.

ولم يكتف بذلك بل ظهر عبر قناة «الحرة» متحدثا «بثقة» أنه لا يمانع في استعمال احتياط المصرف المركزي، أي أموال المودعين، لتغطية البطاقة التمويلية.

وشكل كلام دياب صدمة لمن تابعوه، خصوصا للمودعين، لأنه يعني عمليا القضاء على ما تبقى من مقومات مالية، في حين أن المطلوب إنهاض البلد لا تدميره.

ووفق المعلومات فإن جهات حقوقية ومن بينهم نقيب المحامين في بيروت، قررت- بعد كلام دياب- التحرك لرفع دعاوى قانونية لوقف هذا «التسيّب».

قراردياب أثار موجة من الاعتراضات والانتقادات السياسية والاقتصادية واستفز نائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي الذي أعلن أنه فوجئ بأن رئيس الوزراء المستقيل الأستاذ حسان دياب الذي غاب «غيبة أهل الكهف» بعد استقالته، والذي نتفهم تماما مطالبة البعض له بالقيام بتسهيل الأعمال وتصريفها وفقا لما نص عليه الدستور اللبناني، وقد حاول مؤخرا كما تعلمون جميعا أن يطلب من المجلس النيابي تفسير كلمة تصريف أعمال لكي يورط المجلس في مسؤوليته عن الأعمال التي ينوي القيام بها، وإذا به فجأة يصبح متنطحا وهو الذي أقدم على عدم دفع اليوروبوند وإعلان إفلاس لبنان، وإعلان لبنان دولة فاشلة ماليا، دون أن يقدم على أي عمل لمفاوضة الدائنين أو تأجيل الدين، يقول بالأمس وبلا تردد إن رفع الدعم عن البضائع، (الذي هو أمر لا بد منه وأصبح مسلما لدى اللبنانيين على قاعدة الترشيد ودعم العائلات الفقيرة عن حق وبصورة جدية) يأتي ليقول إن الظرف استثنائي وهناك واجب في أن نمد يدنا إلى الـ15 مليارا بعد أن كانت 17، وهي من الاحتياطي الإلزامي بالدولار، الذي فرضه حاكم مصرف لبنان على المودعين أيضا، لكي يمد يده على المودعين. وقد سبق أن برزت أصوات تطالب بذلك في المجلس النيابي وخارجه.

دياب قال في مقابلة تلفزيونية إنه لا يمانع في استعمال احتياطي المركزي (أي أموال المودعين) لتغطية البطاقة التمويلية

وأكد أن «هذه مؤامرة جديدة تستهدف المودعين، من أهل السلطة والحكم والحكومة ومن يؤيد من أهل السلطة هذا المطلب، لكي تستمر في تمويل المرحلة القائمة حتى لو بقينا دون حكومة، بمال الشعب اللبناني».

وقال: «الواضح، عندما تطلب من حاكم مصرف لبنان أن يمد يده إلى الاحتياطي الإلزامي وتقول له مول رفع الدعم، فلسفتكم كانت كلها مع الحكومات السابقة، وكان حاكم مصرف لبنان متآمرا معها وشريكها في عملية الدعم الذي كان يوفره لها، وكانوا يقولون لماذا يقبل الحاكم مع الحكومات المتعاقبة. كيف تطلب الآن من الحاكم أن يمول شيئا وبما يعود على المودعين. أناشد المودعين أن يصوبوا حركتهم تصويبا سليما ويعرفوا أن الخطر المقبل على أموالهم أيضا من هناك إلى جانب بعض المصارف التي أمعنت في تصرفها التافه والسخيف. أقول بعض المصارف دون أن أقول النظام المصرفي في لبنان، لأن النظام يعني الدولة ومنطق المؤسسات لأن هذا النظام الذي غزا الدول العربية برمتها، أتت هذه الحكومة لتصيبه في الصميم وتسحبه من هذه الدول العربية ليصبح لقمة سائغة للبنوك الإسرائيلية في الوقت القريب».

وختم: «يا شعب لبنان المستهدف، أقول ذلك بشكل واضح، الطريق السليم لتمويل رفع الدعم ولدعم الكهرباء ولتمويل كل خطوة تحتاج إلى تمويل هي تأليف حكومة بشكل سريع، وذهاب هذه الحكومة إلى المؤسسات الدولية لتأتي وتحتضن الواقع في لبنان كما احتضنته في مصر واليونان، وبالتالي توضع الخطة وتدعم المؤسسات الدولية ضمن خطة مدروسة وحكومة جديدة تراقب».

لبنانيون يحاولون سحب أموالهم بالدولار من أحد البنوك في العاصمة اللبنانية بيروت (أ.ف.ب)

الدستور يقدّس الملكية الخاصة

الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة أكد لـ«المجلة» على أن «نصّ الدستور على قدسية الملكية الخاصة وخصوصًا الفقرة (و) التي تقول إن (النظام الاقتصادي حرّ يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة). وبما أن مقدمة الدستور هي أعلى من مواد الدستور الأخرى ومن أي قانون، فإن أي قانون يمسَ بالملكية الخاصة هو مُخالف للدستور ويُمكن إسقاطه أمام المجلس الدستوري».

النظام الاقتصادي حرّ يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة

من جهة أخرى، نصّت المادة 69 من قانون النقد والتسليف على أن «على المصرف أن يبقي في موجوداته أموالا من الذهب ومن العملات الأجنبية التي تضمن سلامة تغطية النقد اللبناني توازي (30 في المائة) على الاقل من قيمة النقد الذي أصدره وقيمة ودائعه تحت الطلب، على أن لا تقل نسبة الذهب والعملات المذكورة عن (50 في المائة) من قيمة النقد المصدر. لا تؤخذ موجودات المصرف من النقد اللبناني بعين الاعتبار لحساب النسبتين المحددتين في الفقرة السابقة».

كما نصّت المادة 113 من نفس القانون على أن «يتألف الربح الصافي من فائض الواردات على النفقات العامة والأعباء والاستهلاكات وسائر المؤونات. يقيد 50 في المائة من هذا الربح الصافي في حساب المصرف المركزي يدعى الاحتياط العام ويدفع 50 في المائة إلى الخزينة... ». وهذا يعني أن الاحتياط العام تمّ تعريفه نسبة إلى المادة 69 من القانون نفسه.

الاحتياطي الإلزامي هو عبارة عن موجودات في مصرف لبنان تأتي من ودائع المودعين بالعملة الصعبة. وهذه النسبة تُناهز 15 في المائة. وهذا الاحتياطي الإلزامي يأتي ضمن السياسات الاحترازية التي يفرضها المصرف المركزي بهدف لجم المخاطر التي قد تنتج عن مُغامرات بعض المصارف في التوظيفات.

إذن الاحتياطي الإلزامي هو من أموال المودعين ولا يوجد أي مسوغ قانوني للمسّ به وكل قانون/ مرسوم/ تعميم/ قرار هو مُخالف للدستور وبالتالي ساقط قانونيًا.

إصرار السلطة التنفيذية على استعمال الاحتياط الإلزامي نابع بالدرجة الأولى من خلفيات سياسية منها النقمة الشعبية على السلطة التنفيذية بحسب مصادر رئاسة الحكومة، ولكن أيضًا حسابات سياسية أخرى.

هذا الإصرار يواجهه رفض قاطع من قبل المصرف المركزي الذي يتمسّك بمبدأ أن هذه الأموال هي أموال المودعين وبالتالي لا يجوز المسّ بها. هذا الرأي هو أيضًا رأي القوى النافذة في المجلس النيابي والتي ترفض المسّ بهذا الاحتياطي الإلزامي ووصل الأمر إلى حدّ طلب نائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي من حاكم مصرف لبنان عدم الرضوخ لمطلب السلطة التنفيذية. هذا الأمر يواكبه تهديد من قبل نقابة المحامين التي هدّدت برفع دعوى ضد مصرف لبنان والسلطة التنفيذية وكل من يُشارك في أخذ مثل هذا القرار.

السيناريو الأكثر احتمالًا هو عدم وصول طرح تمويل البطاقة التمويلية إلى خواتم سعيدة وهذا يعني أنه بعد شهر مايو (أيار) 2021، سيكون المواطن وحيدًا بمواجهة عاصفة الأسعار التي لن يتلكأ التجار في استغلالها لمصالحهم الشخصية على حساب مصلحة المواطن.

شهدت المدن اللبنانية احتجاجات واسعة ضد القرارات المتعلقة بالودائع والأوضاع الاقتصادية (غيتي)

من المسؤول؟

أما رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان فقال: «يستفيق اليوم دولة رئيس الحكومة المستقيلة، والذي كان يفترض أن يذهب منذ عام و6 أشهر إلى ترشيد الدعم، ليتحدث فجأة عن البطاقة التموينية وأنه (لا بأس) إن أخذنا من الاحتياط الإلزامي لنوفر الدعم. ولكن السؤال: من سيحاسب على الـ7 مليارات دولار تقريبا، والتي ذهب الجزء الأكبر منها إلى التجار وإلى التهريب خارج لبنان؟».

وقال: «منذ أسابيع، أرسلت كتابا كرئيس لجنة إدارة وعدل إلى وزراء المال والاقتصاد والصناعة وحاكم مصرف لبنان، طالبتهم فيه بأن يعطونا أسماء التجار وكل من أفاد من الدعم، أي لائحة لنعرف من أخذ الـ7 مليارات دولار تقريبا ومن استفاد منها وأين ذهب الباقي منها، ولكن لليوم لم نتلق جوابا».

الإصرار على استخدام أموال المودعين يواجهه رفض قاطع من قبل المصرف المركزي

وأضاف: «يعتقدون أن هدر أكثر من 7 مليارات سيمر كأن شيئا لم يكن. لا يا حضرة رئيس الحكومة المستقيلة من مهماتها ومن تصريف الأعمال ومن متابعة قضايا الناس وتوقيع مرسوم ترسيم الحدود... إذا كان ترشيد الدعم يكلف مليار دولار فقط أو مليارين، فأين ذهبت الـ5 أو الـ6 مليارات المتبقية؟ ولماذا لم تقوموا بمهمتكم من قبل؟ وتركتم التجار والتهريب؟».

اليوم، لا بد أن يعلم الشعب اللبناني أن رئيس الحكومة المستقيلة وكل وزير فيها ترك الدعم كما كان، وكل تاجر أفاد من أموال المودعين وأموال الناس، وكل مسؤول على الحدود وجهاز أمني لم يقم بدوره يجب أن يحاكموا أمام الناس».

وأكد أن «الاحتياط الإلزامي ليس مالا سائبا، بل هو لمودعين وضعوا أموالهم في المصارف، وهذه المصارف ملزمة أن تضع 15 في المائة من هذه الأموال في مصرف لبنان، فلا يمكنكم أن تتصرفوا فيها، وإن فعلتم ذلك ستكون هناك ملاحقات قانونية في حق حاكم مصرف لبنان ورئيس الحكومة ووزير المال».

ودعا المودعين إلى «الوقوف ضد هذا الموضوع»، وقال: «نحن سنقف معهم وندرس كل التدابير القانونية التي يفترض اعتمادها».

 

ترشيد الدعم لم يعد ممكناً

تكشف أرقام مصرف لبنان الأخيرة أن ترشيد الدعم نفسه، كما تخطّط الحكومة، لم يعد ممكناً، بعدما تراجعت الاحتياطات القابلة للاستخدام إلى مستويات لا تترك لمصرف لبنان أي هامش للتدخّل لأكثر من بضعة أسابيع. هذا بالتأكيد إذا افترضنا أن المس بالاحتياطات الإلزاميّة المودعة لدى مصرف لبنان، وهي آخر ما تبقّى من أموال المودعين في النظام المصرفي، هو مسألة مرفوضة من قبل الجميع حاليّاً. ولعلّ هذا التطوّر، تحديداً، هو ما أجّج الحديث عن رفع الدعم اليوم.

آخر ميزانيّات القطاع المصرفي المجمّعة، تظهر أن مجموع الودائع الموجودة في القطاع حاليّاً بالعملات الأجنبيّة تبلغ نحو 110.23 مليار دولار، موزّعةً ما بين 85.22 مليار دولار أودعها المقيمون في لبنان، ونحو 25.01 مليار دولار لغير المقيمين. وبذلك، يكون مجموع الاحتياطات الإلزاميّة، التي ينبغي الحفاظ عليها في المصرف المركزي، وممنوعٌ المسّ بها تحت أي ظرف، نحو 16.53 مليار دولار. يُشار إلى أن تعاميم مصرف لبنان حدّدت نسبة الاحتياط الإلزامي هذه، التي يُفترض أن تودع لدى المصرف المركزي ضمانةً للمودعين، بـ15 في المائة من إجمالي الودائع الموجودة لدى المصارف بالعملات الأجنبيّة. ويصرّ مصرف لبنان حتّى اللحظة على عدم استعمال هذه الاحتياطات في عمليات تمويل الاستيراد ودعمه، معتبراً أن المساس بهذه الاحتياطات سيؤدّي إلى مخاطر قانونيّة كبيرة على المصرف، لكونه فرض على المصارف التجاريّة إيداع هذه المبالغ لديه ليحفظ حقوق أصحاب الودائع لا ليبدّدها في عمليات الدعم.

 مجمل ما تبقّى من موجودات خارجيّة بالعملة الصعبة لا يتخطّى مستوى 21.9 مليار دولار

في المقابل، تظهر الميزانيّة نصف الشهريّة، التي نشرها مصرف لبنان في منتصف شهر أبريل (نيسان)، أن مجمل ما تبقّى من موجودات خارجيّة بالعملة الصعبة لا يتخطّى مستوى 21.9 مليار دولار، من بينها نحو 5 مليارات دولار هي عبارة عن سندات يوروبوند يحملها المصرف ولا يمكن تسييلها، فيكون مستوى الاحتياطات المتبقّية بيد المصرف بالعملة الأجنبيّة 16.9 مليار دولار فقط.

المسألة واضحة إذن؛ حيث يملك مصرف لبنان 16.9 مليار دولار من الاحتياطات السائلة بالعملة الأجنبيّة، بينما لا يمكنه المسّ بنحو 16.53 مليار دولار منها (الاحتياطات الإلزامية)، وهو ما يعني أن مستوى السيولة القابل للاستخدام حاليّاً لا يتجاوز حدود 370 مليون دولار، وهي قيمة بالكاد تكفي للدعم لنحو شهر وفقاً لوتيرة استنزاف الاحتياطات الحاليّة. وبالإضافة إلى دعم الاستيراد، هناك ما يقارب 200 مليون دولار وافق مجلس النواب على إعطائها لمؤسسة كهرباء لبنان سلفةً لشراء الفيول، في حين أن هذه المستويات من السيولة الموجودة لدى مصرف لبنان لا تبشّر بقدرة المصرف على توفير هذه الأموال بالعملة الصعبة للمؤسّسة، إلا إذا كان المطلوب سحب هذا المبلغ من الاحتياطات الإلزاميّة.