زيارة لودريان فشلت.. واللبنانيون دفنوا المبادرة الفرنسية!

بيروت: لم يختلف المشهد في لبنان بعد زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، إذ لا يزال التعطيل الحكومي سيّد الموقف، ولا خرق إيجابي في ظل تمترس أطراف الازمة خلف مطالبهم وشروطهم، لا بل زادت الأمور تعقيداً مع تلويح رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري قبيل زيارة لودريان بالاعتذار عن التأليف بعدما كانت هذه الخطوة مستبعدة وموضوعة مقابل استقالة رئيس الجمهورية، ما يعني بالتالي الدخول إلى المجهول.

فما الذي تغيّر اليوم، وماذا حمل لودريان معه للبنان، وإلى أين يمكن أن تتجه البلاد في أعقاب تهاوي المبادرة الفرنسية؟

فيما اتسمت زيارة لودريان إلى بيروت، يوم الخميس الفائت، ومحادثاته مع الرؤساء اللبنانيين، بالسرية والتكتم الشديدين، إلا أن أجواء الزيارة تعكس عدم وجود جديد بشأن المبادرة الفرنسية المعطلة منذ أغسطس (آب) الفائت، إذ لم يقدّم إضافة عمّا سبق لفرنسا أن قدّمته منذ بداية الأزمة الحكومية، فقط كرّر الدعوة الفرنسية لتشكيل حكومة. كما لم يقدّم أي إضافة على الغضب الفرنسي من المعطّلين سوى التلويح بالتشدّد بالضغوط والإجراءات العقابية على المعطّلين.

 

أجواء سلبية طغت على لقاءات لودريان

مع أنّ وزير الخارجية الفرنسي عاد والتقى رئيس الحكومة المكلَّف سعد الحريري في قصر الصنوبر، خلافًا لما تمّ الترويج له منذ أيام عن «استثنائه»من جدول أعماله، ما سيدفعه إلى «الاعتذار»رفضًا لمساواته بالمعطّلين الحقيقيّين، إلا أنّ الأجواء «السلبيّة»طغت على مجمل لقاءاته الرسمية، التي شملت أيضًا رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس البرلمان نبيه بري.

ولعلّ المتغيّر الوحيد في الموقف الفرنسي، كيفية التعاطي مع المسؤولين اللبنانيين وتحميلهم جميعهم مسؤولية التعطيل وتبعة عدم التزام تعهداتهم في اجتماع قصر الصنوبر مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وقد أشارت مصادر سياسية مطلعة على أجواء لقاءات وزير الخارجية الفرنسي بالرؤساء الثلاثة عون وبري والحريري، أنها كانت «بالغة السلبية»وباردة، وأنه استمع إلى مبرراتهم أكثر من أن يتحدث إليهم، وأنه حمّلهم مسؤولية إفشال مبادرة فرنسا لتشكيل حكومة اختصاصيين في لبنان.

 

هل سيكون الحريري على لائحة العقوبات الأوروبية؟

وعن تلويح الحريري بالاعتذار، قال نائب رئيس تيار المستقبل مصطفى علوش، لمجلة «المجلة» إن «الذي تغيّر اليوم هو عامل الوقت، والتسويات والمحاولات المتعددة التي قام بها الحريري على مدى 19 زيارة لرئيس الجمهورية وكذلك المحاولات على المستوى الخارجي، ورغم كل ذلك لا تزال بعبدا تكرر اسطوانة التعطيل والحجج نفسها».

ورأى أنه أمام هذا المشهد يبدو جلياً أن الأفق مسدود والانهيار حاصل، مشيرا إلى أن «بعض الأوساط تحاول مساواة الحريري بالتعطيل مع المعطل الحقيقي، وبالتالي لن يكون أمام الحريري سوى القول (تفضلوا شكلوا حكومة بمفردكم)»، موضحا أن «خيار الاعتذار كان واردا في الأيام الأخيرة إلا أنه حالياً وُضع جانبا بعد الرفض الشعبي».

 

مصطفى علوش

كما نفى علوش، جملة وتفصيلا، أن تكون ثمة ضغوطات خارجية تمارس على الحريري لدفعه نحو الاعتذار، وعما أفيد حول إدراج اسم الحريري على لائحة العقوبات الأوروبية، لفت إلى أنه «لا عقوبات أوروبية، لأنها تتطلب موافقة 27 دولة لتشارك فيها، وهذا الأمر غير وارد في الوقت الحالي، والفرنسيون يدركون هذا الأمر جيداً»، معتبرا أن العقوبات الفرنسية في حال فُرضت لن تكون موجعة على غرار العقوبات الأميركية لأنها معنوية أكثر مما هي عملية».

وتابع علوش، متسائلا: «هل سيكون الحريري على لائحة العقوبات، كل المعطيات تفيد بأنها لن تطال الصف الأول من السياسيين وبالتالي المعطل الحقيقي سيبقى بمنأى عنها».

إلى ذلك، أكّد علوش على أن المبادرة الفرنسية لا تزال قائمة، وهي الوحيدة المطروحة على الطاولة، لكن لبنان تعامل معها باستهتار، مشيرا إلى أن «الفرنسيين وصلوا إلى مرحلة أن تسهيل تشكيل الحكومة يتطلّب لقاء بين الحريري وباسيل، لكن الرئيس المكلف رفض هذا اللقاء لأسباب عدة»، وأضاف: «إذا كان اللقاء مع باسيل ينتج حكومة من المستقلين، فلماذا لم يقبل بها أساساً، أما إذا كان اللقاء لمجرد تعويمه من دون نتائج فبالتالي لا لزوم لمثل هذا اللقاء».

 

موت المبادرة الفرنسية؟

ليس تفصيلاً أن يمتنع لودريان عن الغوص في الملف الحكومي إلا من باب حصري واحد هو «توبيخ»القوى السياسية مجتمعة، إذ كان لافتا من حيث شكل الزيارة، تعمّد الضيف «الغاضب» الصمت في معظم محطات لقاءاته. مكتفيًا بتصريح مقتضب للصحافيين في ختامها، كرر فيه التلويح بالعقوبات، وهو ما بدا بحدّ ذاته معبّرًا عن امتعاض فرنسيّ مُطلَق، يتناغم مع «الرسالة شديدة اللهجة»التي قال لودريان إنّه يأتي إلى بيروت لتوجيهها للمسؤولين.

 

منير الربيع

وصحيح أنّ وزير الخارجية الفرنسي لم ينعِ المبادرة الفرنسية، لكنّ الصحيح أيضًا أنّ «حركة» لودريان لم توحِ سوى بـ«موتها»، في هذ السياق، قال الصحافي والمحلل السياسي منير الربيع لـ«المجلة»، إن «زيارة لودريان لم تغيّر شيئا بمواقف السياسيين اللبنانيين بسبب الاستعصاء الداخلي».

وبحسب معلومات الربيع، فإن الحريري لن يعتذر، مشيرا إلى أن الأخير فكّر جديا بالاعتذار عندما شعر بأن الفرنسيين يريدون التعامل معه كما يتعاملون مع الوزير السابق جبران باسيل، بينما الحريري يعتبر نفسه سهّل عملية التأليف، لذلك لوّح بالاعتذار، ولكن بعد ذلك جاءته نصائح خارجية وداخلية بعدم الإقدام على هذه الخطوة كي لا يلبي لرئيس الجمهورية مطالبه وغاياته.

كذلك رأى أنه «لا أفق لتشكيل الحكومة في الوقت الراهن للأسباب التي أصبحت معروفة، وبالتالي الأزمة اللبنانية ستبقى تراوح مكانها والمبادرة الفرنسية تلقت صفعة قوية من قبل لبنان».

وشدّد الربيع على أن «فرنسا لا تريد تحميل المسؤولية لمن يتحمل المسؤولية، لذلك لجأت لخيار الحديث عن عقوبات بحق جميع القوى السياسية».

ومع سقوط المبادرة الفرنسية، قال الربيع إن «لبنان يتجه نحو المزيد من الترهل والتخبط، ولا مساعدات خارجية إلا مساعدات إنسانية وبالتالي استمرار الأزمة».

وكان لودريان قد هدّد قبيل مغادرته لبنان، بتكثيف الضغط على الساسة اللبنانيين واتهمهم بـ«الانتحار الجماعي» لتقاعسهم عن إخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية الكبيرة. وبدا واضحا، أن لودريان يقصد كل الطبقة السياسية اللبنانية، وأن باريس تلوم الجميع، وأنها ترفع شعار لا محاباة لأي زعيم لبناني بعد الآن.

وقال جان إيف لودريان للصحافيين الجمعة إنه إذا استمر هذا الوضع فستكون هناك إجراءات عقابية صارمة، على المستوى الفرنسي، وربما على مستوى الاتحاد الأوروبي، ضد المعطلين. وكان لافتا تأكيده أن بلاده بدأت تنفيذ إجراءات تقييدية ضد شخصيات لبنانية مسؤولة عن الانسداد السياسي الحالي، وأنه يمكن تشديد تلك الإجراءات بدعمها بأدوات ضغط أوروبية، وهي رسالة واضحة تفيد بأن الأمر ليس موقفا فرنسيا يمكن تجاوزه بالرهان على عامل الوقت، وأن العقوبات قد تتوسع لتصبح موقفا أوروبيا جماعيا.