أنقرة تجفّف مياه الشمال السوري

تركيا تشن حرباً مائية على «الإدارة الذاتية»
سكان منبج وكوباني ودير الزور يعتمدون بشكلٍ أساسي على مياه الفرات للشرب

القامشلي:ندّد مسؤولون لدى «الإدارة الذاتية» لشمال سوريا وشرقها، وكذلك منظمات حقوقية أبرزها المرصد السوري لحقوق الإنسان، بتخفيض تركيا لكمية المياه التي تتدفق من أراضيها باتجاه سوريا عبر نهر الفرات، وهو أمر يؤثر سلباً على المناطق التي تقع بالقرب من النهر وتعتمد على مياهه في الزراعة والشرب وتوليد الطاقة الكهربائية.

وأكد مظلوم عمر من الرئاسة المشاركة للمجلس التنفيذي في منطقة الطبقة القريبة من مدينة الرقة أن مياه الفرات «شبه مقطوعة» في ضوء الكميات التي تتدفق في الوقت الحالي من الجانب التركي إلى الأراضي السورية والعراقية، وذلك بعدما خفضت أنقرة منسوب مياه نهر الفرات التي تتدفق من أراضيها من 500 متر مكعب في الثانية إلى 200 متر، منذ مطلع العام الجاري.

وقال لـ«المجلة» إن «إقدام أنقرة على تخفيض كمية المياه هو نوع من الحرب غير المباشرة على الشعب السوري، فهي تريد إضعاف الإدارة الذاتية وإثارة الفتن والضغوط الشعبية عليها، لكنها لم تحقق أهدافها، خاصة وأن هناك استياء وغضبا مجتمعيا واضحا ضد سياسات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع الشعب السوري».

وكشف عمر أن «الإدارة الذاتية» تقدّمت بشكوى لدى التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم داعش، وندّدت فيها بما يحصل من «انتهاكٍ تركي»، على حدّ تعبّيره، لحقوق سوريا من مياه نهر الفرات.

وأضاف أنه «لا توجد حلول أو بدائل حقيقية عن نهر الفرات»، مشدداً على أن «الإدارة الذاتية توجهت لاتخاذ إجراءاتٍ عاجلة في بعض مناطقها التي تضررت من انقطاع المياه، حيث قامت بإيصال المياه عبر الصهاريج للسكان، لكن ساعات إنتاج الكهرباء تراجعت وبلغت 5 ساعات في اليوم الواحد لكامل المنطقة من السدود الثلاثة التي توجد فيها».

وأكد المسؤول أن «قطاع الكهرباء تضرر أيضاً وبشكل كبير، لذلك خُفِضت ساعات إنتاج الكهرباء إلى 5 ساعات فقط في اليوم، كي نحافظ على ما تبقى من مياه البحيرة المحتجزة خلف سدّ الفرات»، متهماً أنقرة بعدم الالتزام بأكثر من اتفاقيتين مع دمشق حول كمية المياه التي يجب أن تتدفق من أراضيها إلى الجانبين السوري والعراقي، كما حذّر من «عواقب وخيمة» في حال استمرار تركيا في منع تدفق المياه إلى سوريا عبر الفرات لا سيما وأن مختلف مناطق «الإدارة الذاتية» تعتمد على مياهه في الشرب والزراعة وتوليد الطاقة الكهربائية.

وتوجد في مناطق «الإدارة الذاتية» التي تضمّ كامل محافظتي الحسكة والرقة وأجزاء من محافظتي حلب ودير الزور، 3 سدود، الأول يقع في الرقة والثاني في منبج، والثالث في مدينة الطبقة.

قوات تركية تتجه لجولة برية في شمال سوريا على طول الحدود السورية التركية، في شانليورفا، تركيا، 24 سبتمبر 2019 (غيتي)

 

تركيا لا تلتزم باتفاقياتها مع دمشق بخصوص مياه الفرات

وفي السياق نفسه، قالت آهين سويد، من الرئاسة المشاركة لمكتب الطاقة لدى الإدارة الذاتية إن «الدولة التركية تحارب شعوب شمال شرق سوريا منذ بداية عام 2021 الجاري، عبر تقليل مخصصات سوريا من مياه نهر الفرات وتحديداً منذ 27 يناير (كانون الثاني) الماضي».

وأضافت أن «مخصصات الدولة السورية في حدود 200 إلى 250 مترا مكعبا في الثانية، وهذا الرقم قليل بالنسبة لحصة سوريا التي تم تحديدها باتفاقيات سابقة بين أنقرة ودمشق، علماً أن هذه الكمية تشمل 75 مترا مكعب يتم تبخيرها على طول نهر الفرات. 25 مترا مكعبا في الثانية تمّ تخصيصها للشرب. وأكثر من 125 مترا مكعبا مخصصا للري، وهو وارد أقل بكثير من الكمية المعتادة».

وتابعت: «الأسباب التي تدفع تركيا لقطع المياه واضحة، فهي استمرار لسياساتها بمحاربة شعوب روجافا (الاسم الكردي لشمال وشرق سوريا) منذ بداية ثورتها، وقد احتلت مدن كري سبي (تل أبيض) وعفرين وسري كانييه (رأس العين) وغيرها، وقطعت مياه محطة علوك عن الملايين في الحسكة وتل تمر. ومن ثم توجهت لقطع مياه الفرات عن شعوب المنطقة»، وشدّدت على أن السبب الرئيسي لاستمرار تركيا في «النهج العدائي»، مع «الإدارة الذاتية»، هو «محاربة مكتسباتها».

وأوضحت أنه «عند الحديث عن مخصصات الدولة السورية من مياه نهر الفرات، نركّز على اتفاقية 1987 بين تركيا وسوريا والتي تمّ توقيعها في دمشق وبموجبها حدّدت مخصصات سوريا من مياه النهر بـ500 متر مكعب في الثانية، وبعدها بعامين تم توقيع اتفاقية أخرى بين سوريا والعراق، بتخصيص حصة للعراق، حيث تم تحديد 42 في المائة للدولة السورية و58 في المائة للدولة العراقية».

ووفقاً لما قالته سويد، فقد تأثرت بشكلٍ سلبي جوانب عديدة وحيوية في مناطق «الإدارة الذاتية» جراء انحسار مياه نهر الفرات، موضحة أن الأمر تسبب في «انتشار مشاكل بيئية عدّة نتيجة التلوث وازدادت الأمراض خصوصاً في فترة تفشي فيروس كورونا، وكذلك بدأت تتشكل طبقة رقيقة من الطحالب في مجرى النهر»، وأضافت أن «سكان منبج وكوباني ودير الزور يعتمدون بشكلٍ أساسي على مياه الفرات للشرب. ومع عدم وجود طرق لتنظيفها، سنواجه كارثة كبيرة لا سيما وأن نحو 6 ملايين شخص يعيشون في مناطق الإدارة الذاتية».

صورة من فيديو متداول نشرته إلهام أحمد، رئيسة الهيئة التنفيذية لمجلس سوريا الديمقراطية، يظهر مضخات مياه زراعية على ضفاف الفرات أعلى من مستوى مياه النهر، بعد تراجع المنسوب.

 

الأمن الغذائي مهدد في مناطق الإدارة الذاتية

يهدد قطع تركيا لمياه نهر الفرات، الأمن الغذائي في مناطق «الإدارة الذاتية»، بحسب سويد التي قالت في هذا الصدد إن «معظم مناطقنا تعتمد على مياه الفرات في ريّ محاصيلها الزراعية، وبالتالي سوف يتراجع الموسم الزراعي المروي لعام 2021 بسبب انحسار مياه النهر، وهذا يعني أن الملايين معرّضون لخطر الأمن الغذائي».

أما فيما يتعلق بتوليد الطاقة الكهربائية في شمال وشرق سوريا، فقد قالت سويد إن «منسوب سدّ تشرين الأعظمي يجب أن يكون 325 مترا مطلقا، لكن حالياً يبلغ 321 متر، ما يعني انخفاض 4 أمتار شاقولية في مدة زمنية قصيرة هي 3 أشهر»، وتابعت أن «منسوب سدّ الفرات الأعظمي، يجب أن يكون 304 أمتار مطلقة، لكنه حالياً يبلغ 298 مترا، أي انخفض بمقدار 5 أمتار شاقولية خلال ثلاثة أشهر أيضاً».

صور متداولة على «فيسبوك»لجسر المراشدة الواقع علي نهر الفرات في دير الزور، بتاريخ 17 يوليو

الحلول البديلة ليست استراتيجية

وأشارت إلى أن «بحيرة تشرين تحوي نحو مليار متر مكعب. الفرات فقط 3 مليارات متر مكعب. هذه أرقام مخيفة لتوليد الكهرباء، حيث تقترب البحيرتان من المنسوب الميت، ما يعني إيقاف التشغيل بشكل كامل»، كما نوّهت إلى أن «إدارة السدود اتخذت قراراً بانخفاض عدد ساعات تشغيل العنفات من أجل تخصيص ساعات محددة لكل محافظة، ويتم تشغيلها من أجل مياه الشرب والريّ».

ورأت أن «الحلول البديلة في حال استمرار قطع المياه تكون مؤقتة وليست استراتيجية كون المنطقة تعتمد بشكل كبير ورئيسي على النهر وسدوده منذ تأسيسها. وعلى سبيل المثال، توليد الكهرباء في إقليم الجزيرة يمكن تأمينها عبر العنفات الغازية في حقول السويدية والعنفات الغازية في حقول جبسة».

وأظهرت صور ومقاطع فيديو تداولتها وكالات أنباءٍ سورية ودولية، تحوّل أجزاءٍ من مجرى نهر الفرات في بعض المناطق السورية لأرضٍ قاحلة بعدما خفضت تركيا حجم منسوب المياه التي كانت تتدفق من أراضيها إلى سوريا والعراق.

ومطلع الأسبوع الماضي، جدّد المرصد السوري لحقوق الإنسان الذي يتخذ من بريطانيا مقراً لها، مطالبته للأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالضغط على الحكومة التركية لإعادة رفع منسوب مياه الفرات المتدفقة إلى سوريا، وتطبيق الاتفاقيات الدولية.

وأشار المرصد في بيانٍ مكتوب نُشر على موقعه الرسمي إلى أنه «مع مواصلة الجانب التركي خفض كمية منسوب مياه نهر الفرات المتدفقة من الأراضي التركية إلى الجانب السوري، ووصوله إلى أدنى مستوياته وما يترتب على ذلك من جفاف في الآبار الجوفية والضرر الكبير الذي لحق بالبيئة والثروة الحيوانية والمزارعين في القرى المحاذية لمجرى النهر، فإن المرصد يجدد مطالبته للأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية والجهات الدولية الفاعلة بالتدّخل والضغط على الحكومة التركية للعودة إلى الاتفاقيات الدولية بخصوص كميات المياه المتفق توريدها للجانب السوري».

وأواخر شهر أبريل (نيسان) الماضي، اتهم الرئيس المشارك لـ«مجلس سوريا الديمقراطية» الذي يشكل المظلة السياسية لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، اتهم تركيا باستخدام المياه كسلاح ضد سكان مناطقها.

كما كشف رياض درار في تصريحاتٍ لوسائل إعلامٍ كردية أن المجلس الذي يقوده، سيطالب فرنسا والدول الأوروبية بالضغط على تركيا بشأن منعها لتدفق مياه الفرات إلى الجانب السوري، مؤكداً وجود ردود «خجولة» على الرسائل والخطابات الموجهة إلى الأمم المتحدة ومنظماتٍ دولية أخرى.

وهذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها تركيا باستخدام المياه كسلاح ضد المدنيين في مناطق سيطرة «الإدارة الذاتية» أو في حربها ضد قوات سوريا الديمقراطية، حيث سبق لها وأن قطعت المياه عن عفرين أثناء تقدّم الجيش التركي مع فصائل المعارضة المسلحة الموالية لها قبل تمكنهما من السيطرة على المدينة.

وخلال عام 2016، قامت السلطات التركية بتحويل المجرى الطبيعي لنهر دجلة إلى داخل الأراضي الزراعية في قرية عين ديوار التابعة لمدينة المالكية/ ديريك، أقصى شمال شرقي سوريا، فغمرتها، وهو ما منع المدنيين من زراعة أراضيهم واستثمار مياه النهر في الريّ.

كما قصفت المدفعية التركية في يوم 19 مارس (آذار) من عام 2019، محطة علوك للمياه التي تغذي محافظة الحسكة بالمياه، واستهدفت ورشات الإصلاح التي حاولت العمل على إعادة إدخال المحطة للخدمة، رغم وجود دورياتٍ للشرطة الروسية في تلك المنطقة.

وفي الوقت الحالي أوشكت أنقرة على إنهاء تنفيذ مشروع جنوب شرقي الأناضول الذي يتكوّن من 22 سداً ضخماً، منها سدود أتاتورك وكيبان وقارقيا وبراجيل وقوم قايام، مستخدمة مساحات جغرافية زراعية تقدر بأكثر من 1.7 مليون هتكار، وبقدرة تخزينيّة تبلغ أكثر من 110 مليارات متر مكعب، أي ثلاثة أضعاف القدرة التخزينيّة لسدود سوريا والعراق.

ومن خلال هذا المشروع، الذي يمتد في الحدود الإدارية لـ8 محافظات في تركيا معظم سكانها من الأكراد، من المرجح أن تتمكن تركيا من الحصول على أكثر من 80 في المائة من مياه نهر الفرات، علاوة على تدميرها لمدن وأماكن أثرية كردية، وتهجير مئات آلاف المدنيين من تلك المناطق.

ورغم أن قطع المياه يهدّد حياة ملايين السكان في سوريا والعراق، ويسبب خللاً في النظام البيئي للدولتين، إلا أنّ هذه الممارسات لم تلق أي ردود فعل دولية رسمية حتى الآن، ولم تتحرّك المنظمات المائية أو البيئية المعنية، لمنع تركيا من إكمال مشروع خطير قد يؤدي إلى كوارث إنسانية لا يمكن تفاديها في ظل جائحة كورونا.

تجدر الإشارة إلى أن تركيا لم تمنع تدفق مياه الفرات إلى سوريا أثناء سيطرة تنظيم داعش على سديّ تشرين والفرات قبل سنوات، واللذين استخدمهما التنظيم واستفاد منهما في تأمين الكهرباء لمناطق سيطرته.

وقد بدأت أنقرة عملية قطع المياه عن شمال شرقي سوريا مع بداية سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على محافظة الرقة وبعض أرياف دير الزور وحلب بدعمٍ من التحالف الدولي لمحاربة داعش.