انتخابات بالروح بالدم

يعيش السوريون أياما حاسمة تقرر مصير بلادهم ومستقبلهم، فبعد إغلاق باب الترشيحات لخوض الانتخابات الرئاسية السورية في 26 مايو (أيار) الحالي، والتي تقدم للمشاركة فيها 51 مرشحا، بينهم 7 نساء، أعلنت المحكمة الدستورية العليا أسماء المرشحين لخوض انتخابات الرئاسة السورية وهم: بشار حافظ الأسد، وعبد الله سلوم عبد الله، ومحمود أحمد مرعي. وقال رئيس المحكمة محمد جهاد اللحام إن المحكمة درست طلبات المتقدمين وقررت بعد فتح صندوق تأييدات الأعضاء قبول طلبات الأسد، وعبد الله، ومرعي. ولكن اللحام أكد  أن القرار يعد أوليا وغير نهائي، إذ يحق لمتقدمي طلبات الترشح الاعتراض على القرار، ليصدر فيما بعد بشكل مبرم.

وتشير التوقعات الأولية إلى أن الأسد سيكون الأوفر حظا بين المرشحين الثلاثة وخصوصا أن البعض يلمح إلى أنه يملك من السلطة ما يمكنه من تجييرها لصالحه، ومثال على ذلك العفو العام الذي أصدره قبل أيام عن جميع المجرمين من تجار مخدرات وقتلة ولصوص، وبالطبع من دون أن يشمل العفو أيا من المعتقلين السياسيين أو أصحاب الرأي.

صحيح أن سوريا محكومة من آل الأسد منذ استيلاء حافظ الأسد على السلطة وانقلابه على رفاقه بحزب البعث في العام 1970، وصحيح أن انتخابات حقيقية لم تجر في البلاد من يومها، وصحيح أن سوريا كانت أول جمهورية عربية تعتمد نظام التوريث، فبعد وفاة الأب، أي حافظ الأسد، انتقل الحكم «ديمقراطيا»إلى نجله بشار الأسد. وإذا تذكرنا أن الدستور يومها لم يكن يسمح بترشيح بشار بسبب عمره، إلا أن النظام أصر على احترام الدستور، فقام مجلس الشعب المنتخب بطريقة فلكلورية بتعديل الدستور ليتناسب مع سن ابن الراحل، ولتجري الطقوس الديمقراطية وتعديل الدستور يومها والانتقال السياسي بسلاسة وخلال دقائق قليلة.

واليوم وبعد 21 عاما على وراثة بشار الأسد لسوريا عن أبيه، يحافظ الابن على النهج نفسه مع تعديلات طفيفية تعطي نكهة شبابية للطبخة الديمقراطية، فها هو يتنافس مع مرشحين آخرين على منصب رئاسة الجمهورية، بظل بلد وصلت نسبة الدمار فيه إلى أكثر من 80 في المائة، والفقر إلى أكثر من 89 في المائة،  وعدد من هجروا قسرا خارج البلاد وداخلها إلى أكثر من نصف عدد السكان، دون أن ننسى مئات آلاف القتلى وآلاف المعتقلين السياسيين الذي لم ولن يشملهم عفو رئاسي.

يستطيع بشار اعتبار هذه الأرقام جزءا من إنجازاته، وقد يكون من المفيد له أن يستخدمها في حملته الانتخابية، فمن غير بشار الأسد قادر على تحقيق هذه الأرقام وارتكاب كل هذه الجرائم والإفلات من العقاب في آن؟

ومَن غير بشار استطاع بمهاراته أن يستجلب بدل الاحتلال احتلالات، فبات كل جزء من سوريا تحت سيطرة جيش، وفي كل مؤسسة سلطة لدولة، وفي كل حي وقرية في سوريا ميليشيات. علينا أن لا نستخف بهذه «الإنجازات»، فالعالم يعجز عن ذكر رئيس في التاريخ استطاع أن يحقق كل هذا لبلده ولشعبه ويتمكن ليس من الإفلات من العقاب فحسب، بل أيضا الاستمرار في الحكم.

كان الكثيرون يتساءلون: لماذا أصلا تجري انتخابات في دولة مثل سوريا؟ ولكن يبدو أن هذا الفلكلور الانتخابي هو للإمعان في قهر السوريين، ليضاف إلى سجل الأسد بالإنجازات، ولترتفع عبارات «سوريا الأسد»في كل مكان، ولتصدق دعاية حافظ الأسد «بالروح بالدم»، فها هم السوريون دفعوا أرواحهم ودماءهم ليطالب الآخرون بضرورة بقاء الأسد جاسماً على صدورهم.