في معرض هو الأول لـ«النادي الجزائري»... الجزائر تحتفي بالخط العربي

على مدار أسبوعين كاملين، تزينت جدران قصر الثقافة بأعالي هضبة العناصر في العاصمة الجزائر، بأجمل اللوحات الإبداعية التي خطها أشهر الخطاطين الجزائريين، بمختلف أنواع الخطوط ومدارسه، من النسخ والفارسي والثلث والديواني، وصولاً إلى الخط المغربي، وهو مجموعة الخطوط العربية المترابطة التي تطورت في بلاد المغرب (شمال أفريقيا)، والأندلس (شبه الجزيرة الإيبيربية)، وغرب بلاد السودان (منطقة الساحل)، وينحدر من الخط الكوفي، ويكتب بقلم سميك، ليبدو الخط في غاية الاتزان، ويستعمل في أعمال النساخة والتدوين والزخرفة وكتابة المصاحف.

المعرض من تنظيم النادي الجزائري للخط العربي، وتحت إشراف وزارة الثقافة، وكشف رئيس النادي محمد بن فانيف أن المعرض بدأ في استقبال ضيوفه بداية من19 أبريل (نيسان) الماضي، وجاء احتفاء بشهر رمضان المبارك، وأضاف لـ«المجلة» قائلاً: «لأول مرة بادر النادي بإقامة معرض للخط العربي شارك فيه نخبة من فنانين محترفين ومبتدئين مثلوا عشرين محافظة، تنوّعت أعمالهم بين الخط والزخرفة والمنمنمات». وهذا على هامش الطبعة الثانية من المسابقة الوطنية للخط العربي والزخرفة التي جاءت تحت شعار مسابقة رمضان، والتي عرفت مشاركة 43 مشاركا من22 محافظة، إضافة الى مشاركتين خارجيتين لجزائريين مقيمين بالخارج في كل من إسطنبول ونيويورك.

عرفت المناسبة مشاركة أبرز الخطاطين الجزائريين على المستوى العالمي كالخطاط المحترف صفار باتي، وهو ثالث نساخ في العالم، إلى جانب الخطّاط الشاب عبد الرحيم مولاي، بالاضافة الى كوكبة من خدام الحرف العربي، في حين عرفت الطبعة الأولى من المسابقة التي نظمت العام الماضي مشاركة32 فنانا مثلوا20 محافظة، أثبتوا طاقاتهم الإبداعية التي سمحت لعدة أسماء بالعودة إلى الساحة بعد وتيرة الركود التي عرفتها الظروف الصحية من جهة، والمعوقات التي يواجهها الفنانون من ناحية التسويق والدعم والتشجيع من جهة أخرى.

النادي الجزائري للخط العربي حديث النشأة، تمّ تأسيسه منذ عام ونصف العام، واستطاع أن يشارك في عدة فعاليات محلية ودولية، وتمكّن مؤخرا خلال مشاركته في مسابقة جزائرية إحراز الجوائز الأولى، وهو بصدد مباشرة الإعلان عن نتائج المسابقة الثانية التي كانت من خلال هذا المعرض، الذي أتاح الفرصة لبروز عدة أسماء حاورت ضجة أدواتها صمت اللوحات، وجعلت أروع صور فنية تشكيلية سجل فيها الخط العربي بصمته بامتياز، إلى جانب اصطفاف لوحات جميلة بتصاميم ونقوش لزخارف ومنمنمات فاقت الروعة.

وفي حديثه لـ«المجلة» يكشف الخطاط عبد الرحيم مولاي أن «المعرض حمل عنوان خط وعزم»، وبرأيه فإن هذا «المعرض هو احتفاء بهذا الفن الذي لا يقدم إلا ما هو إيجابي»، فالخط العربي في تقديره «هو اتصال مباشر وثيق بين القرآن والخط، كون الخط العربي هو الفن الوحيد الذي يجسد كلام الله».

وأضاف: «هذه أول تظاهرة للنادي، وهي تظاهرة مهمة جمعت أكثر من خمسين فناناً بمائة لوحة، فمن خطاط ومزخرف وخطاطة وخطاط مع فن المنمنمات شكلت لوحاتهم فسيفساء مبهرة تحمل أنواعاً شتى من التراث والفنون الإسلامية التي تبث وتقدم كرسالة كل ما هو مفيد ونص إيجابي يعود على روح الإنسان وعلى عقله وقلبه، ليكون إنساناً إيجابيا في المجتمع ووثيق الصلة بالقرآن في شهر القرآن».

وعن واقع الخط العربي في الجزائر يقول مولاي «الخط العربي في الجزائر من الفنون المغيبة، لكن خلال السنوات الأخيرة بدأ يبرز بعض الاهتمام من طرف الخاص والعام في إحياء هذا الفن بشتى أنواعه»، ويضيف: «نجد أن أسماء مهمة في الجزائر حصلت على مراتب عالمية في هذا الخط، لذلك برزت الحاجة لأن تجتمع في هيئة تجمعهم ليزيدوا من إبداعهم، وفي انتشار هذا الفن وإحيائه»، لذلك يقول إن من بين أهداف المعرض والنادي «الاقتراب من الشريحة العامة للمجتمع الجزائري»، وأوضح ذلك بقوله «نجد أن معظم الأسر الجزائرية لا تقتني لوحات خاصة بفن الخط العربي، بل يقتنون لوحات لفنون تشكيلة أخرى، ولبعض الفنون المعاصرة، أما فن الخط العربي فهم تعودوا على اللوحات الفنية المطبوعة، لكن اللوحة الأصلية التي تتعب عين الخطاط فيها، ويده، ووجدانه خلال أشهر، وربما سنوات، هذه اللوحة الأصلية الكلاسيكية التي كانت في زمن مضى صارت منعدمة تماماً، لذلك من بين أهدافنا الأساسية من معرضنا هذا، ومن تأسيس النادي، أن نحيي الخط العربي، وأن يكون في كل بيت لوحة أصلية مكتوبة بخط اليد، خاصة وأن الخط العربي هو الفن الوحيد الذي تميز عن باقي الفنون أن يكون متصلا بالنص الإيجابي، فكل الفنون فيها شيء إيجابي وسلبي، دراما، رسم، شعر، غناء، إلا فن الخط العربي، والذي لا تجد فيه إلا اللوحات التي تحوي قرآنا أو حديثاً أو حكمة تعود على السامع لهذا النص برد فعل إيجابي في المجتمع».

وتشتهر الجزائر بعدة خطاطين تجاوزت شهرتهم حدود بلدهم، أبرزهم الخطاط محمد سعيد شريفي وهو أحد الباحثين القلائل في العالمين العربي والإسلامي في شؤون الخطوط الإسلامية والكتابة العربية، وهو أوّل جزائري أستاذ برز في شؤونها، وقد كانت له اليد الطولى في نشر الخطوط الإسلامية في الجزائر، وتدريسها على أصولها الفنية في المعهد العالي للفنون الجميلة في الجزائر العاصمة.

تخرج من كلّية الفنون الجميلة بمصر عام 1963م، ونال شهادة دبلوم في الخط، وإجازه الخطاط المصري الكبير سيّد إبراهيم، بعد أن قدم له عملا فنيا كتبه بعدة خطوط. كما تعلم أيضا اللغة الإيطالية في هذه الكلية مع إتقانه للغة الفرنسية، وسافر إلى إيطاليا واطلع على فنونها وزار متاحفها ورأى تماثيلها ورسومها، وقدم دراسة عن الفن الإيطالي نال بها مجموع90 في المائة من الكلية. ثم عاد إلى الجزائر بعد تخرجه، واشتغل بتدريس الخطوط الإسلامية في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة، واشتغل أيضا خطاطا في المعهد التربوي لإعداد الكتب المدرسية.

يُعتبر محمد شريفي أول من كتب المصحف الشريف برواية ورش عن نافع بخط النسخ، لأن هذه القراءة المنتشرة في بلاد المغرب لم تكتب إلا بالخط المغربي. لذلك كان إخراج مثل هذا المصحف يتطلب جهودا كبيرة ومعرفة واسعة، كان محمد شريفي هو الأقدر على فعل ذلك، وقد كتب المصحف الشريف 5 مرات، وكتب العملة الجزائرية بصنفيها الماز والعُشار، كما كتب شهادات التخرّج الجامعية.

خلال مسيرته حاز عدة تكريمات، مُنح شهادة التقدير من رئيس جمهورية الجزائر في الذكرى الخامسة والعشرين لاستقلال الجزائر، سنة 1987م كما مُنح جائزة التقدير في مهرجان بغداد العالمي للخط العربي والزخرفة الإسلامية، في رمضان من عام 1408 الموافق لأبريل من سنة 1988م. ومُنح جائزة التقدير في مهرجان بغداد العالمي الثاني للخط العربي والزخرفة الإسلامية، في ذي القعدة من عام 1413 الموافق لأبريل من سنة 1993م، في بغداد. كما نال جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب سنة 2015م، في تخصص الخطوط الإسلامية، وهي جائزة سنوية تمنح بالتناوب دوريا كل سنتين، حيث تخصص عاما للعُمانيين وحدهم، وعاما آخر للعمانيين وغيرهم ممن لهم مساهمة كبيرة في مجال دراسات اللغة العربية وأدب الطفل والخِطوط الإسلامية.

ومن أشهر الخطاطين: الخطاط الجزائري محمد صفار باتي، الذي ولد عام 1971، الحاصل على شهادة ليسانس في علم النفس التربوي، أجيز من طرف الدكتور محمد بن سعيد شريفي، حاصل على شهادة الدكتوراه الفخرية من المركز الثقافي الدولي الألماني. يعمل خطاطا محترفا وأستاذا بمؤسسات خاصة بالجزائر العاصمة، ترأس الكثير من لجان التحكيم الجزائرية، وعمل عضوا بلجان التحكيم والفرز الدولية، وكرم عدة مرات في المحافل الدولية، وساهم في إنجاز خطوط جامع الجزائر الأعظم التي بلغ طولها6000 متر، وشارك في العديد من المعارض والفعاليات الدولية (طهران- دمشق- تونس- المغرب- الكويت- السعودية- الصين- تركيا- فرنسا- دبي- الشارقة- أبوظبي- قطر- لبنان). وفاز بالعديد من المراتب الأولى وجوائز التميز الدولية، وشارك في أكثر من 50 تظاهرة دولية.

ومن بين أبرز الخطوط المعروضة كان الخط المغربي المتميز عن الخطوط العربية المشرقية، وهذا الخط حسب دراسة سابقة للباحث محمد الصادق عبد اللطيف «يحمل في ثناياه نفحة أولية من تلك الحضارات الأولى التي تشكلت في المشرق، وتطورت إلى أن استقل عن النفوذ المشرقي وصاغ لنفسه شخصية وميزة عامة لها خصوصياتها وذاتها وقواعدها»، ويتابع: «لا مرية أن الحضارة المغربية الأندلسية طبعته بما لها من مميزات، كالفسيفساء التي دخلته فتداخلت الحروف في فن رائع، تزيد في روعته صعوبة قراءته، وكأنه يحتوي على أسرار يتدلل في الكشف عنها، إذ يبدي زينته للقارئ ويخفي عنه مفاتنه، ومفاتيح فك رموزه».

وحسب الباحث فقد «قبل المغاربة الخط العربي، وهجروا كتابتهم القديمة، وقد أنشأوا خطاً ذا خصائص مغربية لا يزال يحافظ على ثلث حروف الخط اليابس (الكوفي)، والخط المغربي يمتاز بعراقته الواسعة ورسو سطره، فكان نوعًا فريدًا من الخطوط العربية، وقد تطور بمعزل عن الخط المشرقي وخالفه في ترتيب الحروف الأبجدية: أنواعه قليلة، تطوره بطيء، جنى عليه ارتباطه بالكوفي وخلوه من القواعد والموازين، أو ضياعها فبقي خط تدوين، قاصراً في مجال اللوحات واللافتات إلا النادر، وقد أثر في ترقيته تعاقب الدويلات في المغرب وقصر أعمارها حتى لقد استعصى على الناشئة قراءته، وابتعد عنه الخطاطون المعاصرون وتقاعسوا عن إحيائه وتطويره، ولا يزال يظهر في بعض المجالات، خصوصًا في المغرب وموريتانيا، أما في أواسط أفريقيا فلا يزال هو السائد خصوصًا في المصحف الشريف».

والخط المغربي التقليدي؛ حسب الباحث «واضح كل الوضوح ولا يخلو من جمالية بعيدة عن كل تصنع، إن أهل فاس مثلاً أخفوا بالنسيج وفوقه الجبس الكتابة المزخرفة التي تزين قوس محراب جامع الأندلس المجاور له، عندما دان المغرب إلى المرابطين الذين تشددوا في أمور الدين فمنعوا كل زخرف ونقش، الشيء الذي فعله أهل الأندلس بمساجدهم للحفاظ على زخارفها في نفس العهد، ولم يحد المتوحدون عن هذه السياسة، وذلك جلي في المساجد التي بنوها، إذ لم تكشف المساجد الأولى عن فسيفسائها إلا بعد اندحار المرابطين والموحدين».