محامي الأهالي لـ«المجلة»: تهجير سكان حي الشيخ جراح الفلسطيني جريمة حرب

من داخل حي الشيخ جراح في القدس الشرقية

تل أبيب:  في ذروة عملية "حارس الأسوار" الإسرائيلية على غزة، وعلى الرغم من التوقعات بأن يشمل أي اتفاق تهدئة بين إسرائيل وحماس، ملف حي «الشيخ جرّاح»، يواصل سكان الحي معركتهم القضائية في جمع المزيد من الإثباتات والأدلة التي تعزز حقهم في الملكية.

وكشفت بعض الوثائق التي حصل عليها أهالي الحي من الأردن وتركيا، تدعي تزويرها لدى ترجمتها إلى العبرية، والتي قدمت إلى المحكمة العليا من قبل الجمعيات الإسرائيلية التي تدعي ملكيتها.
ولا يسقط الأهالي، عبر محاميهم، إمكانية نقل الملف إلى المحكمة الدولية في حال قدم المستشار القضائي للحكومة، خلال الأسبوع المقبل، تفسيره القانوني للخطوات التي قامت بها المؤسسة الإسرائيلية لشرعنة حق المستوطنين في البقاء في بيوتهم والحصول على المزيد من البيوت التي يتواجد فيها الفلسطينيون حتى الآن، على أن تعقد المحكمة العليا جلستها في غضون ثلاثة أسابيع للبت في الموضوع.
ومن جانبهم يرى الإسرائيليون أن الحي كان يسكنه اليهود قبل العام 48، ويؤكد المستوطنون أن اليهود اضطروا إلى إخلاء الحي بعد تصعيد التوتر الأمني والمواجهات بين اليهود والفلسطينيين، ثم بقيت الأراضي فارغة حتى العام 1956، حيث تم تسليمها للفلسطينيين.

يركزون في دفاعهم على وجود مغارة «شمعون الصديق» التاريخية في حي الشيخ جرّاح التي يزورها اليهود بشكل يومي.
وهي نفس المنطقة التي يسميها الفلسطينيون حي الشيخ جراح، على اسم الأمير حسام الدين بن شريف الدين عيسى الجراحي، طبيب صلاح الدين الأيوبي، حيث يقع مقامه.
وتوضح مؤرخة فلسطينية أن مقام «شمعون الصديق» هو في الأصل- وفقا لخريطة عثمانية- مقام إسلامي يعرف باسم «الولي»، يرقد فيه منذ نحو 400 سنة سعد الدين حجازي.

 

وثيقة من وزارة الخارجية وشؤون المغتربين في الأردن تؤكد أن في أرشيف الحكومة الأردنية وثائق تثبت أن الأردن كانت تنوي نقل ملكية المباني في حي الشيخ الجراح إلى العائلات في الحي، وبسبب أحداث حرب حزيران 67 لم تتم عملية التفويض وتسجيل الملكية

 

 القرار الإسرائيلي مخالف للقانون الدولي

وفي حديث مع «المجلة»، يقول المحامي حسني أبو حسين، الذي يرافع عن عدد من أصحاب بيوت الشيخ جراح: "أعتبر أي تفسير سيقدمه المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، لن يمنح الشرعية للمستوطنين في السيطرة على البيوت وطرد سكانها الأصليين، كذلك الأمر بالنسبة للمحكمة الإسرائيلية العليا".

وأكد المحامي أبو حسين أنه «بموجب وثيقة روما، لا يجوز لإسرائيل نقل سكان يرزحون من بيوتهم قسرا، حيث تعتبر الوثيقة ذلك جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية».
وأضاف: "انطلاقا مما تتضمنه الاتفاقيات الدولية، وفي حال لم يتم التوصل إلى اتفاق أو صدور أي قرار يشرعن مطالب المستوطنين ويؤدي إلى تهجير خمسمائة فلسطيني من الشيخ جراح، سيتم تحويل الملف إلى المحكمة الدولية، من قبل العائلات أنفسهم».

وتأتي هذه الخطوة إلى جانب تعليمات أصدرها الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، لنقل ملف حي الشيخ جرّاح إلى المحكمة الدولية استنادا إلى ميثاق روما وكون القرار الإسرائيلي مخالف للقانون الدولي.

وبمثل هذه الحالة سيضاف ملف الشيخ جراح إلى الملفات المقدمة ضد إسرائيل في المحكمة الدولية ويُتهم بها مسؤولون عسكريون وسياسيون بارتكاب جرائم حرب في الأراضي الفلسطينية، وهو ملف من شأنه أن يوصل العديد إلى المحكمة الدولية.
وفي سياق نقل الملف إلى الحلبة الدولية، حصل أهالي حي الشيخ جراح على دعم أوروبي عبر عدد من القناصل الذين عززوا موقف الاتحاد الأوروبي، باعتبار أن إخلاء السكان هو مخالفة للقانون الدولي.

وعبر أصحاب البيوت عن تفاؤلهم من أن يعزز هذا الموقف الدولي، والأوروبي خصوصا، حق الفلسطينيين في البقاء والسكن في بيوتهم ومنع تهجيرهم.
وفي جانب آخر من الأدلة المستحدثة في هذا الملف، والتي تشكل دليلا إضافيا لحق الفلسطينيين في البقاء في بيوتهم، حصل المحامون، مؤخرا، على وثائق من الأردن والأنروا، تؤكد تسجيل الملكية لـ28 عائلة فلسطينية وحقهم في البقاء والسكن فيها.

وجاء في هذه الوثيقة، التي وقعت عليها وزارة الخارجية وشؤون المغتربين في الأردن، وسلمتها إلى الأهالي، أن الوثائق المتوفرة في أرشيف الحكومة الأردنية تثبت أن وزارة الإنشاء والتعمير الأردنية قد عقدت اتفاقية مع الأنروا عام 54 بهدف توفير حياة كريمة للسكان من خلال إنشاء 28 وحدة سكنية في حي الشيخ جراح في قطع الأراضي المعروفة بالقسائم 54 و66 من حوض 14 والقسيمة 2 من حوض 26 والقسيمة 6 من حوض 27 من أراضي القدس.

كما تؤكد الوثيقة على توقيع اتفاقيات فردية مع أصحاب العائلات لإقامة مساكنهم في القطع المذكورة أعلاه. وبموجب هذه الاتفاقيات تعهدت وزارة الإنشاء والتعمير بتقويض وتسجيل ملكية الوحدات السكنية بأسماء أرباب العائلات، ورصدت المبالغ المطلوبة لتنفيذ البند رقم 11 من الاتفاقيات التي عقدت مع العائلات.

وينص هذا البند على أنه «بعد أن يكون المستأجر قد قام بتنفيذ جميع شروط هذا الاتفاق وساعد في بناء مجتمع الوحدة تقوّض ملكية المؤجر إلى المستأجر مجانا».

وهذه الوثيقة التي ستعرض أمام المحكمة الإسرائيلية العليا، والمستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، من شأنها أن تساهم في إعادة النظر بأي قرار يتخذ من شأنه تهجير الفلسطينيين عن الحي.
ومع تدخل الأردن والأنروا، مجددا، في الموضوع مقابل خرق القانون الدولي، يتوقع أهالي الحي أن تتراجع المؤسسة الإسرائيلية عن دعمها للمستوطنين، ليس فقط خشية تحويل الملف إلى المحكمة الدولية كتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بل أيضا خشية إسرائيل من أن يسبب هذه الملف، الذي أشعل الأوضاع الأمنية، إلى تدهور إضافي في العلاقة بين إسرائيل والأردن.

 

وئيقة تكشف أسماء أرباب العائلات التي كان من المفترض أن تسجل الأردن الوحدات السكنية بأسمائهم 

خلافات في الصيغة القانونية 

لكن من غير المستبعد أن يأتي المستوطنون بتوصية لمستشارين قانونيين دوليين تعطي وجهة نظر أخرى حول ملكية الأرض قبل أن تحولها الأردن للفلسطينيين. حيث يدعي الإسرائيليون أنه كان يسكنها اليهود قبل العام 48، وعرفت بجالية يهودية صغيرة. ويؤكد المستوطنون، وفق ادعاءاتهم في المحكمة، أن هذه الجالية اليهودية اضطرت إلى إخلاء الحي بعد تصعيد التوتر الأمني والمواجهات بين اليهود والفلسطينيين، ثم بقيت الأراضي فارغة حتى العام 1956، حيث تم تسليمها للفلسطينيين.
ويركزون في دفاعهم على وجود مغارة «شمعون الصديق» في حي الشيخ جرّاح التي يزورها اليهود بشكل مستمر. إضافة إلى القانون الإسرائيلي الذي يتيح إمكانية استعادة الأرض لليهود التي كانوا يسكنون قيها قبل العام 48.
خبير القانون الدولي، إيال بنفنستي، الذي شغل مناصب في جامعات دولية في مجاله، كتب وجهة نظر قانونية يناقش فيها التعامل بين أصحاب الأرض الأصليين، ومن وجهة نظره فاليهود هم الأحق كونهم تواجدوا فيها قبل العام 48، وأصحاب الأرض أو البيوت الحاليين، ومن وجهة نظره هم الفلسطينيون الذين يعتبرون تحت الاحتلال، وكيفية التعامل معهم بمثل هذه الوضعية من الناحية القانونية الدولية. 
ويشرح وجهة نظره قائلا: «ذريعة الإخلاء في دعوى أصحاب الملك، جمعيات يمينية اشترت حقوق الملكية لتلك البيوت من أصحابها الأصليين، لجنة طائفة السفارديم ولجنة كنيست إسرائيل، الذين اشتروا الأرض قبل العام 1948. الحكومة الأردنية التي بقوة القانون الأردني فيما يتعلق بأملاك «العدو» أصبحت هي صاحبة الأرض، أعطت حق استئجار الأرض لرؤساء هذه العائلات من أجل أن ينهوا وضع اللجوء وأن يقيموا بيوتهم عليها. العائلات التي فقدت في الحرب أملاكها في إسرائيل تنازلت عن مكانة اللاجئ وبنت على الأرض بيوتها وهي تعيش فيها حتى الآن».
وبحسب بنفنستي فقد انتقلت السيطرة على الأرض إلى القيم العام الإسرائيلي، بقوة القانون الذي تم سنه بعد توحيد المدينة والذي بدوره أعاد الملكية إلى أصحابها الأصليين. ومنذ ذلك الحين يحاول أصحاب الملك (في البداية اللجان وبعد ذلك الجمعيات اليمينية) التوجه إلى العائلات. 

ويلفت بنفنستي إلى أن المداولات التي جرت في المحاكم الإسرائيلية ركزت على مسائل في نطاق القانون الخاص، مسائل ملكية وإيجار محمي، لكن زاوية النظر القانونية الضيقة هذه لا تسمح بفحص جميع الحقوق التي توجد في هذه القضية الطويلة، لأن النزاع حول امتلاك بيوت الشيخ جراح ليس فقط نزاعا خاصًا على حقوق الملكية. 

ويقول: «بالنسبة لجمعيات اليمين يدور الحديث عن مهمة وطنية تتعلق بإنقاذ الأرض، والقضاء الخاص هو فقط وسيلة لتحقيق هذه المهمة الوطنية– السياسية السامية. بالنسبة للعائلات الحديث يدور عن بيت عائلة بني وتمت العناية به طوال سنوات، ولدوا وولدوا فيه، شكلوا حياتهم وحياة مجتمعهم. بالإضافة إلى الجانب الخاص بالملكية والجانب السياسي الواسع، هناك جانب حقوق الإنسان الذي يقع في مركز الخلاف القانوني. الحق في حياة عائلية ومجتمع. وهو حق شخصي ودستوري، الذي ينبع مصدره من فكرة كرامة الإنسان وحريته، وحق الملكية المعترف به في القانون الأساسي: كرامة الإنسان وحريته. الحق الدستوري للملكية يعتبر أحد الحقوق الأساسية التي يعدها القانون الأساسي، ليس فقط بسبب أهمية حماية الملكية الخاصة، بل أيضا، ربما هناك مجال للقول، فقط، بسبب وجود الحالات التي يجب فيها حماية الملكية من قبل الهيئة التشريعية».

ويرى بنفنستي أن القلق من هذا التدخل في حقوق الملكية يشبه القلق من التدخل في الدستور. ويؤكد أن القانون الدولي والقانون الدستوري يعترفان بحقوق الساكنين الذين اشتروا حيازة الأرض بحسن نية وحسب القانون المعمول به في الدولة في زمن الشراء، وأقاموا عليها بيوتهم وسكنوا فيها لأجيال، في مواصلة السكن في بيوتهم. هذا الحق يمكن أن يتفوق على حق صاحب الأرض الأصلي الذي يطالب بإعادتها (خلافا للمطالبة بتعويضات عن خسارة العقار). طبقا لذلك، فإن المحاكم في عدد من الدول الأوروبية ومحكمة حقوق الإنسان الأوروبية اعترفت بحقيقة الحياة الأساسية والبسيطة، التي تقول إن الناس يجب أن يديروا حياتهم استنادا إلى حسن النية على القانون الساري في الدولة. هذا المبدأ حظي باعتراف حتى في حالات صعبة التي تم فيها طرد المالكين الأصليين من بيوتهم وأصبحوا لاجئين، وعائلات الشيخ جراح اشترت حقوقها في بيوتها بحسن نية، حسب القانون الساري في الدولة، ومقابل التنازل عن مكانتهم كلاجئين. وقد أقاموا هناك مساكنهم وحياتهم الاجتماعية طوال أجيال. ومطالبهم بحق الإيجار من الدولة فقدت بموجب القانون الإسرائيلي الذي لم يكونوا شركاء في سنه والذي لم يأخذ في الحسبان العواقب الوخيمة عليهم. في المقابل، لم يكن للمالكين الحاليين للأرض الفارغة أي صلة بالعقار باستثناء المقابل الذي دفعوه مقابل الشراء».

بهذا التنافس بين الحقوق، يتساءل بنفنستي: لمن الأفضلية؟ 

ويرد مؤكدا: «لم يتم تسليط الضوء في المحكمة الإسرائيلية على الجانب الدستوري من المسألة، جانب حقوق الإنسان، الموجودة ضمن القانون الأساسي الإسرائيلي، ونجحت جمعيات اليمين في إطار المداولات الذي اختارته من إجراء نقاش فقط على ذريعة الملكية الضيقة. والسؤال الدستوري الأعمق والأوسع يقف على باب المحكمة العليا، التي ستبحث القضية أواسط الشهر المقبل»، وفق بنفنستي.