عدنان يوسف لـ«المجلة»: موجودات المصارف العربية 3.9 تريليون دولار نهاية 2020

رئيس جمعية المصارف البحرينية: على دول الخليج تنويع فرص الاستثمار كما تفعل السعودية اليوم

بيروت: تعتبر أزمة جائحة كورونا من أسوأ الأزمات التي شهدها عصرنا الحديث، فمنذ الإعلان عن اكتشافهذه الجائحة في نهاية العام 2019 في مدينة ووهان الصينية، تأثرت المؤسسات المالية وقطاع المصارف في أنحاء العالم كبقية القطاعات الاقتصادية العالمية، كذلك تأثرت المعاملات والتبادلات التجارية بين دول العالم والتي يتم تسويتها عن طريق المؤسسات المصرفية والبنكية وكانت النتيجة تعطل العديد من الأنشطة التجارية حول العالم مما أدى إلى حالة تباطؤ شديد في كافة الأنشطة الاقتصادية قادت إلى انكماش اقتصادي غير متوقع في كافة القطاعات انعكس كما ذكرنا على القطاع المصرفي حول العالم سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

وفي خضم هذه الأزمة واجهت المصارف العربية تحديا جديا يتمثل في كيفية مواجهة هذه الأزمة والخروج منها بالشكل الذي يضمن استمرارية نموها والتواصل مع عملائها لتلبية حاجاتهم للسيولة النقدية في ظل توقف تدفق الودائع بسبب توقف النشاطات الاقتصادية في معظم بلدان تواجدها، هذا من جانب. ومن جانب آخر عدم قدرة العديد من العملاء سواء أفراد أو قطاعات إنتاجية على الوفاء بالتزاماتهم تجاة البنك، والتحدي الآخر هو التحول إلى التعامل الرقمي سواء في الخدمات المقدمة من المصرف أو في نظام المدفوعات لديها، في الوقت الذي لا يوجد فيه تعامل مباشر مع الأفراد خلال هذه الأزمة.

«المجلة»حاورت رئيس مجلس إدارة جمعية المصارف البحرينية الدكتورعدنان يوسف، حول كل الأجواء المصرفية وما هو واقعها بعد مرور أكثر من سنة ونصف السنة على جائحة كورونا، وهل التدابير الاحترازية التي اتخذت كانت كافية للحد من الأضرار؟

- ذكرنا في مرات عديدة أن البنوك العربية حالها حال كافة البنوك في العالم، لا بد من أن تتأثر بجائحة كورونا نظرا للتأثير الواسع النطاق لهذه الجائحة على العملاء والمودعين والاقتصاد والأنشطة الاقتصادية. وسوف يؤدي ذلك إلى تراجع الإيرادات وارتفاع المخصصات وارتفاع النفقات التشغيلية الناجمة عن الإجراءات الاحترازية وغيرها. ولذلك، فقد بادرت جميع البنوك المركزية إلى اتخاذ إجراءات لدعم البنوك مثل توفير نوافذ السيولة وخفض نسبة الاحتياطيات وتأجيل رصد المخصصات بموجب المعايير المحاسبية الدولية وغيرها. لذلك لم نشهد ولله الحمد أي حالة إفلاس بين البنوك المحلية أو العربية.

وفيما يخص البنوك العربية، فإن بيانات اتحاد المصارف العربية تظهر أن إجمالي موجوداتها بلغ 3.9 تريليون دولار بنهاية الربع الثالث من 2020، في حين بلغ إجمالي الودائع 2.4 تريليون دولار، فيما وصلت القروض إلى 2.3 تريليون دولار. ونتوقع أن يصل إجمالي الموجودات في البنوك العربية إلى 4 تريليونات دولار بنهاية 2020. وتمثل موجودات المصارف العربية نحو 145 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد العربي، مما يعكس مدى أهمية البنوك في برامج التنمية.

أما فيما يخص البنوك الخليجية، فقد أعلنت هذه البنوك وعددها 62 بنكاً مدرجا في البورصات الخليجية عن رصدها مخصصات خسائر القروض بقيمة 3.20 مليار دولار في العام 2020 بزيادة ملحوظة عن العام 2019. ومع ذلك فقد نمت أنشطة الإقراض إذ بلغ إجمالي القروض (باستثناء البنوك الكويتية) 1.4 تريليون دولار بنمو ربع سنوي بلغت نسبته 1.1.في المائة.

ووصلت الأصول المدرة للدخل إلى مستوى قياسي بلغ 2.1 تريليون دولار بنمو ربع سنوي بنسبة 1.6 في المائة. وقد أدى ذلك إلى تعزيز إجمالي قيمة أصول قطاع البنوك في المنطقة إلى مستوى قياسي جديد وصل إلى 2.6 تريليون دولار.

أما فيما يخص بنوك التجزئة المدرجة في بورصة البحرين فقد تراجعت أرباحها بنسبة 22.5 في المائة لتصل إلى 293.1 مليون دينار، خلال فترة السنة المنتهية في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2020، مقارنةً بـ 378.1 مليون دينار خلال الفترة ذاتها من العام 2019.

ونحن نتوقع أن تتحسن أوضاع البنوك المحلية والعربية تدريجيا خلال هذا العام والعام المقبل مع زيادة جهود التطعيم وبدء فتح الأنشطة الاقتصادية في المنطقة وحول العالم.

 

عدم انتشار الصيرفة الإسلامية

 

*كونكم من أبرز القيادات التي عملت في المصارف الإسلامية، ما هي الأسباب التي تحد من انتشار هذه المصارف أوروبيا؟

-سطع نجم البنوك الإسلامية بشكل خاص بعد الأزمة العالمية 2008، فقد دفعت هذه الأزمة الأنظار بقوة إلى البنوك الإسلامية وأدوات الصناعة المالية الإسلامية الناشئة التي لم تطلها شظايا هذه الأزمة المتفاقمة لسبب جوهري رئيسي يتعلق بتباين القواعد والأسس التي ترتكز عليها هذه التجربة الإسلامية المتنامية بشكل لافت مع قواعد ومبادئ الاقتصاد الرأسمالي التقليدي الذي يحكم نشاطات كل المؤسسات والبنوك العالمية دون استثناء.

المشاركة في الربح والخسارة أو بالتعبير الشرعي الغنم بالغرم: إنه مجرد مبدأ اقتصادي بسيط ولكنه على غاية كبيرة من المنطقية والإقناع والوجاهة، في مقابل نظام الفائدة الذي كرس الجشع والأنانية والبحث عن الربح السريع بأي ثمن كان، ولو على حساب انهيار النظام المالي العالمي برمته! وجاءت جائحة كورونا لتؤكد مجددا على مبادئ الصيرفة الإسلامية التي تولي رعاية خاصة للاستثمار في الاقتصاد الحقيقي وإعمار الأرض.

مع ذلك، يمكن النظر إلى تجربة المصرفية الإسلامية بأوروبا بأنها لا تزال في بدايتها، حيث لا تزال حصتها لم تتجاوز 2 في المائة من أصول البنوك الإسلامية في العالم، كما تواجه جملة من التحديات، رغم الازدهار الكبير الذي تمر به الصيرفة الإسلامية هناك.

ومن بين هذه التحديات التكَيُّف مع البيئة الأوروبية بتعقيداتها القانونية والثقافية واللغوية والعرقية، كذلك التشريعات التي تحكم إصدار المنتجات وإدارة المخاطر والحوكمة وغيرها.

كذلك ضعف حملات التوعية لمبادئ الصيرفة الإسلامية وندرة علماء الشريعة المؤهلين لتقييم المنتجات الإسلامية قياسا بحجم النشاط الذي يمارس.

كذلك هناك تنافسية كبيرة مع المصارف التقليدية على صعيدين اثنين: صعيد التنافس بين المنتجات المالية الإسلامية التي تقدمها بعض المصارف والمؤسسات التقليدية سواء عبر نوافذ إسلامية أو خدمات جزئية وصعيد التنافسية مع خدمات المصارف التقليدية التي لها خبرة ميدانية طويلة وإلمام بالواقع الذي تنشط فيه على عكس المصرفية الإسلامية التي تعد وافدة جديدة إلى الساحة وغير ملمة بكل تحدياتها وتضاريسها.

كما أن ازدياد أعداد المؤسسات المالية الإسلامية في أوروبا والنمو في حجمها يعني الحاجة إلى المزيد من العناصر البشرية المدربة التي تحتاجها هذه المؤسسات. ونظراً للنقص في المؤسسات الأكاديمية التي تخرج العناصر المؤهلة فإن المؤسسات المالية الإسلامية تحتاج إلى الاستعانة بدرجة أكبر ببرامج التدريب المكثف التي تصقل قدرات العاملين.

 

الصندوق الاستثماري

 

*تستعدون لإطلاق صندوق استثماري منتصف هذا العام نحو منطقتي الشرق الاقصى والشرق الأوسط من هي الدول المستهدفة وما هي القطاعات المحددة من هذا الصندوق؟

- نحن في مؤسسة «لمرير الاستشارية»نمتلك علاقات وشراكات محلية وثيقة وقوية مع المستثمرين والجهات المشرفة على الاستثمار والمؤسسات المالية والاستثمارية والمسؤولين في أسواق المنطقة والشرق الأوسط. مثل هذه الشراكات، علاوة على خبرتنا المتراكمة بهذه الأسواق، تجعلنا نؤمن بأن هذه الأسواق تمتلك الكثير من المقومات للاستثمار، وهي زاخرة بالفرص الاستثمارية، خاصة أسواق مثل مصر وتركيا والمغرب العربي، علاوة على الأسواق الناشئة في آسيا وأفريقيا.

لذلك، نحن نجري حاليا اتصالات مع المستثمرين المحتملين والراغبين في الاستثمار في هذه الأسواق لتأسيس صندوق أو عدد من الصناديق الموجهة لهذه الأسواق والتي تلائم احتياجات المستثمرين.

ولدينا تصور أن يتم إطلاق صندوقين الأول بقيمة 200 مليون دولار مخصص لمنطقة الشرق الأقصى، أما الصندوق الثاني فسيتم توجيهه لمنطقة الشرق الأوسط مع التركيز على كل من مصر وتركيا والجزائر، وستكون قيمته ما بين 200 إلى 300 مليون دولار.

وسوف يتم توجيه هذين الصندوقين للمستثمرين الأفراد والشركات، للدخول في فرص استثمارية هادفة، حيث سيوفر الصندوقان فرصا استثمارية ذات جدوى اقتصادية عالية وعوائد مالية جيدة في قطاعات، ظلت غير مستثمرة بشكل كافٍ مثل قطاعات التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والاقتصاد الأخضر والغذاء وغيرها من القطاعات الواعدة.

 

البيئة الاستثمارية في الخليج

 

* انتقدت قبل فترة البيئة الاستثمارية في منطقة الخليج العربي ما هو السبب الذي يدفعك لتوجيه هذا الانتقاد؟

- لم يكن هناك انتقاد من قبلي لبيئات الاستثمار الخليجية، وإنما أنا دائما من دعاة التطوير والتحسين لهذه البيئات بالنظر لتزايد التحديات والمنافسة العالمية من حولنا. بل العكس، نحن نرى أن دول الخليج ومع تدشينها الرؤى الاقتصادية الطويلة الأجل قامت بالكثير من الخطوات من أجل تحسين قوانين وتشريعات حمائية للمستثمرين، تمكنهم من العمل بارتياح دون أي خوف من تعرض استثماراتهم إلى منافسات غير عادلة. كما قامت دول المجلس بتوفير التسهيلات اللازمة لتشجيع الاستثمارات، وتقديم الإعفاءات الضريبية الداعمة والمشجعة للإنتاج، والكفيلة بتشجيع رؤوس الأموال المحلية والإقليمية على التوطين، والكفيلة أيضا بتدفق رؤوس الأموال والاستثمارات الخارجة.

إن رؤوس أموال إقليمية وعالمية كبيرة، تنظر إلى منطقة الخليج كمنطقة حيوية لمختلف الاستثمارات، وبطبيعة الحال لاحظنا تركز هذه الاستثمارات في المشاريع الحيوية كالطاقة والبترول والغاز والمعادن وغيرها. وهنا ندعو دول المجلس إلى السعي لتنويع هذه الاستثمارات من خلال تسويق قطاعات وصناعات جديدة كما تفعل المملكة العربية السعودية حاليا، حيث باتت توجه الاستثمارات نحو تعمير مناطق شاسعة إما لأغراض السياحة وإما الزراعة أو التصنيع، علاوة على خلق مدن خضراء وغيرها من المشاريع الضخمة. كذلك، فإن تسريع عجلة التكامل الاقتصادي وقيام مشاريع تكاملية ضخمة، من شأنهما تشجيع الاستثمارات أيضا.

 

التقارب العربي التركي

 

*كيف تنظرون إلى التقارب العربي التركي هل هو تقارب تكتيكي أم استراتيجي؟

-بغض النظر عن الجوانب السياسية للموضوع، فإن الدول العربية وتركيا تجمعها مصالح اقتصادية استراتيجية واسعة، تستحق بالفعل أن يعمل الجميع من أجل عودة العلاقات العربية التركية إلى وضعها الطبيعي بما يخدم مصالح كافة الأطراف.

وبالرغم من الجوانب السياسية، فقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين تركيا والدول العربية عموماً والخليجية بشكل خاص، تنامياً متزايداً خلال السنوات الماضية، في ظل ارتفاع مستوى التبادل التجاري بين الطرفين، وإقبال رجال الأعمال على الاستثمار في مختلف القطاعات التركية، لا سيما العقارات، بالإضافة إلى ارتفاع عدد الشركات التركية العاملة بالدول العربية. وقد بلغت صادرات تركيا إلى البلدان العربية 30.8 مليار دولار عام 2018، في حين بلغت وارداتها من هذه البلدان 47.3 مليار دولار في الفترة نفسها. وبلغ حجم الاستثمارات التركية في العالم العربي أكثر من ملياري دولار في حين بلغت قيمة الاستثمارات العربية بتركيا في الفترة نفسها 12 مليار دولار.

كما يتوجب أن يكون من بين أهداف هذا التعاون خلق تكتلات تجارية واستثمارية إسلامية كبيرة والعمل معاً على إنشاء نظام تجاري واستثماري قائم على المعاملات الحلال، وتحقيق التكامل بين الدول الإسلامية، والإسهام الفاعل في الاقتصاد العالمي.

 

حجم الاقتصاد المصري

 

*كيف تفسر تقدم مصر على بعض دول الخليج النفطية لناحية الناتج المحلي، حيث احتلت مصر المرتبة الثانية بعد المملكة العربية السعودية؟

 -نحن نرى أن هذه مسألة طبيعية، لأن قياس الناتج المحلي يرتبط بحجم الاقتصاد ككل. فالناتج المحلي يتم قياسه عن طريق إضافة نفقات المستهلكين والإنفاق الحكومي وإجمالي الاستثمار وصافي الصادرات. ونظرا لحجم الاقتصاد المصري وعدد السكان، فمن المتوقع أن يكون حجم الناتج المحلي كبيرا ويناهز حاليا 6 تريليونات جنيه أي تقريبا 370 مليار دولار.

وعند دراسة مكونات الناتج المحلي التي ذكرناها، يتضح لنا أن الثقة في استقرار الدخل تدفع المستهلكين إلى إنفاق المزيد من الأموال، ويقل الإنفاق عندما يكون هناك حالة من عدم اليقين بشأن المستقبل الاقتصادي، لذلك، تعد ثقة المستهلك مؤشرا قويا على النمو الاقتصادي. وبما أن الإنفاق الحكومي يغذي العديد من الأنشطة الاقتصادية الأخرى، وبالتالي يساهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية للدول، خاصةً عند تراجع الإنفاق الاستهلاكي وحركة الاستثمار، وهو ما يحدث في حالة الركود الاقتصادي. أما أهمية الاستثمار بالنسبة للاقتصاد، فتتمثل في قدرته على خلق المزيد من فرص العمل إلى جانب زيادة القدرة الإنتاجية للدولة. وأخيراً، يمكن اعتبار الميزان التجاري مقياساً لمدى الاكتفاء الذاتي لبلد ما، وبالتالي مؤشراً على قوة الاقتصاد.

وتعد هذه المؤشرات الاقتصادية الأربعة دليلا على قدرة الاقتصاد، وهي ما يقوم الناتج المحلي الإجمالي بتجميعها في رقم واحد يسهل مقارنته من سنة إلى أخرى ومن بلد لآخر. وتعد القيمة الرئيسية للناتج المحلي الإجمالي هي الطريقة المثلى لمقارنة اقتصادات الدول.