مواجهة العثمانية الجديدة «معرفياً»

الوعي بتاريخ الاحتلال العثماني يحرر الإرادة من الاستتباع الطوعي
وزارة التربية والتعليم في السعودية

جدة: لم يعرف السعوديون في مناهجهم الدراسية السيدة غالية البقمية، التي قادت من موطنها في مدينة تربة (مدينة على تخوم الحجاز في الطريق إلى نجد) حملات مقاومة شرسة ضد الجيوش العثمانية الغازية قبل 200 عام تقريباً، إلا منذ أقل من 5 سنوات. ولم يكن الكثير منهم يدرك أن سقوط الدرعية، عاصمة الدولة السعودية الأولى (1744-1818) كان- في الحقيقة- على يد السلطنة العثمانيّة على يد جيش محمد علي باشا، والي مصر، الذي أرسل ابنه إبراهيم على رأس جيش عرمرم لهدم الدرعية بدعوى أنها إمارة أصولية تتحدى سلطة الباب العالي وتقطع الحج وتحاول اكتساب الاستقلال عن دار الخلافة في الآستانة.

وتعد التوعية التاريخية إحدى أدوات صناعة الوعي الجمعي الوطني، الذي يؤدي إلى صياغة شخصية مستقلة، غير قابلة للاستتباع أو الاستلاب، تحت دعوى أن العرب أقل شأناً من قيادة أنفسهم وأن الخلافة العثمانية كانت توحد العالم العربي والإسلامي تحت راية قويّة. وإضافة إلى ذلك، لا يدركون أن صورة «الخائن»العربي (المنقلب على الخلافة إبان الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين (1916-1918)، هي التي تدرس في مناهج التاريخ التركية الحديثة؛ بعد إلغاء وتجريم الحروف العربية عام 1928 فيما يعرف بـ«الانقلاب اللغوي».

نستكشف آفاق الرحلة السعودية في تنقية الذاكرة التاريخية للشخصية السعودية خلال السنوات الخمس الأخيرة، فيما يخص تسليط الأضواء على نقاط بارزة في التاريخ السعودي الحديث وفك العلاقة الشائكة بين «الأممية الإسلامية»،و«الاستقلال الوطني»عند الحديث عن الإمبراطورية العثمانية، التي رسمت لها صورة ذهنية راسخة بأنها امتداد للخلافات الإسلامية منذ الأموية.

المدرسة التركية العالمية بتبوك

اختراق الوعي والتنبه المبكر

عند اتساع التعليم في المملكة مع زيادة استتباب الناس في المدن، ابتداءً بخمسينات القرن الماضي، كانت الحاجة إلى منظومة تعليمية متكاملة، ولم تكن الكوادر الوطنيّة كافية، فجرى استقدام العديد من الخبراء التربويين من الدولة العربية المجاورة. جزء من الخبراء كانوا من أصحاب أجندات الإسلام السياسي من الهاربين من بطش الناصريين والبعثيين.

جرى تصميم مناهج التاريخ المدرسي بأسلوب، يمتدح الدولة العثمانية (1299-1923)، وحقن الأذهان بأن انقطاع تلك الخلافة جلب الويل والثبور وعظائم الأمور على الأمة الإسلامية، والعرب منها. اتبعت استراتيجيتان لتلك المناهج:

  1. تسطيح الأحداث التاريخية

يقع ضمن ذلك أن حدثاً ضخماً مثل سقوط الدرعية، يجري المرور عليه مرور الكرام، ويعزى ببساطة إلى حاكم مصري (محمد علي باشا 1769-1849).

2- إخفاء ذكر الأبطال الوطنيين

كان هناك تغييب ذكر المواجهات العسكرية والمشاركين فيها ومحاولة الابتلاع العثمانية للأراضي العربية، عن المناهج، عوضاً عن تحويل المنخرطين في تلك المواجهات إلى أبطال وطنيين، كما تفعل جميع الأمم.

لقد أدت عقود طويلة من هذه الأدلجة الخفية للأمية الإسلامية وضرورة تحقيق الخلافة أو استعادتها، إلى الخلط بين ما هو وطني وقومي وديني لصالح بكائيات على أيام المجد الضائع، حين كان علم الخلافة يرفرف على أثينا وصوفيا ومكة المكرمة وبغداد ودمشق وتونس. وقد كانت تبرز أصوات هنا وهناك من أجل تحقيق اختراق على هذا المستوى.

يذكر المجتمع التعليمي السعودي، كيف شهد النصف الثاني من التسعينات الميلادية إدخال مادة «التربية الوطنية»إلى المناهج المدرسية في عهد الملك الراحل فهد بن عبد العزيز (1921-2005). لم تتغير مناهج التاريخ، لكن أضيفت التربية الوطنية، وبدا كأنه تنبه مبكرا إلى ضرورة تظهير العامل الوطني لبناء شخصية وطنية واضحة في إطارها العربي والإسلامي، يحميها من الاستتباع ويعزز الشخصية الوطنية المستقلة. كانت المملكة تمر أيامها بموجة من الإرهاب الأصولي، تمثل في تفجيرات الرياض عام 1995 وتفجيرات أبراج الخبر عام 1996. ولذا، لا يمكن عزو إدخال التربية الوطنية إلى مواجهة العثمانية الجديدة، بل كان مواجهة لموجة من الأممية الأصولية الإرهابية بقيادة تنظيم القاعدة الإرهابي.

 

ألفية العثمانية الجديدة

افتتح العقد الأول من الألفية على الغزو الأميركي للعراق، وحدوث نوع من التوتر الطائفي في المنطقة. وظهر أن المنطقة مقبلة على انقسام عمودي وآخر أفقي، وأن شد العصب الطائفي هو الحل. وفي تلك الأثناء، كان رواد العثمانية الجديدة من حزب العدالة والتنمية، يحاولون جاهدين لتغيير بوصلة البلاد التركية من الغرب الأوروبي إلى الشرق نحو بلاد كانت مستعمرات تركية قديماً من خلال الثقافة (المسلسلات المدبلجة) والسياحة. العرب بطبيعتهم منفتحون على الثقافات الأجنبية، لكن المعاملة التفضيلية للدراما التركية على الشاشات السعودية والخليجية والعربية، أبهرت الجمهور العربي. كان من المفروض منح تلك المسلسلات حصة معقولة مثل أي دراما هندية أو كورية أو أوروبية.  

وبعد اندلاع ما يعرف بـ«الربيع العربي»، ظهر تحالف العثمانية الجديدة مع تنظيم الإخوان المسلمين الإرهابي سياسياً، إلى جانب التحالف العسكري مع تنظيم القاعدة الإرهابي (جبهة النصرة في إدلب) وتنظيم داعش الإرهابي (الذي دخل عناصره بعشرات الألوف إلى العراق وسوريا ومصر وليبيا بتسهيلات تركية). وبدا للمراقبين أن المنطقة ذاهبة نحو الخضوع للباب العالي مع صعود حكومات إخوانية إلى سدة الحكم. كل ذلك كان يتم عبر هدم الروح الوطنية والعربية، وإحياء الزمن العثماني؛ بوصفه الأكثر ملاءمة للعرب.

جرى تصميم مناهج التاريخ المدرسي بأسلوب، يمتدح الدولة العثمانية

 

وضع الأمور في نصابها

حملت السنوات الخمس الأخيرة، تغييراً جدياً في وضع الأمور نحو نصابها. فقد شهدت مناهج التاريخ السعودية إعادة التوازن إليها وتكريس الشخصية الوطنية، فسميت الاعتداءات العثمانية غزواً واحتلالاً، وجرى استذكار رموز مقاومة الاحتلال العثماني من السعوديين الأوائل مثل غالية البقمية، وطامي بن شعيب، وبخروش بن علاس.

لقد تغيرت لهجة الإعلام السعودي منذ عام 2017، وبخاصة مع التدخلات التركية كلاعب إقليمي إبان الأزمة الخليجية، وتلاها الموقف الهجومي مع محاولات إحراج القيادة السعودية والتصويب عليها بعد مقتل المواطن السعودي جمال خاشقجي أواخر 2018.

جرى تقليص ساعات بث الدراما التركية على الشاشات السعودية، وظهرت دعوات شعبية لاستبدال الوجهة السياحية التركية بأخرى تشمل البوسنه وجورجيا وألبانيا وغيرهما. كما ظهر وعي شعبي سعودي بالتحول عن البضائع التركية نحو مصادر أخرى حول العالم، وصولاً إلى انخفاض الصادرات التركية إلى أكثر من 98 في المائة العام الماضي.

وإضافة إلى ذلك، جرى وضع مصادر تأثير العثمانية الجديدة الناعمة مثل المؤسسات التعليمية وغيرها تحت عين المجهر. وفي الآونة الأخيرة، بدأ الانتقاد الواضح، يطال العثمنة تجاه المنطقة العربية، وبخاصة الاحتلال العسكري، كما هو موجود في مناطق شمال العراق وإدلب ومناطق غصن الزيتون. كما وجدت القيادة المصرية دعماً سعودياً خالصاً في مواجهة الهجمات الإعلامية التركية واستضافة وتمويل التنظيمات الإخوانية والأصولية الإرهابية.

 

آفاق الوعي الوطني

إن تصحيح المناهج السعودية والخطوات السياسية والاقتصادية الأخرى، بداية معقولة نحو التعامل مع العثمانية الجديدة. لكن هناك إجراءات أخرى مثل الدراما التاريخية، التي تتحدث عن التاريخ السعودي في مواجهة العثمانية الغازية، وهي نادرة أو غير موجودة حتى. ليس هناك أي مسلسل يتحدث عن سقوط الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى. ظهرت مسلسلات عربية على الفضائيات السعودية، تصور الحقبة العثمانية وتسلطها واحتلالها. لكنها لا تزال قليلة.

ومن المأمول أن يعرف السعوديون تاريخهم بأسلوب موضوعي شيق. فصناع الدراما التركية المروجة لسلاطين بني عثمان، حققت نجاحات كبيرة. ما المانع من الاحتفاء بالأبطال الوطنيين السعوديين؟ ولماذا لا يتم إنتاج مسلسل عن غالية البقيمة في ظل توافر القدرات الإنتاجية السعودية الهائلة؟