لماذا انخفضت نسبة المواليد في أميركا؟

الولايات المتحدة تفقد كل سنة حوالي 700 ألف مولود

واشنطن: في الأسبوع الماضي، أعلن مركز السيطرة على الأمراض (سي دي سي)، من رئاسته في أتلانتا (ولاية جورجيا)، أن عدد المواليد في أميركا انخفض بنسبة 4 في المائة في السنة الماضية. وأن هذا كان أكبر انخفاض سنوي منذ قرابة نصف قرن.

في بداية السنة الماضية، عندما اجتاح فيروس كورونا أميركا (والعالم)، وصدرت أوامر حكومية بالبقاء في المنازل، كان الاعتقاد أن بقاء الرجال والنساء في المنازل والشقق سيزيد الممارسات الجنسية، والحمل، والولادة. لكن، حسب تقرير «سي دي سي»، لم يحدث ذلك.  

وحتى قبل كورونا، كانت النساء الأميركيات ينجبن عددًا أقل من الأطفال. ومن أسباب ذلك: تأخر الزواج، وتأجيل الإنجاب، أو عدم الإنجاب. وكثرة استعمال حبوب منع الحمل وسط المتزوجين وغير المتزوجين.

حسب أرقام «سي دي سي»، في السنة الماضية، ولد 3.6 مليون طفل في أميركا، بانخفاض ما يقارب ربع مليون طفل عن السنة السابقة.

وهذه مقتطفات من آراء ثلاثة أميركيين حول هذا الموضوع. من تغريداتهم، ومن صفحاتهم في الإنترنت، ومن تصريحاتهم للصحافيين:

فيليب كوهين، أستاذ علم الاجتماع في جامعة ماريلاند.

فيليب ليفين، أستاذ الاقتصاد في كلية ولسلى (ولاية ماساتشوستس)

نيكى أخافيسى، محامية في دالاس (ولاية تكساس) ترفض الإنجاب.

 

فيليب كوهين: «ممارسات جنسية أقل»:

حسب آخر الأرقام، انخفض معدل المواليد إلى ما يعادل 1.73 ولادة لكل امرأة، وكان قد وصل إلى ذروته في سنة 1957، حيث بلغ 3.77 ولادة لكل امرأة. وفي سنة 1980، بدا الانخفاض الواضح. وخلال العشر سنوات التالية، زاد قليلا. ثم بعد ذلك، زاد الانخفاض، سنة بعد سنة.

أنا أرى هذه الأرقام الجديدة صدمة. لكنني لا أراها غريبة في اتجاه الانخفاض المستمر في معدلات المواليد منذ بداية القرن الحادي والعشرين. 

إذا كان هناك شيء جديد يذكر، فهو تغييرات في الأسباب، لا في الظاهرة نفسها:

أولا، زيادة انخفاض الأمن الاقتصادي بالنسبة للأفراد، وللعائلات، مع زيادة الإحساس بالقلق من الحاضر ومن المستقبل.

ثانيا، زيادة تكاليف الرعاية الصحية، مع زيادة المنافسات الرأسمالية وسط شركات التأمين، وشركات المستشفيات، وشركات الأدوية.

ثالثا، زيادة تكاليف رعاية الأطفال والتعليم، مع استمرار انخفاض دور الحكومة في توفير ذلك بالمقارنة مع حكومات الدول المتقدمة الأخرى.

رابعا، زيادة حيرة النساء بين العمل خارج المنزل والبقاء داخل المنزل، كأمهات، إذا لم يكن كزوجات...

هكذا، لا جديد، لكن، تفاقم في القديم.

ثم جاء فيروس كورونا، وعطل كثيرا من نشاطات الناس والمؤسسات. ومن بينها، تأجيل خطط الحمل والإنجاب، بسبب احتمالات زيادة صعوبة تربية الأطفال. زاد قلق الناس بسبب فقدان وظائفهم، وإغلاق مراكز رعاية الأطفال، وإغلاق المدارس. وزيادة العزلة الاجتماعية، فعليا ونفسيا.

وانعكس ذلك على التفاعلات الاجتماعية، والعائلية، والجنسية. قلت ممارسة الجنس، وقل الحمل، وقل إنجاب الأطفال...

أنا متأكد من وجود أسباب واعية، وغير واعية (في عقولنا الباطنية). لكننا، حتى اليوم، لم نستطع تحليلها كلها، أو حتى بعضها. 

 

فيليب ليفين: «كما في سنة 1918»:

تؤكد الإحصائيات أن ما يقرب من 40 ألف ولادة لم تحدث في الأسابيع الستة الأخيرة من سنة 2020، مما يعكس حالات الحمل والإنجاب التي لم تحدث في الشهور الأولى لفيروس كورونا. لهذا، أتوقع أن تشهد سنة 2021 مزيدا من تأثيرات كورونا.

في الحقيقة، في سنة 1918، خلال وباء الأنفلونزا الأسبانية (قتلت الملايين في أوروبا وأميركا)، حدثت انخفاضات مماثلة في الحمل والولادة.

لكن، أي انخفاض بسبب كورونا ليس هاما بالمقارنة مع الاتجاه العام لانخفاض الحمل والإنجاب في الولايات المتحدة... 

 في الحقيقة، انخفاض المواليد ببضع مئات من الآلاف في بلد سكانه 330 مليون شخص، ليس شيئا كبيرا، خاصة أنه ربما يحدث مرة واحدة ربما كل مائة سنة. 

لكن، الشيء الكبير، والذي يدعو إلى القلق، هو أن الولايات المتحدة تفقد الآن، كل سنة، حوالي 700,000 مولود. 

هذا الرقم هو عكس ما حدث قبل سبعين سنة، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما عاد ملايين الجنود الأميركيين، وأنجبوا ما سمي «بيبى بوم»(طفرة الأطفال). ونحن نعرف أن «طفرة الأطفال»أثرت كثيرا على الاقتصاد، وعلى الثقافة، وعلى السياسة، وعلى كل ما يمكنك التفكير فيه تقريبًا...

لهذا، فإن خسارة هذا العدد الكبير من الناس لا بد أن يؤثر كثيرا في الوقت الحاضر في مجالات الاقتصاد، والسياسة، والثقافة، وكل مجال آخر تقريبا. 

شيء آخر يدعو للتأمل، وربما القلق أيضا، وهو أن انخفاض العام الماضي في الإنجاب كان أكثر وسط المراهقين، ووسط النساء اللائي تتراوح أعمارهن بين 35 و45 سنة. في الماضي، كانت هاتان الفئتان أكثر إنجابا دون غيرهما من الفئات.

 

نيكي أخافيسي: «لا أريد أطفالا»:

 

قبل فيروس كورونا، خططت لإنجاب طفلي الأول عندما يبلغ عمري ثلاثين سنة. وافترضت أنني سأجد شريكًا في ذلك الوقت.

لكن، في «سنة كورونا»، راجعت خطتي هذه، وأجريت فيها بعض التغييرات، وذلك بسبب قلقي على صحتي الجسمية، وصحتى العقلية. وخوفي من كيفية التعامل مع اكتئاب ما بعد الإنجاب...

شاهدت أصدقاء، وصديقات، يفقدون وظائفهم، وزملاء، وزميلات في العمل، يكافحون لتحقيق توازن بين العمل وتربية الأطفال. وبدأت أتساءل: كيف سأعتني بطفل مع إجازة مدفوعة الأجر لمدة أربعة أسابيع فقط؟

لهذا، قبل شهرين، ذهبت إلى طبيبة نساء وولادة، وأجريت عملية خفيفة لإدخال لولب في الرحم لمنع الحمل...

الآن، الشيء الوحيد الذي أنا متأكدة منه هو أنني خططت لعدم إنجاب طفل في أي وقت قريب. وأعتقد أن هذا هو ما سيحدث.

عمري الآن في منتصف العشرينات، وأنا محامية جديدة، تخرجت من كلية للقانون قبل سنوات قليلة. ولا أعرف إذا كنت سأنجب طفلا، أو أطفالا، عندما يصل عمري إلى منتصف الثلاثينات...

في الحقيقة، كلما أفكر في هذا الموضوع، أقول لنفسي: «ربما لن أنجب أبدا».

كنت، من وقت لآخر، أسأل صديقاتي وزميلاتي: «قلن لي، بصراحة. ما هو شعوركن عندما تنجبن؟»،وكن دائما صريحات في الحديث عن أوقات الراحة، وأوقات التوتر.

لكن، في «سنة كورونا»، صارت الإجابات عاطفية جدا. وذلك عندما رأيتهن يتحسرن، ويدمعن، ويبكين، وهن يتحدثن عن صعوبة الاختيار بين العمل وتربية الطفل.