ألمانيا وإسرائيل... علاقات حميمة على ذاكرة أليمة

شراكات تجارية ووساطات ومنح مالية
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال مؤتمر صحافي مشترك في أحد فنادق القدس، يوم 4 أكتوبر 2018 (غيتي)

بون: أصبحت جمهورية ألمانيا الفيدرالية ما بعد 1945، التي نشأت من رماد ومذبحة الرايخ الثالث الذي ارتكب «الهولوكوست»من أشد المؤيدين للتسامح والعدالة ومناهضة حازمة لمعاداة السامية وكراهية الإسلام وأشكال أخرى من التعصب. في الوقت نفسه، لم تختف أشباح الماضي المخيف لألمانيا تمامًا، كما يتضح من عودة التطرف اليميني، وأنشطة النازيين الجدد، واستهداف اليهود في المدارس وأماكن أخرى.

أبلغت المستشارة ميركل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو يوم 17 مايو (أيار) 2021 بأنها تأمل في نهاية سريعة للمواجهات المسلحة بين إسرائيل وحماس والتي اندلعت منتصف شهر مايو الحالي 2021، وأدانت ميركل احتجاجات في ألمانيا شهدت انتشار «الكراهية ومعاداة السامية»، كما أدان ساسة في حزبها توجهات معادية للسامية في ألمانيا.وأدان وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر بشدة الاحتجاجات المناهضة لإسرائيل، وقال إن ألمانيا لن تتسامح مع حرق الأعلام الإسرائيلية أو الاعتداء على المؤسسات اليهودية على الأراضي الألمانية.

وأدان يسخاروف، السفير الإسرائيلي في برلين، يوم 17 مايو 2021 الهجمات المعادية للسامية على المعابد اليهودية في ألمانيا، بما في ذلك حرق الأعلام والاحتجاجات التي نُظمت خارج أماكن العبادة الدينية.وقال: «أن تكون هناك مظاهرة سلمية شيء، وأن يكون لديك مثل هذه الأعمال شيء آخر... المجتمع اليهودي في ألمانيا لا علاقة له بالأزمة الجارية في غزة، وهم يستحقون العيش مثل أي مجتمع آخر في ألمانيا، بسلام وأمن».وأضاف أن الناس «من جميع مناحي الحياة»في جميع أنحاء البلاد أعربوا عن دعمهم لليهود في ألمانيا، مستشهدا باجتماعات مع وزيرة العدل كريستينه لامبريشت ووزيرة الثقافة مونيكا غروترز، اللتين «أدانتا بشدة أي شكل من أشكال معاداة السامية ضد اليهود في ألمانيا».

 

وزيرة الدفاع الألمانية أنغريت كرامب كارينباور في استقبال رئيس إسرائيل رؤوفين ريفلين لدى وصوله يوم 28 يناير 2020 إلى برلين، ألمانيا (غيتي)

علاقات ما بعد الحرب العالمية الثانية

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، رفض القادة السياسيون الألمان بشكل لا لبس فيه الآيديولوجيا النازية المليئة بالكراهية والتي أدت إلى الإبادة الجماعية لملايين اليهود خلال الهولوكوست. وبدلاً من ذلك، وجهوا بلادهم نحو الديمقراطية والمصالحة، بما في ذلك دفع أكثر من 80 مليار دولار كتعويضات لليهود عن الجرائم التي لا يمكن تصورها والتي ارتكبتها ألمانيا النازية ضدهم.

بدأت المحادثات الرسمية الأولى بين جمهورية ألمانيا الاتحادية وإسرائيل منذ عام 1952، في البداية حول اتفاقية تعويضات،ثم كانت هناك اتصالات سرية لتسليم أسلحة ألمانية إلى إسرائيل.وكانت الإثارة كبيرةعندما أصبح هذا معروفًا في الشرق الأوسط في عام 1964.ومع ذلك فقد كان الدافع الأخير لإقامة علاقات دبلوماسية كاملة في عام 1965، وهي خطوة لم يجدها عدد قليل من الناس في الدولة الفتية صعبة، عندمااستقبلت أعمال الشغب وصول أول سفير ألماني.

كان اللقاء التاريخي يبدو من قبيل الصدفة، ما بين المستشار الألماني كونراد أديناور ورئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون كانا في سفر إلى الولايات المتحدة وقررا الالتقاء شخصيا في نيويورك في 14 مارس (آذار) 1960. وعقب مرور 15 عاما فقط على الهولوكوست (المحرقة النازية) حققا شيئا لا يمكن تخيله: ممثل لشعب الجناة على نفس الطاولة مع ممثل شعب الضحايا. كلا رجلي الدولة وضعا في ذلك اليوم حجر الأساس الذي يظهر إلى يومنا هذا في العلاقة الألمانية الإسرائيلية.وجود أكثر من عشرة آلاف إسرائيلي اليوم برلين وحدها؛ تبدو قصة نجاح غير مسبوقة، بسبب تبادل البرامج والتعاون العلمي الوثيق بين البلدين.

برزت ألمانيا أيضًا كصديق وحليف ثابت لدولة إسرائيل. على الرغم من أنه لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به لتعزيز التسامح، إلا أن هذه الحقائق المركزية يجب أن تكون في صميم أي تقييم للزيادة المقلقة في معاداة السامية على الأراضي الألمانية.

يقول السفير الإسرائيلي في برلين إن على ألمانيا حماية يهودها، وإنه لا ينبغي السماح للعنف الإسرائيلي الفلسطيني بالتأثير على الجالية اليهودية في ألمانيا.وأدانت المستشارة ميركل الهجمات والتجمعات المعادية للسامية في البلاد خلال اندلاع المواجهات العسكرية بين الفلسطينين- حماس وإسرائيل منتصف شهر مايو 2021.وفي أعقاب التصعيد، دعا مفوض معاداة السامية في الحكومة الألمانية، فيليكس كلاين، المنظمات الإسلامية إلى النأي بنفسها عن العنف ضد اليهود وأماكن عبادتهم. وطالب الجماعات بإصدار دعوة إلى اللاعنف والعمل على تهدئة التوتر في المجتمعات المسلمة في ألمانيا،وقال إنه وجد الأمر مروّعًا.. «من الواضح أن اليهود هنا في ألمانيا يتحملون المسؤولية عن سلوك الحكومة الإسرائيلية، التي هم ليسوا جزءًا منها بالكامل وإن مثل هذه النظرة هي معاداة سامية خالصة».

الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير (يمين) يرحب بالسفير الإسرائيلي في برلين جيريمي إيزاكاروف (يسار) خلال حفل استقبال بمناسبة رأس السنة الجديدة في برلين، ألمانيا، 14 يناير 2019 (غيتي)

ألمانيا خطوة استثنائية

اتخذت ألمانيا خطوة استثنائية في عام 2000، باعتمادها قانون الجنسية الجديد الذي يقوم بشكل أساسي على بنية الانتماء والهجرة بدلا من مبدأ الدم. وفي أعقاب هذه التغييرات وهاجس العنصرية بشأن الجرمانية، ظهرت برامج تعليمية للمجتمع المدني برعاية الدولة لمكافحة معاداة السامية. وتم تطوير هذه البرامج التعليمية جنبًا إلى جنب مع المناقشات الدولية حول الحرب على الإرهاب وما أصبح يسمى «معاداة السامية الموجهة لإسرائيل»في ألمانيا.

تبنى البرلمان الألماني في مايو من عام 2019، قرارًا بدعم من جميع الأحزاب السياسية الرئيسية في ألمانيا، حدد صراحة حركة المقاطعة على أنها معادية للسامية ودعا الهيئات الحكومية الألمانية إلى الامتناع عن تمويل أو دعم أي مجموعات تشكك في حق إسرائيل في الوجود.

يذكر أنه وصل حوالي 200000 يهودي في عقد التسعينات من القرن الماضي، وهو تدفق عزز الوجود اليهودي في أماكن تتضاءل فيها المجتمعات، مثل كولونيا ودريسدن والمدن الصغيرة في جميع أنحاء البلاد.

ووفقًا لدراسة حديثة أجراها معهد أبحاث السياسة اليهودية ونشرتها «التايمز الإسرائيلية»في 28 يناير (كانون الأول) 2021، يوجد في ألمانيا حوالي 118000 شخص فقط يعرّفون أنفسهم على أنهم يهود، 77 في المائة منهم ينتمون إلى مجتمع أو مجموعة يهودية. ومن بين حفنة من السكان اليهود في أوروبا قال المعهد إنهم كانوا في «دولة نهائية»لأن أكثر من 40 في المائة من الأقلية اليهودية في ألمانيا تبلغ أعمارهم 65 عامًا أو أكبر وأقل من 10 في المائة تبلغ أعمارهم 15 عامًا أو أقل.

 

حل الدولتين كهدف

يعمل وزير خارجية ألمانيا هايكو ماس، كذلك، جاهدا من أجل تعزيز العلاقة بين برلين وتل أبيب؛ فبعد أن تولى منصبه، مع تشكيل الحكومة نهاية عام 2017 سافر إلى إسرائيل وحرص على تطوير العلاقات الألمانية الإسرائيلية. ولكنه يقف هو الآخر في السياسة الراهنة أمام قانون التوازن الذي مفاده «مستقبل سلمي لإسرائيل اليهودية والديمقراطية لا يمكن لنا تصوره سوى ضمن حل الدولتين».

تعد ألمانيا منذ مدة طويلة بعد الولايات المتحدة الأميركية ثاني أهم شريك تجاري لإسرائيل، وصدّرت غواصات إلى إسرائيل بشكل متكرر. وتوجد مشاريع بحوث مشتركة كثيرة، لكن العلاقة السياسية لا تخلو من توتر.ويقول وزير الخارجية الألماني هايكو ماس إن ألمانيا والاتحاد الأوروبي يسعيان إلى توضيح نوايا إسرائيل، لكنه أوضح نقطة تهتم بها أوروبا وهي أن الضم غير متوافق مع القانون الدولي. يقول منتقدو الخطة إن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط من جانب واحد من شأنه أن يدمر أي آمال عالقة في إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل.

تسليم أحد نعشين يحملان رفات مقاتلين من حزب الله خلال صفقة تبادل بين إسرائيل ولبنان بوساطة ألمانية. في 15 أكتوبر 2007 (المكتب الصحافي للحكومة الإسرائيلية- غيتي)

ألمانيا والدور الوسيط بين إسرائيل وحزب الله

شهدت عملية توسط ألمانيا خلال عام 2007 و2008 من أجل تبادل الأسرى بين إسرائيل وحزب الله على مدى 18 شهرًا من قبل عميل سري ألماني، اهتماما دوليا، وأظهرت لقطات تلفزيونية حزب الله يسلم الجنود الإسرائيليين في توابيت سوداء، وتم الإبلاغ عن تورط ألمانيا طوال الوقت في الشرق الأوسط.

ونقلاً عن وثيقة داخلية أعدها مكتب المستشارة أنجيلا ميركل، قالت إن «الوسيط»كان موظفًا في وكالة الاستخبارات الخارجية الألمانية (BND)، الذي خولته الأمم المتحدة لإدارة الاتصالات السرية على مدى 18 شهرًا، كان متنقلًا بين مقر الأمم المتحدة في نيويورك وتل أبيب وبيروت وعواصم أوروبية مختلفة.

وصفت برلين التبادل بأنه «نجاح كبير»، أربعة من الأسرى اللبنانيين الخمسة الذي تم تبادلهم مقابل الجنديين الإسرائيليين، وقالت وثيقة برلين إن الصفقة كانت ثمرة مفاوضات «صعبة للغاية». ووصفت الصفقة بأنها «نجاح كبير»للأمم المتحدة والحكومة الألمانية والوسيط الألماني نفسه.

 

العميل الألماني غيرهارد كونراد

تقارير إخبارية حددت اسم الوسيط أنه غيرهارد كونراد، ضابط دائرة الاستخبارات والأمن الداخلي(BND)الذي تم تكليفه بالتوسط في تبادل الأسرى السابق بين إسرائيل وحزب الله في عام 2004. ويحظى بالاحترام والثقة من كلا الجانبين ومن قبل الأمم المتحدة.

وكان العميل الألماني كونراد قد التقى في وقت سابق بمسؤولين لبنانيين ثم مسؤولين إسرائيليين على كل جانب من الحدود لإبلاغهم بحالة الجنود.

 

تواصل الوساطة الألمانية

تشير الوثيقة إلى أن التبادل التفاوضي ليس نهاية وساطة دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية، حيث إن ألمانيا وعدت إسرائيل بمواصلة المساعدة في اكتشاف ما حدث للأفراد الإسرائيليين المفقودين، كما تم توفيره بالفعل على مدار الأعوام الماضية.

ووفقا لصحيفة «فرانكفورتر ألجماينه تسايتونغ»، ترأس كونراد مكتب دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية في دمشق بين عامي 1998 و2002. وكان يتحدث اللغة العربية بطلاقة، وتم الاتصال به للتوسط بين إسرائيل والفلسطينيين.

تمتع وكيل الـ«BND»بأكثر من عقد من الخبرة في العمل في مفاوضات الشرق الأوسط وفي إعلاننتنياهو، عن صفقة للإفراج عن جلعاد شاليط، شكر رئيس الوزراء الإسرائيلي«الوسيط الألماني والمستشارة أنجيلا ميركل التي دعمت مهمته طوال الوقت».

وقد أدانت المستشارة أنجيلا ميركل، باستمرار، معاداة السامية والمشاعر المعادية لإسرائيل بعباراتواضحةخلال عام 2020، وأصدر البوندستاغ قرارًا أعلن فيه أن محاولات مقاطعة إسرائيل هي شكل من أشكال معاداة السامية. كما تعهدت ألمانيا في عام 2020 بحوالي 26 مليون دولار لتمويل الاحتياجات الأمنية للأقلية اليهودية، وهو مبلغ يزيد قليلاً على 19 مليون دولار خصصتها الحكومة البريطانية في العام نفسه لتأمين مجتمعها اليهودي المماثل. والحكومة الألمانية هي الأكثر سخاء إلى حد بعيد في توفير التمويل للاحتياجات اليومية في المجتمعات اليهودية: 15 مليون دولار سنويًا.

 

شعبية ميركل داخل إسرائيل

تحظى ميركل في الداخل الإسرائيلي بتقدير كبير على الرغم من الخلافات في الرأي حول المستوطنات. وكانت ميركل أول رئيسة حكومة أجنبية تتحدث في الكنيست باللغة الألمانية في عام 2008، وهي «لغة الجناة».

وزير الخارجية الألماني هايكو ماس يلقي كلمة في الذكرى السبعين لاستقلال إسرائيل، في 19 أبريل، 2018 في برلين، ألمانيا (غيتي)

 

حل الدولتين كهدف

على الرغم من التوترات السياسية، قبل جائحة فيروس كورونا، سجلت إسرائيل أعدادًا قياسية من السياح من ألمانيا.كما تطورت الرحلات المتبادلة بين صفوف المدرسة الثانوية إلى قصة نجاح.والآن، في الأزمة الجديدة يؤكد المزيد من السياسيين، بمن فيهم وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها؛حيث أعربت جميع المعسكرات السياسية الرئيسية في ألمانيا عن غضبها إزاء تدنيس العلم الإسرائيلي في ألمانيا.

وفي خطابها التاريخي أمام الكنيست في 2008 ظهرت المستشارة متأثرة عندما قالت هذه الكلمات: «بالتحديد في هذا الموقع أقول بكل وضوح إن كل حكومة ألمانية وكل مستشار قبلي كانوا ملتزمين بالمسؤولية التاريخية الخاصة لألمانيا بالنسبة إلى أمن إسرائيل. وهذه المسؤولية التاريخية لألمانيا هي جزء من سياسة الدولة التي تتبناها بلادي. وهذا يعني أن أمن إسرائيل بالنسبة لي كمستشارة ألمانية غير قابل أبدا للمساومة».

وتشدد المستشارة الألمانية باستمرار على حق وجود إسرائيل، وبالنظر إلى سياسة الاستيطان الإسرائيلية في المناطق الفلسطينية تؤكد دوما على حل الدولتين بين الإسرائيليين والفلسطينيين. وكل بناء مستوطنات إسرائيلية ترافقه تحذيرات من ألمانيا بعدم إثقال الوضع المتوتر في البلاد.

قصة نجاح

إن العلاقات بين ألمانيا وإسرائيل ذات نوعية خاصة، وستظل دوما مطبوعة بالهولوكوست أي عمليات القتل الجماعي التي نفذها النازيون بحق ستة ملايين يهودي. وبالرغم من ذلك تطورت العلاقة منذ عام 1965. وكان ديفيد بن غوريون هو من وقف وراء المصالحة المبكرة على وجه الخصوص. ورغم الهولوكوست فقد كان رئيس الوزراء الأول لإسرائيل يدافع عن النظرة إلى «ألمانيا الأخرى».

العلاقات الألمانية الإسرائيلية هي قصة نجاح مثيرة للإعجاب على خلفية المحرقة والديكتاتورية النازية. وتختلف ألمانيا وإسرائيل بشكل متزايد حول المواقف الأساسية للسياسة الخارجية والأمنية ومع ذلك، في الوقت نفسه، لا يزال هناك عدد كبير جدًا من العلاقات بين البلدين.