رفع تعليق سفر السعوديين كسر الجليد إلى وجهات قليلة

رغم المخاوف من إغلاق مفاجئ
مطار الملك خالد الدولي في الرياض (غيتي)

جدة: ما إن دقت ساعة منتصف ليل الأحد (صباح الاثنين 17 مايو/ أيار الجاري) حتى امتلأ جسر الملك فهد الرابط بين المملكتين السعودية والبحرينية عن بكرة أبيه من السعوديين الذين أمضوا أكثر من عام وربع العام تحت حظر السفر الناجم عن جائحة كورونا. وما لم يكن المسافر محصنًا بجرعتين ضد كوفيد-19 أو مصاباً سابقاً وتلقى جرعة واحدة من اللقاح، فإنه سيعود أدراجه من حيث أتى.

يعرف عن السعوديين عشقهم للسفر، وبخاصة أن جواز السفر السعودي، يتيح لحامله الدخول إلى نحو 80 دولة؛ دون الحصول على تأشيرة مسبقة، إلى جانب سهولة الحصول على التأشيرات من بقية الدول. كما يتمتع المسافر السعودي بإنفاق هائل، بلغ نحو 32.8 مليار دولار في الداخل والخارج، أكثر من نصفها (18.7 مليار دولار) على السياحة الخارجية عام 2019، وذلك بحسب إحصائية قدمها البنك المركزي السعودي.

لم يكن أمام السائح السعودي سوى السياحة الداخلية بعد فتح الاقتصاد في يونيو (حزيران) 2020 إلى أن جرى فتح السفر الدولي قبل أيام قلائل، والرغبة السعودية بتطبيع أحوال السفر وإعادتها إلى مستويات عام 2019، لكن الأمر لا يتعلق بالمملكة وحدها، فالجهات المستقبلة للمسافرين ليست كثيرة. كما أن الوجهات المفضلة للسعوديين ليست مفتوحة بعد.

نستكشف أحوال السفر الدولي من السعودية إلى الخارج وآفاقها، وكذلك أبرز الصعوبات التي تواجه عودة الحياة السياحية إلى طبيعتها.

بحرينيّون يرحبون بالمسافرين السعوديين بحمل العلمين السعودي والبحريني على جسر الملك فهد، في 17 مايو 2021 (غيتي)

وجهات محدودة وخطوط طيران أقل

وجهت جائحة كورونا ضربة قاسية لشركات الطيران السعودية، حيث أغلقت معظم شركات الطيران منخفض التكلفة أبوابها، باستثناءات بسيطة، فيما تكفي نظرة بسيطة عند المرور بالشوارع الرئيسية بالمملكة لمعرفة حجم مكاتب السفر التي أغلقها أصحابها، مؤقتاً أو دائماً.

ومع بداية الشهر الجاري، أعلنت شركة طيران واحدة منخفضة التكلفة عن إعادة تسيير رحلاتها الدولية إلى 12 وجهة لصيف 2021 في 9 دول، ضمت النمسا وأوكرانيا وعمان وأوزبكستان، وألبانيا، إلى جانب البوسنة والهرسك وأذربيجان وجورجيا ومصر. ويضاف إلى ذلك، الوجهات التي تذهب إليها الخطوط السعودية (حكومية)، وهي قليلة أيضاً.

بعض تلك الوجهات المسموح الذهاب إليها مثل جورجيا ومصر، لا تزالان تفرضان منعاً للتجول وقت المساء، مما يعني تقييداً لحرية الحركة والاستمتاع بكامل التجربة الترفيهية، فالسياح يحبون استكشاف حياة الليل مثل حياة النهار!

يقول حمود نايف، وهو مواطن سعودي في العقد الرابع من العمر، إنه اعتاد على ارتياد مصر منذ التسعينات بمعدل 4-6 مرات في العام الواحد. وحول ما إذا كان يرغب في الذهاب الآن، قال: «ماذا أفعل الآن إذا كان علي ارتداء الكمامة والبقاء في المنزل ليلاً بدل الاستمتاع بليل القاهرة ومطاعمها ومقاهيها وأماكن السهر فيها؟ أفضل الانتظار على الذهاب في أوضاع ليست طبيعية بالكامل. صبرت أكثر من عام وسأنتظر حتى تحقيق الحرية الكاملة للحركة».

وبالنسبة لوجهات أخرى، تشترط المملكة أو بعض الدول المستقبلة للسياح التحصين الكامل ضد كوفيد-19، أي الحصول على جرعتين أو تعافي الشخص من الإصابة مع حصوله على جرعة واحدة. من الجدير بالتنويه أن المملكة أرجأت إعطاء الجرعة الثانية في الآونة الأخيرة لصالح تلقيح أكبر عدد ممكن من المواطنين والمقيمين بالجرعة الأولى؛ بدل الاقتصار على تلقيح أعداد أقل من الناس بجرعتين.

 

بين البر والجو والبحر

فيما ازدحم جسر الملك فهد بالسياح السعوديين الذاهبين إلى البحرين، أبلغ مصدر متابع لهيئة الطيران المدني السعودي «المجلة»أن حركة السياحة الخارجية للسعوديين متوسطة، وليس هناك أي ضغط على شركات الطيران فيما يخص توفر مقاعد للمسافرين، موضحاً أنه ينبغي الانتظار لفترة أطول للحكم على مسار الأمور.

وأضاف أن حركة سياحة السعوديين إلى الخارج، ترتبط بالحالة العالمية لتطور الجائحة وتوحيد المعايير حول العالم. فعلى سبيل المثال، هناك دول استغنت عن الكمامة للأشخاص الملقحين، لكن المملكة لا تزال تفرضها. وهناك دول تشترط الفحص رغم الحصول على اللقاح وأخرى لا تشترط. المسألة برمتها تدور حول اتساع دائرة استخدام اللقاح وتخفيف الإجراءات الصحية لتسهيل تدفق السياح حول العالم.

في مرور سريع على مواقع حجز التذاكر والفنادق، يلاحظ أن الأسعار معقولة، وأنها- إلى حد كبير- أقل من نظيرتها قبل الجائحة. فمثلاً، يتراوح سعر التذكرة من جدة إلى تبليسي (عاصمة جورجيا) في الاتجاهين حالياً بين 460-690 دولاراً، علماً بأنها لامست حدود 800 دولار قبل الجائحة! ينبغي الأخذ في الاعتبار وجود مقاعد أقل على الطائرات في سبيل الحفاظ على التباعد الاجتماعي، مما يعني حصول شركات الطيران على أموال أقل للمقاعد التي تبيعها، آخذين في الاعتبار أن عدد الرحلات منخفض أصلاً، وهو ما يعني أن صناعة النقل الجوي، لا تزال تمر بأيام عصيبة.

يقول فهد، وهو شاب حديث الزواج في أواخر العشرينات من العمر: «بحثت منذ أيام عن رحلة إلى المالديف لشخصين بإقامة 5 أيام في فيلا بحرية من فئة 5 نجوم مع التذاكر بقيمة لا تتجاوز 2000 دولار على عدد من الخطوط الأجنبية. ليس ذلك متاحاً كل يوم، لكنني أخشى من إعادة إغلاق المجال الجوي مجدداً والدخول في دوامة البحث عن سبل العودة إلى المملكة».

لكن علي يقول إنه لا يخشى الذهاب وإنه يشعر وكأنه سجين كورونا، التي لم يصب بها، لكنه أخذ اللقاح، مؤكداً أنه يختنق عندما لا يزور مدناً جديدة ويتعامل بعملة جديدة ويقابل أشخاصاً لا يعرفهم.   

قد يبدو خيار الرحلات البحرية جذاباً في هذه الأوقات، لكن العالم لم يعد إلى طبيعته بعد، ولا تزال الرحلات البحرية المطروحة حالياً موجهة لأصحاب الدخول المرتفعة جداً.

تشترط المملكة أو بعض الدول المستقبلة للسياح التحصين الكامل ضد كوفيد-19، أي الحصول على جرعتين أو تعافي الشخص من الإصابة مع حصوله على جرعة واحدة

تطبيع السفر الخارجي

شكلت أزمة كورونا فرصة للسياحة الداخلية وإعادة اكتشاف البلاد. كما أطلقت الأجهزة الحكومية المشرفة على قطاع السياحة مبادرات وحملات مثل «الشتا حولك»في موسم الشتاء الماضي من أجل الترويج للوجهات الداخلية عبر توفير باقات متنوعة للإقامة والزيارة.

كما أعيد فتح المشاعر المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة قبل أشهر قلائل بحذر بالغ عبر تسخير التقنية مثل تطبيق «اعتمرنا»، الذي يحدد موعد أداء العمرة والصلاة والزيارة والطواف، بأسلوب يمنع الاكتظاظ ويحافظ على صحة جموع المؤمنين القادمين.

يبقى الوضع مرتبكاً فيما يخص الوجهات الخارجية، فحتى لو كان المسافرون السعوديون مستعدين باللقاحات وتأمين السفر وغيرها، ينبغي أن يكون هناك وجهات مستقبلة. فحتى الدول الحدودية ليست كلها مفتوحة للسفر، ولا تزال دبي، مثلا، الوجهة السعودية الإقليمية المفضلة للسعوديين، ليست مفتوحة حتى الآن، ناهيك بوجهات يقبل عليها السعوديون كثيراً مثل ماليزيا. كما أن هناك وجهات يمنع السفر إليها إلا بتصريح خاص مثل تركيا ولبنان وسوريا.

ويبدو أن دول الاتحاد الأوروبي، التي تعاني قطاعاتها السياحية، بدأت في أخذ خطوات لتسهيل دخول المحصنين باللقاحات (بجرعتين) إليها. بدأ ذلك بقبرص ولا يزال هناك أمل لدى عشاق السفر السعوديين بفتح الوجهات الأوروبية قبل انقضاء موسم الصيف.

إن عدم توصل العالم إلى حل معضلة اللقاحات مع استحداث بؤرات جديدة للفيروس، سيجعل مسألة السفر الخارجي للسعوديين، شائكة ودونها الكثير من التعقيدات، إلا أن ذلك لن يمنع أعداداً من المسافرين من التوجه إلى الوجهات المتاحة.

يقول حامد علي، الموظف بإحدى شركات السفر المحلية في جدة، غربي المملكة، بعض المسافرين الذين لديهم قدرات أعلى على التكيف مع متغيرات السفر الدولي أو ممن لديهم أقارب في دول أخرى، هم، بالذات، من نعول عليهم لإنعاش سوق السفر الخارجي. أما عودة الأمور إلى ما قبل عام 2020، فقد يستغرق أعواماً!