رفض العنصرية اللبنانية

أثارت تصريحات وزير الخارجية اللبناني في الحكومة المستقيلة شربل وهبة ضد المملكة العربية السعودية ودول الخليج قاطبة موجة غضب واستنكار في لبنان كما في الدول المستهدفة التي استدعت سفراء لبنان لديها وأبلغتهم رسائل شديدة اللهجة.

في مقابلة تلفزيونية له، اتهم وزير الصدفة، وهو سمي كذلك لأنه سمي بالصدفة لمنصبه بعد استقالة سلفه ناصيف حتى لتستقيل الحكومة مجتمعة بعد تسميته بأيام، اتهم دول الخليج بأنها وراء خلق داعش وتمويلها، مشيدا بحزب الله لأنه وفق قوله هو من حارب داعش.

وفي معرض رده على هجوم الضيف السعودي المحلل سلمان الأنصاري على رئيس الجمهورية ميشال عون، ما كان من وهبة إلا أن اعترض منسحبا ومتوجها بالكلام إلى الأنصاري بالقول: «أنا بلبنان ويهينني واحد من أهل البدو».

وبعد أن بدأت موجة الغضب من تصريحات الوزير، أصدرت الرئاسة اللبنانية بيانا جاء فيه: «ما صدر عن وزير الخارجية شربل وهبة إلى محطة (الحرة) من مواقف يعبر عن رأيه الشخصي ولا يعكس موقف الدولة والرئيس عون».

هل هناك رد أكثر تراجيدية من القول إن موقف وزير خارجية لا يعكس موقف الدولة، وإن وزير خارجية لا يعرف أن دول الخليج كانت من أوائل من شاركوا في التحالف الدولي لمحاربة داعش جسديا وماديا، ويتجاهل أن حزب الله الذي يدافع عنه هو من عقد اتفاقيات مع داعش على حساب أسرى الجيش اللبناني الذين قتلتهم داعش لاحقا، وأن حزب الله ومعه نظام الأسد هما من أمّنا خروجا آمناً لمقاتلي داعش من جرود عرسال فيما بات يعرف بباصات داعش المكيفة.

ولكن يبقى الأغرب من موقف وزير الصدفة المحسوب على التيار الوطني الحر وبالتالي على حزب الله المصنف إرهابيا في معظم دول العالم وليس الدول العربية فقط، أن مواقف كثيرين وليس جميع من استنكروا كلامه، كانت مبنية على جزئية أن كلامه يضر بمئات آلاف اللبنانيين الموجودين في دول الخليج والتي تعتبر تحويلاتهم المالية هي حبل الخلاص للكثير من العائلات في لبنان، وأن المملكة خاصة ودول الخليج عامة قدمت الكثير من المساعدات للبنان. وكأنه لو لم يكن هناك لبنانيون عاملون في الخليج يرسلون الأموال لكان من المسموح أخلاقيا ودبلوماسيا التوجه بكلام عنصري مقيت لشعوب أخرى، ولا أعرف من أخبر هؤلاء أساسا أن وصف «بدوي»هو شتيمة أو إهانة.

أمراض كثيرة تعصف بالمجتمع اللبناني، وليست محصورة بالطبقة السياسية، فلا الفساد محصور بطبقة معينة، ولا العنصرية حكر على شربل وهبة، فمن منا لا يذكر كلام جبران باسيل رئيس التيار الوطني الحر عندما كان وزيرا للخارجية في نيويورك عن المرأة وإيحاءاته الذكورية المقيتة؟ ومن لا يسمع يوميا لتصريحات مسؤولين لبنانيين تحرض على اللاجئ السوري والفلسطيني؟ واعتداءات على أطفال سوريين، وحتى مطالبة بعض مستنكري كلام وهبة من منع أطفال اللاجئين من اللعب بالأماكن العامة؟ من لم ير كيف رميت العاملات الأجنبيات في منتصف الطريق بسبب صعوبة تأمين رواتبهم بالدولار الأميركي بعد الأزمة، دون تأمين الحد الأدنى من احترام كرامتهن الإنسانية وحقوقهن كعاملات؟

لم تصدر حينها ردود فعل سياسية إلا من عدد محدود جدا من السياسيين وكثير من الناشطين، ولكن عند جزء لا بأس به فالعنصرية ضد الفقير الضعيف مبررة، ومستنكرة ضد الخليج لا بسبب بشاعة العنصرية بحد ذاتها، بل فقط لأن هناك من يرسل الأموال من هذه الدول.

يذكر أن سفير المملكة في لبنان وليد البخاري نفى بتصريح رسمي ما حكي عن سعي المملكة لترحيل اللبنانيين الموجودين على أراضيها، بينما كان البعض يهول أن دول الخليج ستطرد اللبنانيين العاملين على أراضيها بسبب موقف الوزير وما يمثله، واستخدم الأمر في البازار السياسي الداخلي.

على أمل أن نصل إلى زمن تصبح العنصرية مدانة بكل أشكالها ولا ترتبط فقط حسب من هو ضحية هذه العنصرية، وعلى أمل أيضا أن تتوقف الدعوات لطرد اللاجئين السوريين الذين فروا من حرب النظام عليهم، تلك الحرب التي شارك بها جزء من اللبنانيين وأيدها جزء آخر. وعلنا أيضا نتوقف عن سماع حملات تخوين كل من يتضامن مع السوري الفقير والفلسطيني الفقير ويتهم كل من يتضامن معهم بأن لبنان لا يعنيه، ويطالبهم بالرحيل معهم. في بلد يموت شبابه بانتظار دورهم للحصول على مساعدة غذائية، أو في انتظار لترات معدودة من البنزين. بالمختصر، على أمل أن يعود لبنان كما عرفناه يوما وسمعنا عنه، شريكا في وضع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، إلى حينه أنا بدوية وسورية وفلسطينية وإثيوبية، وكل إنسان مضطهد معرض للعنصرية.