في لبنان... أزمة الكهرباء قائمة ولا حلول

مخاوف من «العتمة» خلال الصيف

بيروت: لا تكاد تنفجر أزمة سياسية أو اجتماعية في لبنان، حتّى تظهر أزمة جديدة تُهدد اللبنانيين بالمزيد من المآسي، وآخر مسلسل الأزمات المتوقع حدوثها هي قضية انقطاع الكهرباء عن معظم الأراضي اللبنانية، حيث يترقب اللبنانيون ارتفاع ساعات انقطاع التيار الكهربائي لمستويات قياسية مع بداية موسم الصيف، في ظل عدم قدرة مؤسسة الكهرباء على تأمين العملات الصعبة لاستيراد النفط، خصوصاً بعد قرار المجلس الدستوري القاضي بـ«حفظ البتّ» بقرار مجلس النواب إعطاء سلفة خزينة بقيمة 200 مليون دولار لصالح مؤسسة كهرباء لبنان للاستمرار بشراء الفيول، وذلك بعد تقديم مراجعة للقانون من قبل حزب القوات اللبنانية.

في مارس (آذار) الماضي حذّر وزير الطاقة ريمون غجر من توقف إمدادات الكهرباء في حال عدم تأمين الاعتمادات المالية اللازمة لاستيراد الفيول، الأمر الذي دفع البرلمان اللبناني إلى إقرار قانون معجل يقضي بمنح مؤسسة كهرباء لبنان سلفة خزينة بقيمة 200 مليون دولار، وبمجرد أن أقرت السلفة حتى بدأت ساعات تغذية الكهرباء تتحسن بشكل تدريجي، إلا أن طعن «القوات اللبنانية» بالقانون دفع المجلس الدستوري إلى تعليقه الى حين الفصل فيه. ويأتي ذلك في ظل نفاذ المبلغ المتبقي من سلفة عام 2020، الذي لم يبق منه سوى 13 مليار ليرة، وهو المبلغ الذي لا يكفي لتمويل باخرة فيول واحدة، الأمر الذي يؤدي تدريجياً لتناقص ساعات التغذية وصولاً إلى العتمة الشاملة في حال عدم تدارك الأمر.

ووفقاً للمعلومات، فإن تراجع التغذية بالتيار الكهربائي سيصل الى أربع ساعات يومياً بعد أن كان نحو 13 ساعة، أما في العاصمة بيروت فسيتراجع من 21 ساعة بشكل تدريجي لحدود 12 ساعة كحد أقصى، على أن تتناقص هذه الساعات في حال اشتداد الأزمة وانسداد أي حلول. وتبلغ كلفة الكيلوواط ساعة 15 سنتاً، في حين أن المواطن يدفع لمؤسسة كهرباء لبنان سنتاً واحداً فقط، لذلك فإن الفارق تسدده الدولة، مع الإشارة إلى أن مجلس الوزراء اتخذ قراراً منذ عدة سنوات برفع التعرفة إلا أنه لم يطبق.

 

خلاف عوني- قواتي

وتسبب قرار المجلس الدستوري بسجال حاد بين التيار الوطني الحر الذي يتولى وزارة الطاقة منذ عام 2009 وحزب القوات اللبنانية الذي تقدم بالطعن، حيث رأي تكتل لبنان القوي (التكتل النيابي للتيار الوطني الحر) أن «قرار المجلس الدستوري بوقف العمل بقانون سلفة الكهرباء بناءً على الطعن الذي تقدّم به نوّاب الجمهورية القوية (التكتل النيابي لحزب القوات اللبنانية)، سيوقع لبنان في العتمة الشاملة من دون تقديم بديل لكيفية تمويل فيول الكهرباء فيما البديل الوحيد هو تحكّم أصحاب مولّدات الكهرباء بالناس من خلال كلفة المولّدات التي تزيد 30 في المائة عن كلفة مؤسسة كهرباء لبنان وهي مدفوعة بالدولار الأميركي من أموال المودعين».

نزيه نجم

الصدفة قد تنقذ لبنان من العتمة

يرى رئيس لجنة الأشغال النيابية نزيه نجم في حديث لـ«المجلة» أن «المجلس الدستوري لم يعد يستطيع اتخاذ قرار بوقف السلفة، إذ توفي العضو الثالث فيه، وبالتالي بات عدد الأعضاء الذين ما زالوا على قيد الحياة سبعة أعضاء، في حين أن النصاب القانوني لاجتماع المجلس هو 8 أعضاء، وهذا ما سيدفعه إلى إعادة سلفة الـ200 مليون دولار».

وأضاف نجم أن «هذه السلفة تكفي لتأمين التيار الكهربائي وفق التقنين الحالي لـ4 إلى 5 أشهر».

ويلفت نجم إلى أن «هناك مشروعا جديا لتشغيل معملي حريشي ودير عمار على الغاز مما يسمح بتوفير أموال طائلة تبلغ بين 150 إلى 200 مليون دولار في السنة»، مؤكداً أن هناك تعاونا مع وزير الطاقة». ويختم نجم أن «هذا المشروع من شأنه أن يخفض تكلفة الكيلوواط إلى 8 سنت تقريباً».

وعلى الرغم من ترجيح إعادة العمل بسلفة الـ200 مليون دولار إلا أن لبنان سيبقى على موعد مع أزمة انقطاع التيار الكهربائي، فهذه السلفة دورها الأساسي شراء الوقت وتأجيل الأزمة دون وضع حلول جدية لها. أضف إلى ذلك، أن ثمة العديد من علامات الاستفهام حول قدرة المولدات الكهربائية الخاصة في سد هذا العجز في ظل معاناتها أساساً من العديد من الأزمات التي تبدأ من ارتفاع سعر صرف الدولار ولا تنتهي مع قدراتها التقنية المحدودة.

عبدو سعادة

معاناة قطاع المولدات الكهربائية

أكد رئيس تجمّع أصحاب المولّدات في لبنان عبدو سعادة في حديث لـ«المجلة» أن «أصحاب المولدات لا يستطيعون تأمين التيار الكهربائي لمدة 24/24، إذ إن هناك استحالة في تحقيق ذلك سواء على الصعيد التقني أو المادي، فالمولدات لا يمكن تشغليها لفترات طويلة بشكل متواصل». وأضاف: «في الوقت الحالي، نقوم بتأمين الكهرباء بين 18 و20 ساعة يومياً، وهذا هو الحد الأقصى». وتابع: «في ظل هذا الوضع في البلاد، نُعاني من ارتفاع سعر صرف الدولار، إذ إن هناك الكثير من المصاريف مثل الفلاتر والزيوت وغيرها يتم تسعيرها بالدولار الأميركي، لذا فإن زيادة ساعات تشغيل المولدات ستؤدي إلى رفع هذه التكاليف».

ويؤكد سعادة أن «تسعيرة فاتورة المولدات التي تصدر عن وزارة الطاقة لا تلحظ هذه التكاليف المستجدة نتيجة تأمين التيار الكهربائي لفترات طويلة». ويلفت إلى أن «ارتفاع سعر صرف الدولار أدى إلى زيادة تكاليف هائلة علينا، فعلى سبيل المثال، كان إصلاح عطل معين يكلفنا حوالي ألفي دولار أي ما يوازي 3 ملايين ليرة لبنانية، في حين أن إصلاح العطل نفسه في الوقت الحالي يكلفنا ما يوازي 25 مليون ليرة لبنانية، نتيجة لهذا الارتفاع في سعر الصرف».

ويشير سعادة إلى أن «الفواتير التي نحصّلها بالليرة اللبنانية، وكان الرسم الثابت 15 ألف ليرة لبنانية أي ما يوازي 10 دولارات، وقد جرى رفعه إلى 20 ألف ليرة في حين أن الـ10 دولارات باتت توازي 120 ألف ليرة». ويخلص سعادة إلى أن «هذا القطاع بات يُعاني كثيراً ويفترض على المسؤولين التعاون معنا لوضع خطة تساعد على تخفيف هذه المشاكل».

 

انقطاع المازوت

مشكلة أخرى يُعاني منها هذا القطاع، بحسب سعادة، وهي انقطاع المازوت، إذ «لا نتمكن من الحصول علي هذه المادة إلا من السوق السوداء بأسعار مضاعفة. كما يُشير سعادة إلى أنه «في حال اتخاذ قرار برفع الدعم كلياً فإن ذلك سيؤدي إلى كارثة اجتماعية نتيجة الارتفاع الهائل الذي سيطرأ على الفاتورة». ويشرح سعادة أن «فاتورة المولدات الكهربائية تتأثر بثلاثة عوامل، سعر المازوت، وسعر صرف الدولار، وساعات التغذية الكهربائية، وهذه العوامل الثلاثة تتجه إلى الارتفاع».

وفي المحصلة، يبدو أن سياسة تأجيل الأزمات وشراء الوقت التي لطالما اعتمدها المسؤولون اللبنانيون لم تعد تجدي نفعاً، ففي ظل الانهيار الذي تعيشه البلاد على مختلف المستويات، بات اللبناني مهددا بالعتمة أو ارتفاع هائل في فواتير الكهرباء لا يتناسب مع حجم الدخل، مما سيؤدي إلى أزمة جديدة تُضاف إلى سابقاتها، وكل ذلك يحدث، فيما التراشق الإعلامي حول مسألة تأليف الحكومة ما زال سيد الموقف.