الصراع الفلسطيني الإسرائيلي... الاقتصاد ينزف ملايين الدولارات يوميًا

شلل كامل لقطاع السياحة وتضرر صناعة النفط
الدفاعات الإسرائيلية تتصدى لصواريخ حماس باتجاه إسرائيل في وقت مبكر من 16 مايو 2021 (أ.ف.ب)

القاهرة: تظهر التداعيات الاقتصادية للمعركة المحتدمة بين الجيش الإسرائيلي والحركات الفلسطينية، حاليًا، أهمية السلام وضرورة وقف التصعيد بين الجانبين الذي أضر بجميع المؤشرات الاقتصادية، وتسبب في خسائر تراكمية لإجمالي الناتج المحلي الإسرائيلي والفلسطيني، على حدٍ سواء.

وتؤكد لغة الأرقام أن الخسائر الاقتصادية كبيرة بين الطرفين، في وقت تجاهد فيه اقتصاديات العالم أجمع لتجاوز تداعيات جائحة كورونا التي هزت النمو الاقتصادي، وشلت قطاعات كاملة عن العمل، وفرضت ضخ أموال ضخمة في الرعاية الصحية وشراء اللقاحات.

في إسرائيل، تظهر الأوضاع في الشوارع أعباء المعركة بدخول المصانع التي تقف في نطاق الصواريخ الفلسطينية بصورة جزئية أو كلية منذ عشرة أيام، ما ينذر بنقص في السلع حال استمرار الأوضاع الأمنية على مدى زمني طويل، بجانب تضرر محال تجارية وسيارات وعقارات من شظايا الانفجارات التي تفشل القبة الصاروخية في التعاطي معها، وهي أرقام كبيرة لم تقدرها تل أبيب بعد لكنها تظهر بجلاء في قرار حكومتها تشكيل لجنة خبراء اقتصاديين لمتابعة وتقييم الخسائر الناجمة عن الصراع مع غزة حاليًا.

تسببت الصواريخ الفلسطينية في توقف حركة المطارات وإلغاء شركات الطيران رحلاتها، وباتت شواطئ مدينة تل أبيب خالية من المصطافين، ما يهدد قطاع السياحة الحيوي المتضرر أساسًا من جائحة كورونا التي كلفته خسائر بنحو 3.6 مليار دولار خلال التسعة أشهر الأولى من العام الماضي، ووفقا لبيانات وزارة السياحة الإسرائيلية.

شواطئ تل أبيب على البحر المتوسط خالية، 18 مايو 2021 (أ.ف.ب)

خسائر كبيرة

تعتبر السياحة محركا أساسيا للنمو الاقتصادي الإسرائيلي، فالمتوسط السنوي للسائحين الأجانب يدور في فلك 4.5 مليون سائح، بعائدات تقدر بنحو 6.65 مليار دولار، وتضررها يسبب مشكلات اجتماعية في ظل ضخامة عدد العاملين فيها بشكل مباشر في الفنادق والمنتجعات، أو بشكل غير مباشر كالمطاعم ومحال الهدايا، خاصة أن نوعية السياحة الوافدة لإسرائيل تتسم بإنفاق مرتفع، وتضم شريحة من رجال الأعمال يفدون إليها لأسباب دينية.

امتدت الخسائر إلى قطاع النفط في إسرائيل، بعد تعليق شركة شيفرون الأميركية العمل في حقل تمار للغاز الطبيعي في المتوسط الذي يبلغ حجم إنتاجه نحو 1200 مليون قدم مكعب/ يوميًا وتقدر احتياطاته من الغاز بنحو 275 مليار متر مكعب، بجانب تضرر خطوط أنابيب النفط بين عسقلان وإيلات، الذي تبلغ قدرته 1.2 مليون برميل/ يوميًا.

وتتضمن الخسائر الإسرائيلية أيضًا عبء العمليات العسكرية التي تقوم بها بغزة أو في تحاشي الهجمات المضادة منها، فوفقا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تم إطلاق 4 آلاف صاروخ من القطاع دون أن يوضح حجم ما تم التصدي له من قبل نظام القبة الحديدية، والتي تقول تقارير صحافية إسرائيلية أن نحو 10 في المائة منها استطاعت النفاذ من ذلك النظام الصاروخي وتسببت في تدمير نحو 200 منزل.

يمضي نحو 4 ملايين إسرائيلي عدة ساعات في الملاجئ حاليًا خوفًا من صواريخ غزة التي لا يتجاوز تكلفة الواحد منها ألفي دولار ويواجه في المقابل صاروخين من القبة الإسرائيلية بتكلفة 60 ألف دولار، بينما تبلغ تكلفة الغارة الجوية الواحدة لمقاتلات «إف 16» الإسرائيلية نحو 100 ألف دولار، مما يجعل التكاليف العسكرية وحدها تتراوح بين 500 و700 مليون دولار حتى الآن.

ويقول الدكتور بركات الفرا، سفير فلسطين السابق لدى مصر، إن إسرائيل حاليا تحاول شراء الوقت وإنهاء الحرب بما يحفظ ماء وجهها، فوقف إطلاق النار يصب في صالحها أكثر من الفلسطينيين في ظل حالة الرعب غير المسبوقة التي يعيشها مواطنوها منذ 10 أيام، وعجز القبة الصاروخية عن التصدي للصواريخ البدائية التي يتم إطلاقها.

ويؤكد الفرا لـ«المجلة» أن الخسائر الإسرائيلية الإجمالية على اقتصادها تصل إلى 200 مليون دولار يوميًا، ويضطر 3.5 مليون من سكان عاصمتها إلى الدخول في الملاجئ لعدة ساعات يوميًا، كما أن الصاروخ الفلسطيني الذي يخرج من غزة بتكلفة ألفي دولار يواجه صاروخين من القبة الحديدية تكلفة الواحد منهما 60 ألف دولار، وهي تكلفة كبيرة تتزايد مع طول أمد الأزمة.

لكن الفرا يقول إنه «رب ضارة نافعة»، فالأحداث الحالية قد تكون محركًا لحل الدولتين الذي تبنته الإدارة الأميركية، فالإسرائيليون باتوا مقتنعين تمامًا بأنه لا جدوى إطلاقًا من الاستمرار في فرض الأمر الواقع، وأن الحصول على السلام لن يتحقق إلا بحصول الفلسطينيين على حقوقهم، خاصة في ظل مخاوف تل أبيب من موقف «عرب 48» الذين يصل عددهم لنحو مليوني نسمة، ورغم حملهم الجنسية الإسرائيلية لكنهم تضامنوا مع إخوانهم في الضفة الغربية وغزة.

هجوم إسرائيلي على مدينة رفح (أ.ف.ب)

مطلب مُلِح

يؤكد تاريخ الصراع بين إسرائيل وغزة على ضرورة فرض السلام كحل للتعايش المشترك وتحقيق النمو الاقتصادي في الجانبين، فمعركة عام 2008، تسببت في توقف نمو قطاعات اقتصادية كاملة، وارتفعت حينها معدلات البطالة وتراجع مستوى دخل الفرد، وانخفضت مبيعات التجار بنحو 35 في المائة وهبطت أعداد السياحة حينها وإيرادات النقل العام بنسبة 43 في المائة لكل منهما، وبلغ خسائر قطاع الصناعة حينها 33 مليون دولار مع وجود ما يزيد على 1700 مصنع، يعمل فيها ما يقارب 39.500 عامل في مجال الصواريخ الفلسطينية.

على الجانب الآخر، يبدو الوضع الإنساني في غزة حاليًا شديد الصعوبة بعدما استهدفت الطائرات الإسرائيلية الأبراج السكنية، مما أدى لتدمير 500 وحدة سكنية بجانب مقرات بنوك ومجمعات اقتصادية ومرافق البنية التحتية وآخرها بنك الإنتاج الذي فقد عدة فروع حتى الآن.

تبدو الأزمة شديدة التعقيد في ظل عدم انتهاء الفلسطينيين أساسًا من إعادة إعمار ما دمرته معركتا 2008 و2014 حتى الآن، واللتان تسببتا معا في تدمير أكثر من 46 ألف مسكن كليًا، كان يعيش فيها 392 ألف فلسطيني بغزة يعادلون نحو 19.6 في المائة من إجمالي عدد سكان القطاع.

وبحسبة اقتصادية، يمكن معرفة الكثير عن المبالغ الضخمة التي ستحتاجها إعادة إعمار القطاع، فتكلفة إعادة بناء المنزل الواحد الذي يتم تدميره كليًا تصل إلى 400 ألف دولار، تنخفض إلى نحو ألفي دولار للمنازل التي تحتاج إلى ترميمات خفيفة ويبلغ عدد الأخيرة نحو 73 ألف عقار.

ودق برنامج الأغذية العالمي ناقوس الخطر، أخيرًا، من عجز قطاع غزة عن تحمل المعركة فترة طويلة، فنحو 53 في المائة من قاطنيه يعيشون تحت خط الفقر مع نسبة بطالة تتجاوز 52 في المائة، بينما يحصل ما يقرب من 80 في المائة من سكان القطاع على مساعدات دولية الجزء الأكبر منها في صورة غذاء.

ولا يمكن إغفال الخسائر البشرية التي يتعرض لها الفلسطينيون في الصراع مع إسرائيل والتي تفقدهم على المدى البعيد القوى العاملة القدرة على التنمية الاقتصادية، فنحو 29 ألف فلسطينيّ أصيبوا في مسيرات العودة، منهم 7 آلاف في الساق، ويحتاج أكثر من 1700 منهم إلى جراحات إعادة بناء العظام حتى يتمكنوا من المشي مجدداً، ومن دونها سيواجهون شبح بتر أطرافهم، كما يطلب 25 ألف شخص في غزة سنوياً العلاج خارجها من أمراض خطيرة بسبب نقص الرعاية الصحية.

منذ تبني إسرائيل سياسة حصار غزة قبل سنوات يتكبد الاقتصاد الفلسطيني بشكل عام خسائر كبيرة تقدر بنحو 6 ملايين دولار يوميا، غالبيتها تتمثل في دخول العمالة الفلسطينية في إسرائيل والمستوطنات التي تبلغ نحو 135 ألف عامل (111.5 ألف عامل في إسرائيل، و23.5 ألف عامل في المستوطنات)، بمعدل أجرة يومية يناهز 78 دولارًا.

وعمقت جائحة كورونا من خسائر القطاع برفع نسبة البطالة وانخفاض حركة التجارة ودوران رأس المال حتى بات حجم الشيكات المرتجعة خلال الربع الثاني من عام 2020 نحو 6477 بقيمة إجمالية بلغت حوالي 21.7 مليون دولار.

 

دعم الأشقاء

تقوم مصر والسعودية باستمرار بدعم الفلسطينيين اقتصاديًا، وتعتبر المملكة الدولة الأولى عالميًا في تبني ملف إعمار غزة منذ 2014 وحتى الآن، فنحو 30 في المائة من ملف إعمار غزة تم إنجازه بدعم سخي من السعودية، التي قدمت ما يزيد على 500 مليون دولار عبر مشاريع بناء بيوت جديدة بشكل كامل، وأخرى لإصلاح منازل تضررت بشكل جزئي خلال السنوات الست الأخيرة.

وقرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تقديم مصر مبلغ 500 مليون دولار كمبادرة مصرية تخصص لصالح عملية إعادة الإعمار في قطاع غزة نتيجة الأحداث الأخيرة، مع قيام الشركات المصرية المتخصصة بالاشتراك في التنفيذ.

ويقول الخبير الاقتصادي المصري نادي عزام، إن الاستقرار عنصر أساسي لتحقيق التنمية الشاملة، وطالما لا يملك الفلسطينيون دولة لها مصيرها السياسي والاقتصادي فلن يتحقق ذلك الاستقرار، ولن يتأتى لهم وضع خطط اقتصادية للتنمية وتحسين أوضاعهم، فلا مستثمر بالعالم كله سيغامر بوضع أمواله في استثمارات بأماكن غير مستقرة.

ويضيف عزام لـ«المجلة»، أن المساعدات الموجهة لغزة هدفها تحقيق وضع اقتصادي متزن، فالحكومة المصرية ترى أن قطاع غزة جزء من العمق الاستراتيجي للقاهرة، وبالتالي ستسعي لمساعدة القطاع عينيًا بإدخال مواد البناء اللازمة لإعادة تأهيل أو بناء المساكن، وتطوير بنية الطرق وشبكات الكهرباء والمياه المتهالكة بما يساعد على تحسين الأوضاع الإنسانية.

ويمثل الاستقرار والتنمية كخط سكك حديدية مكون من شريطين يستحيل انطلاق قطار النمو الاقتصادي دون أن تسير عجلاته عليهما معًا، واستمرار رفض إسرائيل قيام دولة فلسطينية مستقلة يعرضها كما يعرض الفلسطينيين لخسائر اقتصادية ضخمة، ويلقي بظلاله على الاستقرار في المنطقة العربية بأسرها.