بعد «حارس الأسوار»... هل ستصمد الهدنة طويلا؟

تدهور اقتصادي في غزة وانغماس إسرائيلي في الأزمتين السياسية والاقتصادية
الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

 

تل أبيب:على الرغم من تنفس الصعداء في غزة وتل أبيب، في أعقاب وقف إطلاق النار والاتفاق على تهدئة بين الطرفين، إلا أن الملامح الحقيقية لهذه التهدئة غير واضحة بعد وإذا ما كانت مؤقتة أم وهمية، كما يراها البعض؟ من الرابح ومن الخاسر؟ وهل هناك، أصلا، رابح من هذه الحرب؟

أسئلة كثيرة يطرحها الإسرائيليون وسط نقاش عاصف ومواقف متباينة لكن الصوت الأعلى يؤكد أن الخسائر التي تكبدتها إسرائيل على مدار 11 يوما تجاوزت خسائر العمليات العسكرية السابقة، خصوصا «الجرف الصامد»، العملية التي استمرت خمسين يوما. واليوم مع اتخاذ إسرائيل إجراءات مشددة في كل ما يتعلق بالإغلاق تجاه غزة يصبح الهدوء أمام خطر وعدم استقرار يهدد بانفجار جديد.

في إسرائيل يحتدم النقاش حول مدى تحقيق الأهداف من هذه العملية، وبالأساس ما صرح به القادة السياسيون والعسكريون حول القضاء على البنى التحتية للحماس وترسانته الصاروخية. فالمعطى الأول الذي كشفته تقارير إسرائيلية، بعد يوم من وقف إطلاق النار، يشير إلى أن لدى حماس اليوم، أي بعد انتهاء العملية، حوالي عشرة آلاف صاروخ وبأن الحركة ما زالت قادرة على إطلاق وابل يومي من الصواريخ على إسرائيل. وفي المقابل تطرح في إسرائيل من جديد مسألة ميزانية هذه العملية العسكرية إلى جانب تكاليف الأضرار الداخلية:

-        تقدر قيمة التسلح مليارات الشواقل (قيمة الدولار 3.24 شيكل).

-        تم إطلاق 3400 صاروخ دفاعي قيمة كل صاروخ أطلق من منظومة الصواريخ المضادة للصواريخ مائة ألف دولار.

-        تجاوزت قيمة صواريخ المنظومة، بحسب التقديرات الإسرائيلية، أكثر من مليار شيكل.

-        ألحقت صواريخ غزة أضرارا بـ5245 حالة بينها 3424 مبنى، 1724 سيارة وهذه تقدر بمئات ملايين الشواكل.

-        إغلاق الجهاز التعليمي.

-        إغلاق أماكن عمل وخسارة في الإنتاج بقيمة ملياري شيكل.

-        نسبة العجز المالي في إسرائيل وصلت إلى 11.2 في المائة.

-        قبل بدء العملية طلب جهاز الأمن ميزانية عسكرية بقيمة ثلاثة مليارات شيكل.

كل هذا وإسرائيل من دون ميزانية، حيث لم تتم المصادقة عليها جرّاء الخلافات الداخلية في الحكومة بين بنيامين نتنياهو ووزير الأمن، شريكه في الائتلاف بيني غانتس.

في الجانب الفلسطيني، وفق التقارير الإسرائيلية تم هدم 1100 مبنى بشكل كلي إضافة إلى 15 ألف مبنى بشكل جزئي. تقدر التكاليف بـ240 مليون دولار، وحتى الآن يجري الحديث عن ترميم هذه الأضرار من قبل مصر عبر استثمار شركات مصرية.

 

 

لم تتم المصادقة على الموازنة في إسرائيل جرّاء الخلافات الداخلية في الحكومة بين بنيامين نتنياهو ووزير الأمن

 

 هل نجحت عملية «حامي الأسوار»؟

ما زالت إسرائيل تعيش نقاشا عاصفا تبرز خلاله شخصيات عسكرية وسياسية، ليطرح السؤال: إلى أي مدى نجحت العملية وماذا بعد؟

 العديد من العسكريين التزموا الصمت خلال العملية العسكرية لكنهم فتحوا حربا داخلية بعد يوم من وقف إطلاق النار نحو سياسيين وخبراء عسكريين، خصوصا أولئك الذين هاجموا سياسة رئيس أركان الجيش، أفيف كوخافي ورئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ومتخذي قرار هذه الحملة، إلى جانب الاستخبارات العسكرية التي لم تدرك حقيقة الترسانة الصاروخية لدى حماس والتي شكلت مفاجأة كبيرة عند سقوط الصواريخ في القدس وإسرائيل.

«حكماء الجيل»، هكذا وصف العميد احتياط، عوديد طيرا، أولئك الذين انتقدوا العملية العسكرية واعتبروا إسرائيل فشلت في حربها هذه وبأنها خرجت إليها من دون استراتيجية إلى جانب انعدام الاتصالات لتسوية سياسية.

 وركز المنتقدون على تصريحات نتنياهو وعسكريين آخرين التي أطلقوها بعد انتهاء العمليات العسكرية السابقة، حيث لخصوا كل واحدة منها بمضامين متشابهة تؤكد أن إسرائيل قضت على البنى العسكرية لحماس، خصوصا ما يتعلق بالصواريخ والأنفاق.

بحسب طيرا فإن العملية العسكرية نجحت. ورد بانتقادات معاكسة على بعض العسكريين الذين شغلوا مناصب في العمليات العسكرية السابقة قائلا: «كان الأجدر بهؤلاء أن يتذكروا أنهم عندما كانوا في مناصبهم لم تجر الأمور على أفضل حال، وهذا سبب أدى إلى جولات عسكرية أخرى».

وبرأي طيرا فإن الهجوم الإسرائيلي على المترو كان هاما بل شكل رسالة ردع للمدى البعيد، فيما التصفيات المركزة لقياديين كبار في الجهاز العسكري لحماس كانت ذات أهمية كبرى؛ «مما أكمل رسالة الهجوم على الأنفاق إلى جانب الإنجازات الأخرى في البنى التحتية حيث شكلت مغزى أكبر مما في الماضي»، وفق طيرا.

 

احتلال قطاع غزة

خلال انتقاده لمن اعتبر أن عملية «حامي الأسوار» فاشلة، تطرق طيرا إلى الموضوع السياسي قائلا: «الوضع السياسي في غزة هو لعبة مبلغها الصفر: إما أن نحتل قطاع غزة ونبقى فيه إلى أن يتغير شيء ما على مدى الوقت، وإما أن نبقي حماس ضعيفة ونطيل قدر الإمكان الفترات الزمنية بين (الحروب). يمكن أن يكون النشاط السياسي في هوامش المشكلة وليس في قلب المشكلة. ولماذا؟»، يتساءل طيرا ويجيب: «لأن حماس لا تتحدث حقا مع أحد، لا تتأثر بأحد وليست مستعدة لأن تضحي بشكل مطلق بجودة الحياة وبالحياة نفسها لسكان غزة. بمعنى أنه باستثناء رافعة القوة، لا توجد روافع يمكنها أن تهزم حماس. من الممكن إجراء محادثات لتبرير هجومنا وليس أكثر. مثل أن نتحدث مع الأميركيين، الذين يتحدثون مع الأوروبيين أو أن نتحدث مع المصريين ومع أبو مازن، نتحدث مع الإمارات ومع كل الجهات المطلعة على المشكلة، أما الحوار المباشر بيننا وبين حماس فليس ممكنا لأن الحركة ترى ضرورة العمل للقضاء على إسرائيل».

ويرى طيرا أن المطلب الحالي هو منع الهجمات من غزة، قدر الإمكان وعند الحاجة ضربها عسكريا إلى أن ينشأ في غزة تغيير داخلي.

 

 

صواريخ أطلقت على إسرائيل من قطاع غزة

 

تغير ميزان القوة لصالح حماس

في مقابل هجوم طيرا على منتقدي سياسة الحكومة وقيادة الجيش واعتبار الحملة العسكرية فاشلة نشرت تقارير تظهر مدى تعزيز القدرات العسكرية والصاروخية لحماس وبذلك تغير ميزان القوة بين تل أبيب وحماس، بحيث أصبحت الأخيرة ذات قدرة كبيرة من حيث الهجوم، ليس فقط الترسانة الصاروخية المتطورة إنما أيضا في الطائرات المسيرة والغواصات المسيرة، التي شكلت، هي الأخرى، مفاجأة كبيرة لإسرائيل.

«صنع في فلسطين»، هكذا يطلق جهاز الأمن الإسرائيلي على الصواريخ التي أُطلقت من غزة، وخلافا للتقارير الإسرائيلية السابقة حول الوسائل القتالية البدائية لدى حماس، والجهاد الإسلامي أيضا، يعتبر الإسرائيليون السلاح الموجود في حماس متطورا وتسعى التنظيمات الفلسطينية إلى تطوير الأسلحة بجدية لا تقل عن الجدية التي يتم بها تطوير السلاح في إيران وحزب الله، حسب مسؤولين يعملون في صناعة الأسلحة.

 وبحسب المعطيات الإسرائيلية أطلق 4360 صاروخا، بينها 200 صاروخ تم إطلاقها إلى مدى متوسط وبعيد، 120 منها أصابت غوش دان، في مركز إسرائيل. وهناك صاروخ وصل إلى مدى 250 كيلومترا. وفي المتوسط أطلق من غزة 400 صاروخ يوميا مما يشكل 4.5 ضعف ما أطلق في حملة «الجرف الصامد»، عام 2014.

وقبل عملية «حامي الأسوار»، ووفق التقرير الإسرائيلي، قدر جهاز الأمن أن في حوزة حماس والتنظيمات الفلسطينية الأخرى في القطاع تقريبا 15 ألف صاروخ، أكثر من 1000 منها بمدى متوسط أكثر من 50 كيلومترا. الغالبية الساحقة من الصواريخ التي أطلقت على إسرائيل، في العملية الأخيرة، كانت من إنتاج محلي. وفقط عدد قليل كان يتكون من وسائل قتالية تقنية تم تهريبها إلى غزة في السابق، بالأساس قذائف الهاون وصواريخ بمدى قصير، بقطر 107 ملمتر، بحسب الإسرائيليين.

 

عناصر من حركة حماس

 

خمسة خيارات تجاه غزة

في مقابل ما طرحه عوديد طيرا وآخرون ممن اعتبروا إسرائيل انتصرت في هذه الحرب، يرى الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، غيورا أيلاند، خمسة بدائل للاستراتيجية تجاه غزة وهي:

-        استمرار الوضع القائم، أي الهدوء مقابل الهدوء. المعنى العملي هو أن تواصل إسرائيل العيش من جولة عسكرية إلى أخرى بأمل أنه حتى الجولة التالية يمر الكثير من الوقت. ويقول: «قد يرى البعض أن هذا هو الأمر الصحيح لكن سكان عسقلان، وسديروت وغلاف غزة، يرفضون ذلك ويطالبون بتوفير الأمن لهم».

-        التعامل بأن الردع ليس كافيا، بحيث تكون حركة حماس هي التي تقرر متى يكون هدوء ومتى يكون قتال، وبالتالي، يرى أيلاند أن على إسرائيل استغلال نجاح الحملة ومنع حماس من بناء قوتها العسكرية. ويقول: «من الناحية العملية سيكون من الصواب، حسب هذه الاستراتيجية، الهجوم على كل مشروع تسلح تحاول حماس إقامته.

-        ضرورة اتباع إسرائيل استراتيجية عدوانية أكثر من ذلك بهدف إسقاط حكم حماس في غزة. والسبيل لعمل ذلك سيستوجب عملية برية واسعة وسيطرة على قسم هام من قطاع غزة على مدى زمن طويل.

-        إسقاط حكم حماس، وهي إمكانية شبيهة بالثالثة، لكنها معاكسة في الطريق. حسب هذا النهج، يقول أيلاند: «إن المشكلة هي سياسية محض وليس عسكرية، ولهذا على إسرائيل أن تستأنف حوارا محترما مع السلطة الفلسطينية وتشجع كل عمل يسمح بإعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة».

-        أما الإمكانية الخامسة التي يتحدث عنها أيلاند فهي إمكانية معاكسة تماما. وبحسبها يقول: «غزة دولة بحكم الأمر الواقع. صحيح أن الحكم في غزة هو لشخصيات (شريرة) وصحيح أنه توجد لهم تطلعات للسيطرة في الضفة أيضا، ولكن الحكم يعمل حسب المصالح وليس حسب الآيديولوجيا. وبالتالي فإن على إسرائيل خلق فجوة حقيقية بين العصا التي تستخدمها إذا ما أطلقوا من غزة النار وبين الجزرة التي تمنحها إسرائيل، إذا كان هناك هدوء». والمعنى العملي، يضيف، أنه «إذا ما أطلقوا من غزة النار على إسرائيل يجب أن لا يكون الرد بإطلاق نيران كثيفة بل العمل على منع وصول الوقود، والكهرباء، والمياه، ولكن بالتوازي يجب أن تشجع إسرائيل حكومات أجنبية لبناء بنى تحتية في غزة بما في ذلك ميناء بحري وأن يتم ذلك بتعاون كامل مع الحكم في غزة، حكم حماس. وعندها، مثلما حافظ حزب الله على الهدوء 15 سنة خوفا من تدمير لبنان، هكذا ستفعل أيضا حكومة حماس في غزة»، وفق أيلاند.

 

الشيخ جراح وفلسطينيو 48

لدى أي نقاش حول «حامي الأسوار»، لا بد من التطرق إلى السبب الأساسي وهو إخلاء الفلسطينيين من حي الشيخ جراح في القدس، والأحداث التي شهدتها بلدات فلسطينيي 48 إلى جانب المدن المختلطة، حيث ساهم القصف على غزة في شرخ كبير في العلاقات بين اليهود والعرب إلى جانب التضامن الكبير من قبل فلسطينيي 48، مع أبناء شعبهم الفلسطيني في غزة، والذي انعكس في المواجهات مع الشرطة والأعمال الاحتجاجية التي لم تتوقف على مدار 11 يوما للعملية العسكرية.

في هذين الجانبين يرى أيلاند أن العلاقات العربية- اليهودية تشكل اليوم الموضوع الأهم والمركزي ويدعو في هذا الجانب إلى نقاش وبحث عميقين لمنع تدهور أكبر في العلاقات. أما بالنسبة للشيخ جراح فاعتبر أيلاند القضية معضلة. ويقول: «لقد بدأ التوتر عندما هدد القيادي في حماس، محمد ضيف، بأن إخلاء العرب في هذا الحي ليس مقبولا على حماس. فمن جهة كل تنازل إسرائيلي في هذا الموضوع سيعتبر خنوعا معيبا لحماس، ومن جهة أخرى فإن القرار القائم للمحكمة الإسرائيلية لإخلاء فلسطينيين، يسكنون هناك 70 سنة وإسكان يهود مكانهم هو قرار معيب يقوم على أساس قانون إسرائيلي غبي»، ويشدد أيلاند على أن تطبيق مثل هذا القرار سيتسبب، وعن حق، في غضب شديد على إسرائيل. إنها معضلة، بحسب قوله.

 

ترميم غزة

على مدار 11 يوما ألحقت إسرائيل دمارا هائلا في غزة وقتلت الأطفال والنساء والمسنين، هذه المشاهد التي تدرج في القوانين الدولية ضمن جرائم الحرب، وقد ظهرت للعيان مرة أخرى في الوقت الذي لم تنه إسرائيل، بعد، نقاشها وأبحاثها حول سبل التعامل مع قرار المحكمة الدولية في لاهاي بالتحقيق مع قادتها السياسيين والعسكريين بتهم ارتكاب جرائم حرب في العمليات العسكرية السابقة.

وفي إسرائيل بذلت جهود كبيرة لإخفاء حقيقة هذا الدمار البنيوي والبشري وما سببته هذه العملية العسكرية من ثمن باهظ لحياة فلسطينيي غزة. أكثر من 200 فلسطيني قتلوا في العملية العسكرية الأخيرة، حسب إسرائيل، نحو نصفهم من النساء والأطفال دون سن 18، نتيجة للغارات الجوية. كثيرون آخرون أصيبوا عدا عشرات آلاف الغزيين الذين اضطروا إلى النزوح عن منازلهم، وفق تقرير خاص لمركز «بتسيلم» للمعلومات الإسرائيلية لحقوق الإنسان، عدا الضرر الكبير الذي ألحقه القصف الإسرائيلي بالبيوت، وشبكات الكهرباء، والمياه، وغيرها.

لكن نشطاء حقوق الإنسان في إسرائيل، حاولوا إثارة هذه المعطيات وهذه الحقيقة واعتبر بعضهم ترميم غزة أمرا هاما ومركزيا ويتوجب أن يكون جزءا من معادلة «الهدوء مقابل الهدوء»، وحذروا من أنه من دون ترميم غزة فإن المواجهة المقبلة ستكون قريبة.

وفي إسرائيل بانتظار ما قد يتمخض من نتائج عن زيارة وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، إلى منطقة الشرق الأوسط. ووزير الخارجية غابي أشكنازي إلى جانب كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين أعدوا تقارير عدة عرضت أمام الضيف الأميركي لإقناعه بأهمية هذه العملية العسكرية إلى جانب المخاطر المستقبلية المحدقة بإسرائيل والمنطقة، من قبل حماس وحتى إيران وحزب الله ومن تعتبرهم إسرائيل أعداء لها.

وعشية الزيارة قدم عدد من الإسرائيليين مطالب لحكومة إسرائيل تدعوها فيها إلى التجاوب مع أي تحرك قد تتخذه إدارة جو بايدن أو مصر وغيرهما لتقديم المساعدة إلى غزة كوسيلة لمعالجة المشكلة الفلسطينية.

وجاء في بعض الرسائل التي وجهت إلى الحكومة الإسرائيلية: «يتوجب على الحكومة عدم عرقلة محاولات ترميم غزة، سواء من خلال رفع طلب لاشتراط المساعدة الإنسانية بتبادل الأسرى والجثامين. ليس فقط لأنه بذلك ترتفع إسرائيل إلى مسار صدام مع الولايات المتحدة ومصر بل لأن ترميم غزة ضرورة إنسانية للملايين من سكانها وضرورة أمنية لإسرائيل»، كما أكدت جهات إسرائيلية عدة.