أزمة لبنان المالية بين الأكثر حدة عالمياً

تقرير جديد للبنك الدولي يكشف عن مؤشرات خطيرة

يشهد لبنان منذ صيف 2019 انهياراً اقتصادياً ومالياً كبيراً، فاقمه انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس (آب) الذي أسفر عن مقتل 200 شخص وتدمير جزء كبير من العاصمة بيروت وإجراءات مواجهة فيروس كورونا. وقد أدى هذا الانهيار إلى تراجع سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار تدريجياً إلى أن فقدت أكثر من 85 في المائة من قيمتها، وبات أكثر من نصف السكان تحت خط الفقر، وارتفع معدل البطالة.

وفي مارس (آذار) 2020، تخلفت الدولة عن دفع ديونها الخارجية، ثم بدأت مفاوضات مع صندوق النقد الدولي حول خطة نهوض عُلّقت لاحقاً بسبب الخلافات اللبنانية الداخلية. وما يزيد من حدّة الأزمة هو الخلاف الداخلي الذي حال دون القدرة عل تشكيل حكومة، فبرغم المبادرة الفرنسية، لم يتمكن رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري منذ تكليفه في أكتوبر (تشرين الأول)، من إتمام مهمته.

 

لبنان يعيش إحدى أعمق حالات الكساد المسجلة في العصر الحديث

قال البنك الدولي إن الانهيار الاقتصادي في لبنان هو أحد أعمق حالات الكساد المسجلة في العصر الحديث، مرجحاً أن يزداد سوءاً، ومتوقعاً استمرار انكماش الناتج المحلي الإجمالي ليتقلص 9.5 في المائة هذا العام.

وفي تقرير لافت، حمّل البنك الدولي ما سماه «الاستجابة عبر سياسات غير ملائمة على نحو متعمد» من النخبة الحاكمة مسؤولية تفاقم انهيار مالي «من المرجح أن يكون من بين أحد أخطر عشر أزمات، وربما من بين أخطر ثلاث، عالمياً، منذ منتصف القرن التاسع عشر».

لقد تقلص الناتج المحلي الإجمالي بالفعل من 55 مليار دولار في 2018 إلى ما يقدر بنحو 33 مليار دولار العام الماضي. وتخلف لبنان عن سداد ديونه وانهارت عملته.

وقال التقرير الصادر إن هذا «يوضح حجم الكساد الاقتصادي الذي تعاني منه البلاد، بينما لا تلوح في الأفق مع الأسف بادرة تحول واضحة، نظرا للتقاعس الكارثي والمتعمد على صعيد السياسات».

وأورد تقرير البنك الدولي بعنوان «لبنان يغرق: نحو أسوأ 3 أزمات عالمية»، أن «استجابة السلطات اللبنانية لهذه التحديات على صعيد السياسات العامة كانت غير كافية إلى حد كبير»، ويعود ذلك إلى أسباب عدة أبرزها «غياب توافق سياسي بشأن المبادرات الفعّالة في مجال السياسات» في مقابل «وجود توافق سياسي حول حماية نظام اقتصادي مفلس، أفاد أعداداً قليلة لفترة طويلة».

وفي العام 2020، انكمش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 20.3 في المائة، بعد انكماشه بنسبة 6.7 في المائة العام 2019.

ووفقاً للتقرير، انخفضت قيمة إجمالي الناتج المحلي من حوالي 55 مليار دولار العام 2018 إلى ما يُقدّر بنحو 33 مليار دولار في 2020.

وتابع التقرير أنه «في ظل حالة غير مسبوقة من عدم اليقين، من المتوقع أن ينكمش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 9.5 في المائة العام 2021».

 

لبنان يحتاج إلى هيكلية اقتصادية جديدة

تؤكد الخبيرة الاقتصادية ليال منصور في حديث لـ«المجلة» أن «تقرير البنك الدولي مبني على معايير ومؤشرات اقتصادية مرتبطة بالمعطيات الحالية، ومنها الاستثمارات والاستهلاك وغيرهما، ووفقاً لذلك يتم تحديد مسار الأزمة الاقتصادية، وبالتالي فإن هذا التقرير يعتمد على المعطيات الحالية، أما في حال حدوث أي تغيير في البلد مثل تشكيل حكومة أو تقديم مساعدات خارجية، فإن هذه التوقعات تحتاج إلى إعادة نظر».

وأضافت منصور أن «اللافت في الأزمة اللبنانية أن السلطات لا تتدخل من أجل الحد من هذا الانهيار، ووفقاً لذلك، توقع تقرير البنك الدولي استمرار الانهيار. حتّى إن قرارات مصرف لبنان مرتبطة بشكل أساسي بالحياة اليومية للبنانيين ولا يمكن تصنيفها ضمن خانة السياسة المالية». وتابعت: «لقد وصلت البلاد إلى الدرجة الدنيا من فقدان الثقة، لذا فإن هذا التقرير وغيره من التقارير الدولية المتعلقة بالوضع الاقتصادي اللبناني لن تزيد من حجم فقدان الثقة، فلو أن هذا التقرير صدر منذ 7 أشهر لكانت ارتداداته أكبر».

وترى منصور أن «خطورة أزمة سعر الصرف ليست أزمة مصرفية عادية تحدث في أي دولة تتعرض لخسائر كبيرة». وتلفت إلى أن «لبنان يحتاج إلى إعادة هيكلة كلية، لأن أزمة سعر الصرف مرتبطة بالثقة التي تحتاج إعادتها إلى أكثر من وعود وآمال وحكومة جديدة، وإنما من خلال بناء هيكلية اقتصادية جديدة».

 

الخبيرة الاقتصادية ليال منصور

 

كم تبلغ احتياطات مصرف لبنان؟

تربط منصور بين الحديث عن منح المودعين اللبنانيين مبلغ 25 ألف دولار بتقرير البنك الدولي، حيث تعتبر أن هذا الخبر يهدف «لإبعاد الأنظار عن مضمون التقرير الدولي». وتؤكد منصور أن «منح المودعين هذا المبلغ غير ممكن ولا توجد له أي أُسس علمية».

ترى منصور أن «هناك أرقاما متفاوتة وغير واضحة حول احتياطات مصرف لبنان بالعملات الصعبة، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن المصرف المركزي سيفقد جميع احتياطاته مع نهاية عام 2020، وهذا ما سيحتم على المصرف وقف الدعم». وتُشير منصور إلى أن «مستقبل الأزمة الاقتصادية يرتبط بالمعطيات السياسية، مع الإشارة إلى أن تشكيل حكومة لن يؤدي بالضرورة إلى حل هذه الأزمة، بل نحتاج إلى تشكيل حكومة مع اتخاذ إجراءات إصلاحية واقتصادية». وتختم منصور أن «آخر الدراسات تُشير إلى أن الحلول السياسية والجيوسياسية في لبنان تأتي قبل الحلول الاقتصادية».

 

المودعون.. نحو الشارع مجدداً

ومن ناحيته، يؤكد رئيس جمعية المودعين حسن مغنية في حديث لـ«المجلة» إلى أن «المودعين مستمرون في حركاتهم الاحتجاجية وآخرها الدعوة لمظاهرة يوم الجمعة المقبل أمام مصرف لبنان للمطالبة بعدم المساس بالاحتياط الإلزامي المقدر بنحو 15 مليار دولار». وأضاف: «هذه الأموال تُشكل ما تبقى من أموال المودعين ويجب تسييلها لهم». وتابع: «المودعون غير مسؤولين عن سياسة دعم وإنما ذلك من واجبات الدولة».

وكان مجلس شورى الدولة قد أصدر قراراً يوقف بموجبه العمل بتعميم مصرف لبنان، والذي كان يقضي بصرف الودائع المصرفية المقوّمة بالدولار وفق سعر صرف 3900 ليرة وليس بعملة الحساب. ويصف مغنية هذا القرار بـ«المهم جداً لأنه يُطالب بدفع الأموال بعملة الإيداع، وهو يحتاج إلى متابعته من قبل الضابطة العدلية».

ويشير مغنية إلى أن «الأزمة الاقتصادية تتجه للأسوأ في ظل عدم تشكيل حكومة جديدة». كما يُرجح مغنية قيام «مصرف لبنان بدفع مبلغ 25 ألف دولار للمودعين». ويختم بأن «تقرير البنك الدولي يزيد من حدة الأزمة ويخفض تصنيف لبنان الائتماني العالمي».