لك الله يا غزة

وبرغم وقف إطلاق النار وإعلان الهدنة، فلن يكون هناك سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لأننا نجرب في كل مرة نفس المقدمات، ونطمع في أن تختلف النتائج وهو الوهم العربي الذي لازم القضية الفلسطينية منذ اليوم الأول. فعندما رضخ السلطان عبد الحميد للضغوط الصهيونية، وإن كان قد اقتصرها على شمال فلسطين وسمح بالهجرة وبناء المستوطنات كحل وسط، لم ينتبه العرب إلى أن عليهم واجبا مقدسا وهو تعمير كل فلسطين حتى لا تكون هناك مساحة تسمح بتسلل المهاجرين الذين لفظتهم أوروبا.

فمما يصدم عقولنا أن نعرف أنه في عام 1850 كان يسكن فلسطين نصف مليون نسمة 84 في المائة منهم مسلمون عرب و10 في المائة مسيحيون عرب و6 في المائة فقط لاغير من اليهود. وبدلا من أن نتبنى سياسة التعمير والاستيطان العربي ذهبنا في طريق خاسر انتهى بإعلان إسرائيل بيهودية الدولة. وبعد الثورة العربية الكبرى التي خدعنا بها لورانس العرب نيابة عن بريطانيا العظمى وقتئذ بدأت فلول المهاجرين تدخل فلسطين وتستولي على الأراضي الفلسطينية بالإرهاب أحيانا وبالمال أغلب الأحايين.

وعندما بدأ عز الدين القسام بتكوين ما يشبه الجيش للدفاع عن فلسطين في أكتوبر (تشرين الأول) 1935 بحركة كانت إرهاصة لإضراب الفلسطينيين الشامل عام 1936، ولكن انتهى القسام بعد شهر واحد من إنشاء حركته نتيجة لرعونة أحد أتباعه الذى بادر بالاشتباك مع القوات البريطانية دون استعداد كافٍ، مما جعل بريطانيا تفطن لمكان وجود عز الدين القسام في منطقة الاشتباك الجبلية الوعرة وانتهت الحركة بانتهاء عز الدين القسام في نوفمبر (تشرين الثاني) 1935. صحيح أن خليفته الشيخ فرحان السعدي قام ببعض العمليات وتم القبض عليه وأعدم شنقا وهو صائم، وكان شيخاً تجاوز الثمانين عاماً. وهكذا كانت بريطانيا العظمي والغرب بصفة عامة، ولا عبرة بما يصدعون به رؤوسنا من حقوق الإنسان والتي تقتصر على الإنسان الأوروبي فقط. أما الفلسطينيون فقد واجهت ثورتهم الكبرى محاكم التفتيش العسكرية البريطانية التي كانت تهدم بيوت الثوار الفلسطينيين أو أي بيت يوجد به سلاح. فبريطانيا العظمى هي كبيرهم الذي علمهم السحر بنظرية هدم البيوت.

ثم أتت النكبة بإعلان إنشاء إسرائيل بقرار من الأمم المتحدة لو قبله العرب وقتئذ لكانت للفلسطينيين دولة مستقلة، لكن التدافع العسكري الخطأ وغير المحسوب يؤدي إلى كوارث. فبعد نكبة 1948 قرعتنا نكسة 1967 التي بدأت بمظاهرة عسكرية عربية وانتهت باحتلال أراضي مصر وسوريا والأردن وضم القدس بشقيها الشرقي والغربي لدولة إسرائيل قبل اعتراف ترامب بها كعاصمة لدولة إسرائيل. ولولا حنكة السادات الذي كان بطلا للحرب فدخل في مفاوضات لحل أزمة الشرق الأوسط فاسترد الأراضي المصرية في حين تم ضم الجولان السورية رسميا لدولة إسرائيل مع تعاظم الشك فى رغبة السكان في العودة إلى الوطن الذي كان اسمه يوماً ما سوريا وعاصمته دمشق الفيحاء قلب العروبة النابض.

والمرة الوحيدة التي جرب فيها الفلسطينيون طريقا غير تقليدي أعطيت لهم شبه دولة بمعاهدة أوسلو، ولولا خوف عرفات من رفاقه لكان واصل نهج التفاوض وصنع السلام الذي يحتاج إلى حسابات أخرى. فالمفاوض يختلف عنده حساب الحقل عن حساب البيدق بشرط شجاعة الاعتراف بالواقع والبراعة في استخدام ما تملك من قوة مهما كانت محدودة بما فيها القوة الناعمة.

ومنذ أوسلو انقسم الفلسطينيون إلى حكومة وجماعة آيديولوجية مما أضعف أي فرصة للسلام الحقيقي، فقد شاخ الشرق الأوسط وما زال عصيا على السلام وما زلنا نجتر شعارات عفى عليها الزمن وتجتمع الفصائل الفلسطينية لتخرج أكثر انقساما.

فهناك حكومة رام الله تدير الضفة الغربية، وهناك جماعة آيديولوجية دينية في غزة تفرط في التشدد وتحاول أن تقلد حزب الله اللبناني، مع أن حزب الله وحدة عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني، لذا لم يحاول الحزب مساعدة الفلسطينيين فى حربهم الأخيرة، لأن طهران لا تريد أن تغضب سيد البيت الأبيض الجديد ولا مانع من الشجب والاستنكار وأحيانا الإدانة، لأن إيران لا تستطيع أن تراهن على جماعة آيديولوجية تدخل في منازعات إقليمية تُخسرها العمق العربي كما فعل عرفات عندما أيد صدام فى غزوالكويت لتنطلق منها جحافله لتحرير القدس، أو حماس عندما أيدت مرسي فى شأن مصرى خالص، مختزلاً مصر في جماعة دينية خرجت حماس من عباءتها.

فمما لا شك فيه أن شعب غزة من نسل الجبارين، لكن سلاحه بما فيه صواريخه لا تزيد عن ألعاب نارية تقابل بقوة إسرائيلية غاشمة تأتي على الأخضر واليابس وتعيد غزة إلى القرون الوسطى. لكن لو كانت التحركات العسكرية الفلسطينية محسوبة لحساب القوة التي تسبق التفاوض وهي التعويذة التي لم تجرب بعد، فتكون حماس قد أدت خدمة جليلة للقضية الفلسطينية وعدا ذلك فهو قبض الريح وإفراط في الغرور القاتل.

وبين التفريط والإفراط... لك الله يا غزة.