مأزق حزب الله وغزة...

في خطاب مذاع عبر التلفاز، يوم الثلاثاء 25 مايو (أيار)، علق قائد حزب الله حسن نصر الله على الحرب الأخيرة في غزة باقتراح معادلة جديدة: القدس أو حرب إقليمية.

قال نصر الله في أثناء محاولته لالتقاط أنفاسه وسط السعال: «المساس بالقدس أو المقدسات الإسلامية والمسيحية بها سيؤدي إلى حرب إقليمية... المساس بالمقدسات لن يقف عند حدود مقاومة غزة». والمفارقة أن حالته المرضية الواضحة عكست تراجع التهديد، وضعف الخطاب حتى وهو يحاول أن يهدد إسرائيل والمنطقة باندلاع حرب. وأضاف أنه بعد هذه المعركة، «سقطت صفقة القرن وانتهت وتلاشت».

بالطبع أعلن نصر الله الانتصار، وأثنى على أداء حماس، مضيفًا أن «كل حركات المقاومة لا تستطيع أن تقف وتشاهد إذا كانت المدينة المقدسة في خطر حقيقي وجدي».

الكلام يسير، لكن الأفعال أكثر تعقيدًا. وكان رد فعل حزب الله الأخير مثيرًا للشفقة على أقل تقدير. لم يرغب حزب الله- ومن خلفه إيران- في التورط لسببين أساسيين: حزب الله ليس مستعدًا- ماليًا وعسكريًا- للحرب، وحزب الله هو ملجأ إيران الأخير، الذي لن يستخدم إلا في حالة اندلاع حرب شاملة، وليس مثل هذا النزاع.

 

مأزق حزب الله

بدلاً من اتخاذ إجراء عسكري لدعم حماس والفلسطينيين، تبنى نصر الله دور المراقب. ولكن هذا الخمول كان مخجلًا، حيث توقعت قاعدة تأييد حزب الله وإيران في المنطقة نوعًا من التحرك- وليس من الضروري أن يكون في قوة رد فعل حماس على الاشتباكات التي وقعت في القدس، بل على الأقل كنوع من الانتقام الذي يثبت التزام حزب الله تجاه «القضية الفلسطينية»، كما يدعون.

ولكن عوضًا عن ذلك، أطلقت إما فصائل فلسطينية أو فصائل كتائب المقاومة صواريخ محدودة من لبنان، سارع مسؤولو حزب الله حينها لنفي أي صلة لهم بها وسمحوا بمظاهرات محسوبة في لبنان وعلى الحدود.

عقب خروج عدد من المظاهرات على طول الحدود من مخيمات الفلسطينيين في الشمال والجنوب والبقاع وبيروت، وبعد إصابة أحد أعضاء الحزب محمد طحان برصاصة من الجيش الإسرائيلي، قرر حزب الله أخيرًا السيطرة على الموقف. وبحسب تقارير إعلامية، نشر حزب الله تعليمات إلى أعضائه ومؤيديه بمنعهم من التظاهر قرب الحدود، وأن قيادة الحزب هي المسؤولة فقط عن إصدار تعليمات جديدة. وكان القرار بهدف منع أي شخص من الاقتراب من الأسلاك الشائكة على طول الحدود والتي ربما كانت ستثير توترًا مع الإسرائيليين فتسفر عن حادث إطلاق نار آخر.

ومن أجل تجنب مزيد من الإحراج وتسليط الضوء الإعلامي، تواصل حزب الله مع قادة الفصائل الفلسطينية وحلفائهم اللبنانيين، وطلب منهم تجنب إصدار دعوات أخرى للذهاب إلى الحدود الجنوبية. بالإضافة إلى ذلك، طلب حزب الله من الجيش اللبناني ضمان عدم تمكين الفلسطينيين الذين لا يملكون تصريحًا من الدخول إلى الجنوب.

بيد أنه مع تزايد الدعوات للتحرك، بدا خطاب حزب الله بعيدًا للغاية عن الواقع. كان من المسموح خروج المظاهرات المنظمة والمحسوبة للتعبير عن التضامن، ولكن أي شيء بخلاف ذلك ممنوع. وفي هذا السياق، بدت الصواريخ، على الرغم من نفي حزب الله مسؤوليته عنها، تأكيدا خفيا على مباركة حزب الله واستعداده الضئيل لاتخاذ إجراء عسكري. وبمجرد أن انتهت الحرب، ووافقت إسرائيل على وقف إطلاق النار، أعلن مسؤولو حزب الله على الفور مسؤولية التنظيم. وقال نعيم قاسم، نائب حسن نصر الله، في لقاء مع إذاعة راديو «النور»إن حزب الله كان خلف جميع الصواريخ التي أطلقت إلى داخل إسرائيل والتي سقط أغلبها في الأراضي اللبنانية. وبحسب موقع «الجنوبية»الإخباري اللبناني، نقلًا عن مصدر أمني، كانت كتائب المقاومة، التابعة لحزب الله خلف إطلاق الصواريخ.

التوقيت هو كل شيء- بمجرد أن تنتهي الحرب، وتتضاءل مخاطر وقوع مواجهة أوسع، خرج حزب الله من مخبئه ليعيد عباراته الرنانة عن المقاومة إلى خطابه.

 

مخطئون في الحالتين

بالإضافة إلى التحديات المالية والعسكرية التي يواجهها حزب الله، كان عليه أن يلتزم بالتوجيهات والاستراتيجية الإيرانية. وبالتالي طالما أن المباحثات النووية تجري في فيينا، ليس من الضروري وقوع مواجهات أخرى. بل على النقيض، لن تحظى، حرب إقليمية، كما وصفها نصر الله وهدد بها إسرائيل، بمصادقة إيران، نظرًا لأنها سوف تعرقل مباحثات فيينا وقد تمثل تهديدًا لاتفاق هي في حاجة شديدة إليه. مهما حدث في القدس، كل ما يستطيع نصر الله أن يفعله هو الحديث وتنظيم مسيرات. ومن المؤكد أن رفع العقوبات بالنسبة لكل من إيران وحزب الله أكثر أهمية من المقاومة أو الفلسطينيين.

ومع ذلك، ربما يستمر حزب الله في شن حربه الخاصة ضد إسرائيل، عندما يحين الوقت، ولكن ليس قبل عقد اتفاق مع أميركا، وبعد أن يستعيد التنظيم قدرته على الحصول على عملة صعبة اعتادت إيران أن ترسلها إليه. هذه الأموال ضرورية إذا أرادوا إعادة بناء قوتهم العسكرية التي تحطمت وتضاءلت في أثناء الحرب السورية، وسوف تكون ضرورية بالتأكيد لجهود إعادة الإعمار وتأهيل البنية التنظيمية للحزب.

في الوقت ذاته، فإن تهديد الصواريخ أقوى كثيرًا من الصواريخ ذاتها. والتهديد بالحرب أهم من الحرب نفسها. وإذا دخل حزب الله في حرب الآن، أو حتى حاول الدخول في أي صراع ضد إسرائيل، فسوف يخسره على الأرجح حتى وإن ادعى النصر.

ولكن خطاب المقاومة الذي يتبناه حزب الله- مع كل مزاعم الانتصار والتهديد بحرب إقليمية- لم يعد مقنعًا لعدد كبير من قاعدة مؤيديه. تجاهل التنظيم العديد من الضربات التي أصابته بسبب استهداف الهجمات الإسرائيلية لبنيته العسكرية وأفراده في كل من لبنان وسوريا. لقد أثبت حزب الله في كل مرة أن المقاومة لم تعد لها الأولوية، وأن تركيزه اليوم على الهيمنة الإقليمية. وفي الوقت ذاته، يكافح الشعب اللبنانيجاهدًا من أجل الحصول على لقمة العيش. وبالنسبة للشعب، أخفق حزب الله في معالجة متاعبه الاقتصادية أيضًا.

في وضع مثالي، يأمل حزب الله أن تثمر المباحثات عن اتفاق قريب بين أميركا وإيران، وأن يستعيد حصوله على العملة الصعبة. وحتى ذلك الحين، سوف يستمر الحزب في استغلال أي موارد متبقية في مؤسسات الدولة، بما فيها احتياطي البنك المركزي، لتمويل عملياته في لبنان والمنطقة. علاوة على ذلك، سوف يستغل الحراك الإقليمي- مثل معركة غزة الأخيرة- للحفاظ على بقايا خطاب المقاومة. عندما ادعى حزب الله الانتصار بعد حربه مع إسرائيل في عام 2006، تُرجم ذلك إلى استحواذ إقليمي عدواني على يد إيران، وسيطرة خبيثة من حزب الله على مؤسسات الدولة اللبنانية.

اليوم، وحزب الله يدعي فوز حماس، ها هو يستعد لإتمام السيطرة على لبنان ومؤسساته. إن تحويل لبنان إلى وضع مشابه لغزة يحقق ارتياحًا أكبر للحزب من السعي إلى إنقاذ الدولة منانفجار اجتماعي واقتصادي وأمني. ولا يمكن أن تدل هذه الانتصارات المزعومة إلا على أن القادم أسوأ.

 

* حنين غدار: زميلة فريدمان في برنامج غيدولد للسياسة العربية بمعهد واشنطن، تركز على سياسة الشيعة في المشرق.