التحول التعليمي السعودي

نحو تحرير العقل وإطلاق الطاقات الخلاقة

جدة:لم تكن إدارة عملية التعليم السعودي، مهمة سهلة على الإطلاق. وفي كل خطوة ثورية مثل إنشاء الرئاسة العامة لتعليم البنات مطلع ستينات القرن الماضي، ونشر مدارس الفتيات في السنوات اللاحقة، أو أخرى إصلاحية مثل تعليم الثقافة الوطنية، أو تنظيم التعليم الديني، كان هناك جدل اجتماعي، يقوده مناهضو التغيير من القوى التقليدية في المجتمع، إلى جانب ما اصطلح على تسميته في الأدبيات السعودية «الحزبيين»من أصحاب أجندات الإسلام السياسي.

وقد كانت التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، تتضافر سوياً لتشكل هوية التعليم في كل حقبة زمنية. فمثلاً كانت دروس الموسيقى موجودة في المدارس السعودية؛ حتى أواسط الثمانينات الميلادية من القرن الماضي حين ظهرت أدبيات ما سمي آنذاك «الصحوة»، التي تلت اقتحام جهيمان للحرم المكي الشريف واندلاع «الثورة الإسلامية»في إيران. كان ملخص الصحوة هو العودة إلى نسخة أكثر تشدداً من الإسلام، وانعكس ذلك على مناهج التعليم وازدهار نشاط المخيمات الصيفية وتركيز النشاطات اللامنهجية على التوعية الدينية؛ رغم أن مواد الدين واللغة العربية، كانت تشكل نحو نصف المواد الدراسية.

وفي الماضي القريب، شهد التعليم العالي، طفرة جديدة مع إنشاء برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي عام 2005، الذي ابتعث- ولا يزال- نحو 300 ألف طالب وطالبة. وتزامن ذلك مع بداية الطفرة النفطية الثانية في ظل انتعاش أسعار النفط، وكانت البلاد تخرج تدريجياً من فترة الصحوة مع إصلاحات اجتماعية وسياسية في البلاد.

وقبل أيام، أعلن وزير التعليم السعودي الدكتور حمد آل الشيخ عن تغييرات هيكلية فيما يخص تقسيم العام الدراسي إلى 3 فصول؛ بدل فصلين حالياً، مع إدخال مواد للمرة الأولى في تاريخ المملكة مثل التفكير الناقد والدفاع عن النفس والمهارات الحياتية والأسرية، وكذلك تدريس اللغة الإنجليزية من الصف الأول الابتدائي، وإقرار مادة التربية البدنية للبنات، التي لطالما كانت محظورة. كما أنه ستتم الاستفادة ومواصلة العمل بنظام «مدرستي»الإلكتروني، الذي مكن ملايين الطلاب حول المملكة من استمرار الأعوام الدراسية عبر الإنترنت؛ رغم اتخاذ القرار بعودة الدراسة الحضورية في الجامعات وبعض سنوات التعليم الأساسي.

فما هي الدوافع وراء إعادة هيكلة نظام التعليم السعودي؟ وما أهمية التغييرات الحالية؟ وكيف تعيد هذه التغييرات تشكيل العقل السعودي ليكون التعليم جسراً نحو الإبداع وقيادة مستقبل البلاد؟ وما الخطوات المرتقبة مستقبلاً لتعزيز التحول التعليمي السعودي؟

وزير التعليم السعودي الدكتور حمد آل الشيخ

تغييرات من الداخل

أكدت الناطقة باسم وزارة التعليم السعودية، ابتسام الشهري، في تصريحات صحافية مؤخراً أن «تطوير المناهج وتعديل المنظومة الدراسية جرى على أيدي الخبراء السعوديين في وزارة التعليم بإدارة تطوير المناهج بالوزارة؛ دون الاستعانة بخبراء أجانب»، الأمر الذي يعني أن التغييرات الأخيرة، نابعة من حاجة محلية ودراسات معمقة لهوية التعليم وتوجهاته وطبيعة المواد الدراسية وأساليب التعليم. تلك المشكلات يفهمها المختصون السعوديون أكثر من غيرهم، وهم الأقدر على إيجاد الحلول لها.

لقد عطلت أعوام من التلقين المتواصل، ملكات الإبداع والابتكار لدى التلاميذ والتلميذات، وثبطت عزيمتهم على تحدي الواقع من أجل تغييره وإيجاد حلول للمشكلات المستجدة. وفي ظل ورشة تغيير عملاقة، تقودها المملكة على مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يحظى التعليم الآن بنصيبه من التحول المنشود.

ووفقاً لمختصين تعليميين تحدثت إليهم «المجلة»،فإن الإدارة السعودية رصدت عبر رؤية المملكة 2030 جميع مشكلات التعليم السعودي من حيث قلة التركيز على المتعلم، وإهمال المهارات الفردية وضعف جودة المخرجات التعليمية، التي لا تواكب مدخلات سوق العمل، إلى جانب قلة تطوير الهيئات التدريسية، مضيفين أن ما ينتظر المنظومة التعليمية هو الإرادة الصلبة لتنفيذ البرامج ومتابعتها وقياس نتائجها.

 

النظرة إلى المعلم

عند انتشار التعليم في المملكة والتوسع في فتح المدارس، وبخاصة بعد الطفرة النفطية الأولى أواسط سبعينات القرن الماضي، كان هناك سعي حكومي هائل لرفد منظومات التعليم الوطني بالكوادر المحلية من باب توزيع الثروة، حيث إن وظيفة المعلم هي الأسهل والأكثر جاذبية من حيث الدخل وطول الإجازات، وبخاصة الصيفية، إلى جانب مزايا التقاعد وغيرها. لقد تطلبت المرحلة- بحسب صانع القرار- ضرورة توطين قطاع التعليم، واستيعاب الخريجين والخريجات من أهل البلاد في المدارس. وكان متخرجو الاختصاصات الأدبية والدينية هم الأسرع استيعاباً خلال عقود السبعينات والثمانينات بحكم الاهتمام بتلك الاختصاصات في الجامعات، وكان هناك ندرة في متخرجي اختصاصات المواد العلمية واللغة الإنجليزية، ولكن مع حلول العقد الأول من الألفية، أصبح المدرسون والمدرسات من المواطنين يدرسون جميع اختصاصات المواد العلمية والأدبية، باستثناءات قليلة.

وقد بدأت النظرة إلى المعلم تتغير، وبخاصة مع ما تصبو إليه رؤية المملكة 2030، فقد أصبح المعلم مزوداً للخدمات التعليمية، بمعنى فرض رخصة لممارسة التعليم والتأكد من أهلية المعلمين والمعلمات للقيام بوظيفة المعلم مع فرض تقييمات سنوية على الأداء وربطها بالمكافآت والأجور. لم تعد تلك الوظيفة المريحة التي يفضلها المواطنون والمواطنات بوصفها تأميناً للمستقبل؛ دون بذل الكثير من الجهد. ولذا صار لزاماً أن تصبح مساراً مهنياً، يرتقي بأصحابه عند تحسين الأداء والخروج منه عند عدم تلبية الشروط وتقديم الجهد الكافي، الأمر الذي يعيد إلى الابتكار والاجتهاد والتطوير الذاتي تألقه، مع عدم مساواة المعلم الجيد بالعادي أو السيئ، سواء في سلم الترقيات أو المكافآت. وليس أي شخص يحمل درجة البكالوريوس صالحا للعمل في مهنة التعليم، ما لم يواكب المهارات المطلوبة لممارسة المهنة.

تم إقرار مادة التربية البدنية للبنات، التي لطالما كانت محظورة

اللغة الإنجليزية والتفكير الناقد

يعاني معظم متخرجي المدارس الحكومية، من السعوديين وغير السعوديين، من ضعف في إتقان اللغة الإنجليزية، ويزيد من سوء الحال عدم وعي الأهالي بأهمية تعلم اللغات الأجنبية على تشكيل مستقبل الطفل، سواء في تعزيز فرص الدراسة الجامعية أو العمل لاحقاً.

إن عملية إدخال اللغة الإنجليزية، وربما البدء في إدخال لغات أخرى كالصينية أو الفرنسية أو الإسبانية أو اليابانية مثلاً، من الصف الأول الابتدائي، هو خطوة متقدمة في توسيع تعلم اللغة الإنجليزية. كما أن العقول الطرية للأطفال في سن السادسة أو السابعة، هي أكثر قدرة على تقبل اللغات الأجنبية وإتقانها مع وجود المعلمين المناسبين المؤهلين لذلك وربط الأمر باهتمام الأهل.

تحدثت «المجلة»إلى مختصين في تعليم الإنجليزية وكان ترحيبهم كبيراً بخطوة إدخال اللغة الإنجليزية إلى الصف الأول، مؤكدين أن الخطوة الأهم هي تزويد المدارس بمعلمين متخصصين في تعليم اللغات الأجنبية، قادرين على صناعة الفرق؛ حتى تؤتي الخطوة أكلها.

وأكدوا أن الخطوة التالية تكمن في تعزيز تعليم اللغات الأجنبية للمراحل ما قبل التعليم المدرسي مثل رياض الأطفال مع تكثيف النشاطات اللامنهجية وجمعيات اللغات الأجنبية في حصص النشاط المدرسي أو النشاطات الصيفية.

ويضيف الخبراء أن دخول اللغات الأجنبية في سن مبكرة يحفز على التنوع وقبول المختلف وتقبل الثقافات الأخرى بصدر واسع؛ بعيداً عن الأحكام المسبقة على المدى الطويل. كما أن تحول البلاد نحو تشجيع قطاع السياحة، يحتاج إلى تهيئة الكوادر اللازمة للعمل في القطاع ومعرفة الثقافات الأخرى بعمق أكبر.

أما بالنسبة للتفكير الناقد، فإن دخول المادة للمرة الأولى في تاريخ التعليم السعودي، خطوة ذات مغزى كبير، وبخاصة مع إتاحة تعليم الفلسفة. إنها كسر لجمود العقل باتجاه هضم الثقافة والسياسة والاقتصاد والدين وغيرها من مجالات الحياة، وتحليلها ومقارنتها واستيعابها والبحث في سبل التطور والنهوض؛ بعيداً عن القوالب الجاهزة والصور النمطية.

إن صياغة عقول جديدة قادرة على استيعاب المتغيرات والمساهمة في صناعة الواقع والمضي نحو المستقبل من جانب، والخروج من الصور النمطية وإطلاق الأحكام الثابتة وتعطيل الاجتهاد والابتكار وقبول الأشياء دون استيعاب، أمور أساسية للخروج بجيل جديد، قادر على قيادة مستقبل الابتكار وإطلاق الطاقات الخلاقة من أجل إيجاد نموذج تنموي فريد.

 

ماذا عن المستقبل؟

يتصفح نايف عبد الله، وهو مواطن سعودي في العقد الرابع، كتب أطفاله، ويقول إنها أشبه بألبوم مصور، يضع المعلومات في صيغة تشويقية، سهلة الهضم والاستيعاب، متذكراً الكتب العملاقة المليئة بالنصوص الضخمة وسرد المعلومات غير الجذاب عندما كان طفلاً.

إن دور السعودية الحالي يكمن في قيادة مستقبل التعليم في المنطقة، وضرب المثل في المنظومة التعليمية الفعالة، ورفع ترتيب المؤسسات التعليمية في المؤشرات الإقليمية والعالمية.

كما أن إعادة النظر في السياسات القديمة وإيجاد مسارات لتسريع أو اختصار سنوات التعليم للطلبة المتفوقين، وكذلك إشراك الأهالي بشكل أكبر في التكامل بين البيت والمدرسة، إلى جانب تعزيز النشاطات والمهارات الحياتية مثل التفاعل الاجتماعي والتعاطف والدخول في منظومات العمل الجماعي، وكذلك استشعار مهارات الطلاب في مجالات العلوم والفنون والموسيقى والرياضة وتوجيهها نحو حواضن الإبداع، سوف يختصر على البلاد سنوات طويلة في ملء الاحتياجات المستقبلية للبلاد.

كما أن التحول نحو 3 فصول دراسية، بدلاً من فصلين حالياً، هو أحد السبل لإكساب المتعلمين والمتعلمات قيم الجدية في العمل واحترام الوقت، مما سينعكس على الأجيال المقبلة من الوافدين إلى سوق العمل، ومواءمة قيم سوق العمل الخاص مع قيم الأفراد، سيما أن المملكة تعول على النمو في وظائف القطاع الخاص والمبادرة الفردية وريادة الأعمال، وليس القطاعات الحكومية التي تشبعت منذ زمن طويل.