القضية الفلسطينية بين الاستقلالية وتعدد التبعية

أعادت انتفاضة المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح بالقدس الشرقية القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام السياسي والدبلوماسي والإعلامي العالمي، ونجحت في توحيد صفوف الشعب الفلسطيني وتذويب الخلافات والفوارق ولو مؤقتا بين مختلف فصائله ومكوناته أيا كانت أماكن تواجدها في الضفة الغربية، في قطاع غزة، في الشتات ومخيمات اللاجئين وحتى داخل الخط الأخضر.

وفي فورة تنامي التعاطف الدولي مع هذه الانتفاضة وشبابها، الذي بدأ يتخذ أشكالا متعددة، مقتحما مدنا وعواصم كانت إسرائيلية الهوى، وفاضحا زيف الادعاءات الإسرائيلية، جاء دخول حركة حماس للمعركة بصواريخها المنهمرة على المدن والبلدات الإسرائيلية كطوق نجاة للحكومة اليمينية المتطرفة في تل أبيب، التي سارعت إلى استغلال هذا المعطى والعمل على تحويل الدولة العبرية من معتدية إلى ضحية.

كانت حركة حماس تدرك أن مشاركتها المسلحة ستؤلم إسرائيل قليلا فقط، وستفرض على سكانها الاختباء مؤقتا في الملاجئ، ولكنها ليست كافية على الإطلاق لتغيير معطيات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وطبيعة الوقائع على الأرض بشكل يرغم حكومة نتنياهو على الرضوخ لقواعد القانون الدولي والدخول في مفاوضات جادة للبحث عن تسوية عادلة وشاملة تضمن للشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره وبناء دولته المستقلة في حدود 4 يونيو (حزيران) 1967.

ورغم هذا الإدراك، فإن حماس أصرت على دخول هذه المواجهة المسلحة المباشرة وغير المتكافئة مع إسرائيل، وواصلت المغامرة التي كلفت ساكنة قطاع غزة ثمنا باهظا تمثل في تدمير عشرات البنايات والمنشآت الحيوية، وفي تشريد آلاف الأسر، ناهيك عن مئات الضحايا والمعطوبين.

لقد كان منطق الأمور يقتضي من حركة حماس دعم الانتفاضة المسالمة لسكان القدس بأشكال نضالية شعبية وسلمية، خاصة تلك التي اشتهر بها سكان القطاع في السنوات الأخيرة مثل مسيرات العودة الرمزية، وتظاهرات البالونات على السياج الحدودي، ودعوة مناضليها في الضفة والمتعاطفين معها من داخل مناطق الخط الأخضر للانضمام للانتفاضة الشعبية.

ولا شك أن الأمر بهذا الشكل كان سيضاعف مستوى إحراج إسرائيل على الساحة الدولية ويعري وجهها الاستعماري السافر أمام العالم أجمع، خصوصا وأن الانتفاضة كسبت معركة الصورة ووسائل التواصل الاجتماعي. ولكن قادة الحركة فضلوا خوض مغامرة عسكرية بناء على توجيهات وربما أوامر من جهات إقليمية يدينون لها بالولاء والطاعة أرادت استخدامهم والزج بهم كأداة من أدواتها الميليشياوية التي تستعرض من خلالها قوتها ونفوذها بحثا عن ترسيخ عدم الاستقرار في المنطقة، واستغلالها في ملفاتها التفاوضية.

إن هذا التعنت الذي لم تعد دوافعه خافية أعاد إلى واجهة النقاش فلسطينيا وعربيا موضوع مدى استقلالية القضية الفلسطينية عن غيرها من قضايا المنطقة الملتهبة والشائكة أيضا، وعن النزاعات المستعرة والمستترة فيها. فالمعروف أن هذه الاستقلالية مصحوبة باستقلالية القرار الفلسطيني ضمن الهياكل المنظمة لنضال الشعب الفلسطيني كانت الهم الدائم لدى الرئيس الراحل ياسر عرفات منذ تمكنه من انتزاع اعتراف جامعة الدول العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني في قمة الرباط سنة 1974.

أمضى الرئيس عرفات فترة طويلة من حياته السياسية مدافعا عن استقلالية القضية الفلسطينية بمنأى عن بقية المشاكل العربية، محاربا رغبة العديد من الأنظمة العربية والدول الإسلامية الإقليمية بالتدخل في تطورات القضية ومحاولة التحكم في مسارها ومصيرها.

ومن واقع التجارب التي عاشها، والمواجهات التي خاضها في هذا الإطار، كان الرئيس أبو عمار متأكدا من أن الجميع متعاطف ومتضامن مع القضية الفلسطينية ولا أحد يشكك في عدالتها ولا في ضرورة إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني؛ ولكنه كان يصنف تعامل الدول العربية والدول الإسلامية المنتمية لإقليم الشرق الأوسط مع قضية شعبه استنادا على طبيعة الدعم الممنوح لها إلى ثلاثة أنواع:

* نوع يقدم مساعدات مالية وعينية، ودعما دبلوماسيا بطريقة عفوية وعن طريق مؤسسات منظمة التحرير الشرعية بدون أي حسابات سياسية، ولا سعي لتوظيف القضية لأهداف أخرى داخلية أو إقليمية. وقد كان يصنف في هذه الخانة معظم دول الخليج والمغرب ومصر بعد اتفاقية كامب ديفيد، ثم الأردن بعد قرار فك الارتباط المتخذ سنة 1988.

* نوع يدعم ويساند فصيلا أو فصائل داخل منظمة التحرير تقيم عنده أو تتماهى مع سياساته ساعيا إلى تقوية حضورها وتوسيع نفوذها رغبة منه في التأثير على القرار الفلسطيني المستقل أو مصادرته إن أمكن. وفي رأيه كان النظام السوري هو خير ممثل لهذا النوع.

* نوع ثالث لم يخف أبدا رغبته في مصادرة القضية الفلسطينية نفسها واحتكارها كورقة مساومة لديه في صراعاته الإقليمية عبر دعم فصائل فلسطينية غير منتمية لمنظمة التحرير تدور بصفة خاصة في فلك تنظيمات دينية عابرة للحدود. وهذا ما تسعى إليه إيران وبدرجة أقل تركيا من خلال حركة حماس والجهاد الإسلامي أيضا.

والواضح أن حركة حماس تلعب باقتدار دور شماعة للقوى الإقليمية الراغبة في التدخل في الشأن الفلسطيني، فقد أنساها انصياعها الأعمى لتوجيهات حلفائها المتشحين برداء إسلامي وانغماسها في مغامراتهم الإقليمية ضرورة التساؤل لماذا تم الزج بها دون غيرها من ميليشيات المنطقة في أتون معركة أكبر من معركة الشعب الفلسطيني؟ ولماذا أحجم من يسمون أنفسهم بمحور المقاومة والممانعة عن فتح جبهة أخرى ضد إسرائيل تنفس قليلا عن قطاع غزة؟ فهل تأتيها حكمة التساؤل بعد هدوء العاصفة؟