المعادن النادرة... بُعد جديد في الصراع الأميركي- الصيني

معركة اقتصادية على الريادة العالمية
محادثات بين الولايات المتحدة والصين في فندق الكابتن كوك في ألاسكا، 18 مارس 2021

باكو: لم يكن جديدا أن تشتعل الحروب والمعارك من أجل الحصول على الثروات والموارد الطبيعية الموجودة في الأرض، وإنما الجديد هو طبيعة هذه الموارد أو الثروات التي تدور حولها هذه المعارك وتلك الحروب، فإذا كان الصراع قديما بين بني البشر كان يدور حول العشب والحصول على المساحات الصالحة للزراعة وقربها من موارد المياه، فقد توسع هذا الصراع مع اكتشافات المعادن الثمينة مثل الذهب والفضة، وهو ما ينطبق أيضا على اكتشافات النفط والغاز، حيث اندلعت الصراعات واشتعلت الحروب حول المناطق الغنية بتلك الموارد، وهو ما يعنى أن دوائر الصراع على الثروات والموارد تزداد حلقاتها مع كل اكتشافات جديدة دون أن يقلل ذلك من أهمية الاكتشافات السابقة، فإذا كان الصراع قد بدأ حول العشب وموارد المياه، فلم تغن الاكتشافات المتتالية عن استمرار هذا الصراع، يدلل على ذلك ما يجرى في كثير من مناطق العالم من صراعات حول توزيع المياه العذبة، على غرار ما هو موجود في منطقتنا العربية (الصراع حول نهر النيل، والصراع حول نهرى دجلة والفرات...).

ومن نافل القول أن التكنولوجيا الحديثة بمنتجاتها المتطورة قد أضفت أهمية خاصة على بعض الثروات المعدنية الكامنة في باطن الأرض والتي تعرف بالمعادن الأرضية النادرة، حيث اعتمدت عليها اعتمادا كليا، فقد أضحى من المستحيل أن يكون لدينا أحد هذه المنتجات التكنولوجية دون استخدام مثل هذه المعادن، فهي تُستخدم في كل شيء بدءاً من الصواريخ مروراً بتوربينات الرياح، والأجهزة الطبية، والأدوات الكهربائية، والهواتف المحمولة، وصولا إلى محركات السيارات الهجينة والكهربائية.

وإذا كان من الممكن العثور على مثل هذه المعادن النادرة في مختلف أنحاء العالم إلا أنه من الصعوبة بمكان أن يوجد في الدول احتياطيات بتركيزات عالية، أو أن يكون لديها القدرة على استخراج هذه المعادن وتطويرها وتوسيع استخداماتها، هو ما جعل الصراع للسيطرة عليها وتملكها يكاد ينحصر بين القوتين الأقوى اقتصاديا؛ الصين والولايات المتحدة الأميركية. وإن كانت الكفة أكثر ترجيحا للصين، كونها هي القوة المهيمنة على سوق هذه المعادن والمتحكمة في سلاسل التوريد؛ فهي أكبر منتج وأكبر مصدر ولديها أكبر احتياطي، إذ يُقدر حجم انتاجها عام 2020 بحوالي (140 ألف طن) بنسبة 58 في المائة من الإنتاج العالمي المُقدر بنحو 240 ألف طن، فضلا عن امتلاكها لاحتياطي يُقدر بحوالي 44 مليون طن من إجمالي الاحتياطي العالمي المُقدر بحوالي 120 مليون طن طبقا لتقديرات عام 2020، وهو ما دفع الولايات المتحدة لتكثيف جهودها لإنهاء الهيمنة الصينية على سوق هذه المعادن، من خلال اتخاذ خطوات واسعة للنهوض بسلسلة توريد المعادن الأرضية النادرة، وتطوير بدائل لتعدين هذه العناصر، إذ يبلغ الإنتاج الأميركي من هذه المعادن حوالي 38 ألف طن متري بما يشكل 16 في المائة من إنتاجها.

ولذا تتسع دائرة الحرب الاقتصادية والتجارية بين البلدين بإضافة المعادن الأرضية النادرة إلى حلبة الصراع والتنافس التي تزداد وتيرته وتتشعب مجالاته، وهو ما يستعرضه هذا التقرير من خلال أربعة محاور على النحو الآتي:

 

سبائك النيوديميوم قبل أن يقوم عمال بسحقها في مصنع تابع لشركة Neo Material Technologies Inc. في تيانجين، الصين (غيتي)

 

أولا: المعادن الأرضية النادرة....التعريف والأهمية

لم يكن مصطلح المعادن الأرضية النادرة مألوفًا لدى غير المتخصصين في مجالات الكيمياء والجيولوجيا والهندسة، وذلك حتى أواخر القرن الماضي، ولكن مع ظهور التكنولوجيا الحديثة، اكتسبت هذه المعادن زخما كبيرا بسبب خصائصها الفريدة واستخداماتها المهمة. وإذا كان صحيحا أن هذه المعادن ليست نادرة حقا كما يبدو من اسمها، إذ تشير هيئة المسح الجيولوجي الأميركية بأنها «وفيرة نسبيا في القشرة الأرضية»، إلا أنه نظرا لطبيعة الاختلاف بين هذه النوعية من المعادن والمعادن الأخرى ترجع إلى كونها أكثر صعوبة في التعدين، لأن احتمال وجودها بتركيزات عالية بما يكفي للاستخراج الاقتصادي ضئيل، كما أن عمليات استخراجها ومعالجتها وتكريرها شديدة الصعوبة. وتشمل قائمة هذه المعادن النادرة 17 عنصرا تنقسم إلى مجموعات فرعية خفيفة وثقيلة على أساس أوزانها الذرية، هي: اللانثانوم، والسيريوم، والبراسيوديميوم، والنيوديميوم، والبروميثيوم، والسماريوم، واليوروبيوم، والجادولينيوم، والتربيوم، والديسبروسيوم، والهولميوم، والإربيوم، والثوليوم، والإيتربيوم، واللوتيتيوم، والسكانديوم، والإيتريوم.

وتكتسب هذه النوعية من المعادن أهميتها من دخولها في كثير من الصناعات كما سبقت الإشارة، حيث يتم فصل العناصر الأرضية النادرة بشكل فردي إلى أكاسيد ومعادن، وأخيرا مغناطيسات تُستخدم في كل السلع التكنولوجية، من الصواريخ إلى توربينات الرياح والأجهزة الطبية والأدوات الكهربائية والهواتف المحمولة ومحركات السيارات الهجينة والكهربائية، وحتى أبسط المنتجات تحتوي على عناصر أرضية نادرة. كما يتجلى استخدام هذه المعادن في السيارات الحديثة، وهي واحدة من أكبر مستهلكي منتجات المعادن النادرة، كما تستخدم في العشرات من المحركات الكهربائية، حتى البنزين أو وقود الديزل الذي يدفع السيارات يتم تكريره باستخدام محفزات تكسير المعادن النادرة التي تحتوي على اللانثانوم أو السيريوم أو أكاسيد المعادن النادرة المختلطة. بالإضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام وأجهزة الاتصال الحديثة- الهواتف المحمولة وأجهزة التلفزيون وأجهزة الكمبيوتر- تستخدم جميعها عناصر معدنية نادرة كمغناطيس لمكبرات الصوت ومحركات الأقراص الثابتة والفوسفور لشاشات العرض الضوئية. فضلا عن ذلك، تعتبر بعض الدول المعادن الأرضية النادرة ضرورية للاستخدام في تقنيات الدفاع، حيث تشمل الاستخدامات العسكرية نظارات الرؤية الليلية، والأسلحة الموجهة بدقة، ومعدات الاتصالات، ومعدات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، وغيرها من الأجهزة الإلكترونية الدفاعية، كما أنها تُعد مكونات أساسية لصنع السبائك شديدة الصلابة المستخدمة في المركبات المدرعة والقذائف.

العناصر الأرضية النادرة هي مواد خام لا غنى عنها للعديد من التقنيات الرئيسية للمنتجات الإلكترونية إلى المعدات الطبية (غيتي)

ثانيا: ميانمار... نموذجاً للصراع الأميركي الصيني على المعادن النادرة

في خضم المعركة التي تستعر حاليا بين الولايات المتحدة الأميركية والصين حول هيمنة الأخيرة على سوق المعادن الأرضية النادرة، تبرز الأزمة في ميانمار كنموذج للصراع بين البلدين، خاصة في ظل ما تتمتع به ميانمار من مكانة متميزة في سوق صناعة هذه المعادن النادرة، إذ تحتوي على نصف الخامات الأرضية النادرة في العالم، ويتم تصدير ثروتها المعدنية النادرة الثقيلة إلى الصين؛ لاستخراجها ومعالجتها، ثم يتم تصديرها إلى العالم، وهو ما دفع الصين إلى الحرص على إبعاد النفوذ الأميركي عن ميانمار حيث تعد مصدرا رئيسا لواردات الصين من هذه المعادن، فقد ارتفعت واردات الصين من هذه المعادن من ميانمار بنسبة 23 في المائة عن عام 2019، لتصل إلى حوالي 35500 طن عام 2020، بما يمثل 74.39 في المائة من إجمالي الواردات.

ومن ناحية أخرى، سعت الصين في البحث عن مصادر أخرى لاستيراد هذه النوعية من المعادن، فكان التوجه الصيني صوب ماليزيا وفيتنام ولاوس وكمبوديا، حيث تعتمد على وارداتها من  ماليزيا بنسبة 17.06 في المائة، وفيتنام بنسبة 4.46 في المائة.

وجدير بالذكر أن توجه الصين في البحث عن مصادر جديدة لهذه النوعية من المعادن ليست بالأمر السهل، فعملية نقل سلاسل التوريد تتطلب الكثير من الجهود، كما أن هناك الكثير من عدم اليقين وعوامل غير مستقرة تحيط بالإمدادات الجديدة من تلك المصادر المحتملة، وهو ما دفع الصين إلى تدخلها لوقف تدهور الأوضاع في ميانمار، إدراكا لحجم المخاطر التي تواجهها مع عرقلة التوصل إلى سلام، وهو ما يشير إليه التقرير الصادر عن شركةSoochow Securities، حيث ذكر أن العناصر الأرضية النادرة المتوسطة والثقيلة من المحتمل أن تتأثر أكثر بسبب الاضطرابات السياسية في ميانمار، والتي قد تؤثر على المناجم؛ مما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج أو توقفه تمامًا؛ وهو ما تعقبه إعاقة عمليات شحن المواد الخام من ميانمار إلى الشركات الصينية.

 

ثالثا: أفريقيا... فرص استثمارية واعدة للمعادن النادرة

لم يكن من الممكن أن تظل القارة الأفريقية بعيدة عن ساحات الصراع والتنافس حول هذه النوعية من المعادن النادرة، وذلك في ضوء ما تحويه أراضي القارة الأفريقية من ثروات عديدة وموارد متنوعة، من بينها المعادن الأرضية النادرة، حيث يمكن النظر إلى أفريقيا على أنها البديل الأنسب من وجهة نظر البعض للحد من الهيمنة الصينية على هذه النوعية من المعادن، حيث تم تحديد عدد من دول جنوب وشرق أفريقيا لديها رواسب عالية الجودة وكبيرة من المعادن الأرضية النادرة، لجعل استغلال التعدين بها مجديًا اقتصاديا، وتزويد حكوماتها وشعوبها بفرص اقتصادية جديدة، وتشمل هذه البلدان كلا من: ناميبيا وجنوب أفريقيا وكينيا ومدغشقر وملاوي وموزمبيق وتنزانيا وزامبيا وبوروندي.

ولكن رغم توافر هذه المعادن النادرة إلا أنها في المدى القريب لن تستطيع منافسة الصين المقدر أن يصل إنتاجها من المعادن الأرضية النادرة إلى 1.5 مليار دولار أميركي بحلول عام 2027، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 11.1 في المائة، في حين تفتقر معظم دول القارة إلى الإمكانات المالية المطلوبة لزيادة مشروعات الاستكشافات من ناحية، واستمرار حالات عدم الاستقرار في كثير من دول القارة من ناحية أخرى وهو ما يخلق حالة غير جاذبة للاستثمار.

منشأة التعدين والمعالجة الأرضية لشركة Molycorp Inc. في ماونتن باس، كاليفورنيا، الولايات المتحدة (غيتي)

رابعا: المعادن النادرة والطاقة النظيفة

في خضم زيادة المنافسة العالمية على سوق المعادن النادرة، كشفت التوقعات عن أن هذه السوق ستنمو ليصل إلى حوالي 9 مليارات دولار أميركي بنهاية عام 2025، مقابل 5 مليارات دولار أميركي في عام 2020. كما أنه من المتوقع ارتفاع حجم إنتاج أكسيد الأرض النادر على مستوى العالم- باستثناء الصين- من 41.8 ألف طن عام 2019 إلى 94.0 ألف طن عام 2024. أما على صعيد استخدام المعادن النادرة في الصناعات التحويلية، فمن المتوقع أن يتم استخدام ما يقرب من 32 في المائة من إجمالي استخدامات المعادن الأرضية النادرة في إنتاج الزجاج خلال 2028، ونحو 21 في المائة في إنتاج المحفزات، و17 في المائة في إنتاج المغناطيس.

ولكن هذه الاستخدامات المتعددة والمتنوعة لن تغني عن أهمية الاستفادة من هذه النوعية من المعادن في مجال حماية البيئة ومواجهة تحديات التغيرات المناخية، وذلك سعيا لتحقيق الهدف السابع من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، المتمثل في حصول الجميع على طاقة نظيفة وموثوق بها وبأسعار معقولة. ويتطلب الاعتماد على تقنيات الطاقة النظيفة توافر المعادن المهمة، مثل: النحاس، والليثيوم، والنيكل، والكوبالت، والمعادن الأرضية النادرة.

ويذكر أن أنواع الموارد المعدنية المستخدمة في الطاقة النظيفة تختلف وفقًا للاستخدام، فيعتبر الليثيوم والنيكل والكوبالت والمنجنيز والغرافيت من العناصر الأساسية للبطاريات، أما المعادن الأرضية النادرة فهي ضرورية للمغناطيس الدائم الضروري لتوربينات الرياح ومحركات السيارات الكهربائية، وبالنسبة للنحاس والألومنيوم فإنه يتم استخدامهما في شبكات الكهرباء. وتشير التقديرات في هذا الخصوص إلى أنه من المتوقع أن يرتفع استخدام المعادن الأرضية النادرة في إنتاج الطاقة النظيفة، ليصل إلى أكثر من 40 في المائة خلال عام 2040، مقابل أقل من 20 في المائة عام 2010.

جدوى القول أن الصراع الذي تشهده سوق المعادن الأرضية النادرة بين الصين وهيمنتها والولايات المتحدة وطموحاتها، يمثل حلقة جديدة من حلقات التنافس على إدارة النظام العالمي بين قطب لا يزال يتربع على قمته وإن واجه تحديات عدة متمثلا في الولايات المتحدة، وقطب صاعد يسعى إلى حجز مكان له في قمة النظام يتمثل في الصين، وقطب عائد يسعى إلى استعادة مجد تحقق في أوائل منتصف القرن المنصرم يتمثل في روسيا الاتحادية. وإن كان التنافس الأميركي الروسي يركز على الابعاد السياسية والأمنية والعسكرية، فإن التنافس الأميركي الصيني يركز بدوره على الأبعاد الاقتصادية والعسكرية، وهو ما يجعل من الثروات التعدينية ساحة جديدة للتنافس الأميركي الصيني خاصة إذا كانت هذه الثروات هي معادن نادرة لا يمكن إنتاج أية منتجات تكنولوجية دونما الاعتماد عليها بشكل أساسي.