الفنانة سميرة عبد العزيز لـ«المجلة»: غياب الدولة ساعد بشكل كبير على سيطرة القطاع الخاص بإنتاج فن غير هادف

القاهرة: تحدثت الفنانة سميرة عبد العزيز الممثلة القديرة والنائبة البرلمانية في مجلس الشيوخ المصري لـ«المجلة» عن أن غياب الدولة في دعم الفنون وبالخصوص المسرح والسينما، ساعد بشكل كبير في سيطرة القطاع الخاص على الإنتاج بصفة عامة، الأمر الذي جعل ما يقدم في السينما والمسرح مجرد سلعة تهدف للربح فقط، بغض النظر عن الرسالة التي يقوم بها الفن في توعية الشعوب والارتقاء بالأخلاق، والدليل على ذلك ما نشاهده الآن في الدراما من العنف واللهو دون رسالة واضحة يقدمها الفنان.

ممثلة مصرية. بدأت مسيرتها الفنية في إذاعة الإسكندرية، بعد أن حصلت على بكالريوس تجارة ثم بكالوريوس الفنون المسرحية.

ومن أشهر البرامج الإذاعية التي شاركت فيها الفنانة سميرة عبد العزيز، برنامج «وقال الفيلسوف»، الذي يذاع منذ عام 1975 و حتى اليوم، ليكون بذلك أقدم برنامج مستمر في الإذاعات العربية حتى اليوم.

شاركت الفنانة سميرة عبد العزيز في كثير من الأعمال المسرحية، مثل: «وطني عكا»، «قولوا لعين الشمس»، «صلاح الدين الأيوبي»، «بعد أن يموت الملك»، «حبيبتي شامينا»، «الزفاف»، «إيزيس»، «أنطونيو وكليوباترا»، «رجل في القلعة»، وفي المسرح التجريبي: ترنيمة- مخدة الكحل، التي نالت الجائزة الكبرى في المهرجان التجريبي ومهرجانات قرطاج وسراييفو ومارسيليا.

كما شاركت في العشرات من المسلسلات التلفزيونية الناجحة، من أشهرها: «ليلة سقوط غرناطة»، «الفرسان يغمدون سيوفهم»، «ليلة مصرع المتنبي»، «ضمير أبلة حكمت»، «إمام الدعاة»، «بوابة الحلواني»، «أم كلثوم»، «القضاء في الإسلام».

ولم تهمل الفنانة سميرة عبد العزيز، فكانت لها مشاركات متميزة على الشاشة الكبيرة، مثل: «إعدام قاضي»، «حليم»، «ميكانو».

وقد نالت الفنانة القديرة عددا كبيرا من الجوائز، من بينها: كأس التفوق في التمثيل من الرئيس جمال عبد الناصر، وجائزة التمثيل الأولى من التلفزيون عن دورها في «أم مثالية»، وجائزة التفوق من اتحاد الإذاعات العربية، وجائزة الالتزام في استفتاء جريدة الجمهورية، كما اختيرت عام 1993 كأحسن ممثلة إذاعية، وحصلت على جائزة الإبداع مرتين من مهرجان الإذاعة والتلفزيون وعلى الميكروفون الذهبي من البرنامج العام بالإذاعة.

حول دور الفن في المسرح والسينما والتلفزيون في المجتمع ومدى تأثيره على وعي الشعوب قديما وحاليا، كان هذا الحوار مع الفنانة القديرة سميرة عبد العزيز..

 

* بعد أن كنا نقوم بعمل نحو 8 مسرحيات سنويا وصلنا الآن إلى مسرحيتين في السنة والسبب في ذلك خفض الدعم المقدم للمسرح القومي

 

* هل تراجع المسرح المصري؟

- تراجع المسرح المصري ولكن بشكل بسيط، وأسباب ذلك عديدة وعلى رأسها ظهور التلفزيون الذي أثر بشكل كبير على رواد المسرح، لأنه يقدم بعض المسرحيات على الشاشة ومن ثم أصاب البعض نوع من أنواع الكسل، وفي نفس الوقت لم يؤثر التلفزيون على محبي المسرح الذين دائما نراهم في الصفوف الأولى في الصالة، لكن هؤلاء أيضا لم يكونوا بالكثافة التي كانت عليها عروض المسرحيات.

ومن الأسباب التي أدت إلى تراجع المسرح ابتعاد الدولة عن دعم المسرح كما كانت تفعل من قبل، ولأنني من عشاق المسرح، فعند سماع تصفيق الجمهور أشعر بأنني أستمع إلى أجمل سيمفونية، لأن المسرح أقرب الفنون إلى قلبي، ومنذ بدايات دخولي في التمثيل، شاركت في مسرحية بجامعة الإسكندرية في أسبوع شباب الجامعات، وتسلمت الجائزة من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.. والآن أشعر بالحزن بسبب تراجع دور الدولة المصرية في الإنفاق على المسرح وظهر ذلك في المسرح القومي، بعد أن كنا نقوم بعمل نحو 8 مسرحيات سنويا وصلنا الآن إلى مسرحيتين في السنة والسبب في ذلك خفض الدعم المقدم للمسرح القومي مع عزوف الجماهير عن الذهاب إلى المسرح. كل هذا ساعد بشكل كبير على تراجع دور المسرح، أيضا غياب المسرح المتنقل الذي كان يجوب البلاد والقرى والنجوع وكان سببا رئيسيا في ظهور عدد كبير من الفنانين.

 

* كيف ترين إقبال الجمهور على آخر مسرحياتك، هل كان ضعيفا؟

- على العكس، برغم تراجع المسرح بشكل كبير إلا أن هناك جمهورا ما زال يتردد عليه، وكانت المقاعد كلها كاملة نتيجة موضوع المسرحية، وقد شاهدت تفاعل الجمهور مع الرواية التي كانت بعنوان «الوصية» قمت فيها بدور «أم الشهيد»، وأنا سعيدة للغاية بمشاركتي في هذا العمل، وأريد أن أحمل البندقية وأذهب مع هؤلاء الأبطال للكفاح ضد الإرهاب في سيناء وأتمنى من كل شاب من شبابنا أن يشاهد المسرحية لأن هذا العمل تكريم لكل الشهداء وقد شاهد العرض عدد كبير من الفنانين وعلى رأسهم سيدة المسرح العربي سميحة أيوب، والفنانة لقاء سويدان، والفنانة وفاء سالم، والمخرج عمرو عابدين، والمخرج عمر زهران، بخلاف عدد من الإعلاميين. والعرض من تأليف أيمن سلامة، ومن إخراج خالد جلال، ويعرض على خشبة المسرح القومي، وذلك ضمن مبادرة «اعرف جيشك» التي يتبناها البيت الفني للمسرح، للتعريف بإنجازات القوات المسلحة المصرية ورفع الوعي بأهمية دورها في حماية الوطن من خطر الإرهاب، والعرض عن قصة الشهيد محمد المعتز رشاد أحد مقاتلي القوات المسلحة البواسل، والذي استشهد بمدينة رفح عام 2015 .

 

* هل ما زال الفن والفنان يشكلان وعي الشعوب؟

- الفنان له دور في تشكيل الوعي المجتمعي وإظهار السلبيات أمام المسؤولين من أجل القضاء على تلك السلبيات وبالرغم من تراجع دور الفن والمسرح والسينما إلا أنه سيظل للفن دور في تشكيل الوعي والسلوك، فهناك الفن الهادف وهناك ما دون ذلك، حسب المحتوي المقدم، ولو لاحظنا ما يقدم الآن فهو عبارة عن لهو غير هادف للمجتمع، وانسحب البساط من تحت أقدام الفن الهادف مع تقلص دور الإذاعة التي كانت تقدم برامج تثقيفية ومسلسلات تشكل وعي المجتمع فعلا، وكان هناك اهتمام بالثقافة، لذلك فإن الجميع كان يعزف على وتر واحد ولا يغرد أحد خارج السرب، أما الآن فاستخدام التكنولوجيا الحديثة ساعد بشكل كبير على تراجع دور الفن وأصبح يقدم من خلال السوشيال ميديا أشياء بعيدة كل البعد عن الفن الحقيقي وشكلت ثورة الاتصالات عاملا رئيسيا في ذلك وأصبح المحمول بدلا من دور العرض.

 

* هل أثرت التيارات الدينية على الفن؟

- التيارات التي تستخدم الدين ستارا للوصول إلى أغراضها لم تشكل نسبة في التأثير على تراجع دور الفن وهذه التيارات طوال الزمن موجودة، وكنا نعمل في وجودها، وكانت هذه التيارات الظلامية موجودة وبشكل أكبر من هذه الأيام.. لكن ليس الفن وحده هو من يواجه هذه التيارات ولا بد من قيام كل مؤسسات المجتمع بدورها كل في مجاله وأنا من خلال عضوية مجلس الشيوخ المصري دائما أطالب بضرورة أن تكون هناك مواجهة فكرية مع هذه التيارات للقضاء على الإرهاب وعدم التغرير ببعض الشباب، مع ضرورة تقديم أعمال فنية جيدة لتقدم القدوة للشباب وترفع من وعيهم مثل مسلسل «الاختيار 2» وغيره من الأعمال التي تحمل علاجا لبعض الظواهر الموجودة الآن وعلى رأسها ظاهرة الإرهاب معتبرة أنه من الضروري وجود الحل الأمني في مواجهة الإرهاب لكن في نفس الوقت من الضروري أيضا قيام المؤسسات بدورها في هذه المواجهة.

 

* هناك ضرورة لعودة المسلسلات التاريخية التي كانت تقدم في شهر رمضان، لأن الناس في أشد الاحتياج إلى ذلك

 

* لماذا غابت المسلسلات التاريخية عن الدراما الرمضانية منذ سنوات؟

- بالطبع هناك ضرورة لعودة المسلسلات التاريخية التي كانت تقدم في شهر رمضان، لأن الناس في أشد الاحتياج إلى ذلك، والدليل على ذلك مسلسل «بوابة الحلواني» الذي مر علي عرضه سنوات عديدة وما زال الجمهور حينما تتم إعادة عرضه يجد إقبالا كبيرا والسبب في ذلك أن هناك معلومة تقدم للمشاهد وعملا جيدا، لكن غياب شركات الإنتاج والرواية الجيدة ساعد بشكل كبير على اختفاء مثل هذا النوع من المسلسلات ومع توقف الدولة عن الإنتاج تركت المساحة كاملة للتجار وشاهد ما يقدم الآن في دور العرض السينمائي أو المسلسلات التي تشاهد في رمضان. إن ما يقدمه القطاع الخاص هو عبارة عن «رقص وتنطيط» بالإضافة إلى العنف والبلطجة، لكن عندما كانت الدولة تقوم بدورها في دعم الفن من خلال الإنتاج، كان هناك مفكرون ولجان تتابع الأعمال الدرامية والتاريخية، ومن هنا أناشد الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة عودة الدولة للإنتاج، وما تقدمه الدولة في دعم الفن سيكون له نتائج كبيرة في بناء الإنسان المصري والمجتمع، لكن إذا ترك الأمر للتجار ستأتي النتائج العكسية مثلما نشاهد الآن في المسلسلات التي تقدم على الشاشات في رمضان حتى مسلسلات الإذاعة لم تعد موجودة.

 

* هناك من يرى أن هناك تراجعا في الذوق العام بسبب بعض الأعمال الفنية التي يتم تقديمها.. ما رأيك؟

- إن سيطرة التجار على سوق الإنتاج الفني ساعدت بشكل كبير على تراجع الذوق العام في مصر نتيجة المحتويات التي تقدم من خلال الأعمال الفنية بشكل عام، حيث زادت نسبة العنف بشكل كبير في المجتمع المصري وأن  معظم المواد الدرامية سواء في الأفلام أو المسلسلات وخاصة في رمضان تعرض مشاهد لتناول المخدرات والقتل والعري، فهل الشعب المصري أصبحت بيوته كلها فيها مخدرات وعري وانحراف، بالطبع هذه صورة مزيفة، لكنها تسيطر على أذهان المراهقين ويكون لها مردود في الواقع ويتأثر بها ويغذيها مشاهد الإثارة، وما ينشر الجريمة بين الأطفال وهذا مؤشر خطير ولا بد من الانتباه إلى ما يتم بثه فيها فالطفل الذي لا يعرف ما هي المخدرات أصبح يعرف أسماءها وكيفية تناولها؟ ومن يروج لها؟ ومما لا شك فيه أن شخصية الفنان أو الفنانة لها دور كبير في التأثير على المجتمع، لذلك فيما مضي كان الفنان مثقفا واعيا، أما الآن فإن ما يقدم يؤكد غياب الفنان المثقف.

 

* على الدولة أن تقوم بدورها في دعم الفنون بشكل عام ووقتها سنشاهد أعمالا جيدة، نظرا لما تمتلكه الدولة من خبرات ومفكرين

 

* وما الحل في مواجهة ذلك من وجهة نظرك؟

- الحلول للوضع الحالي سهلة جدا؛ أولها قيام الدولة بدورها في دعم الفنون بشكل عام وبالتالي سنشاهد أعمالا جيدة، نظرا لما تمتلكه الدولة من خبرات ومفكرين، ومسألة غياب الكتاب الكبار مثل نجيب محفوظ ويحيي حقي ويوسف إدريس يعوق الدولة عن القيام بدورها كلام غير صحيح؛ لأن لدينا كتابا عظماء ما زالوا موجودين، ولكن توقفوا عن العمل نتيجة لعدم الطلب عليهم، وعلى سبيل المثال الكاتب والروائي محمد السيد عيد، وكان يقدم روايات تاريخية، أيضا عبد الرحيم كمال.. وإذا قامت الدولة بدورها سيجبر القطاع الخاص على تقديم الجيد نتيجة المنافسة واختيار الموضوعات كما حدث في السابق، فهناك الخبرات المتراكمة في وزارة الثقافة والتلفزيون لديهم القدرة على فرز الصالح واستبعاد الفاسد.