المهم صلاحيات الطوائف!

يصف البنك الدولي، في تقرير صدر قبل أسبوع، الأزمة الاقتصادية التي يعرفها لبنان من بين الأسوأ منذ 150 عاما، والأسباب مهما تعددت من سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، بالإضافة إلى الأزمة الحادة التي خلفتها جائحة كورونا على اقتصاد لبنان، تؤكد أن سوء الإدارة ونظام المحاصصة الطائفي هما لبّ المشكلة الأساسي.

لكن لا أحد يكترث لهذه النقطة بالذات.

فالصراع السياسي الذي يحول دون تأليف الحكومة اللبنانية بعد ثمانية أشهر من تكليف الرئيس الحريري، أساسه يدور حول صراع الطوائف حول  صلاحيات وظائفها في الدولة: من يحق له تسمية الوزراء؟ من يؤلف الحكومة؟ ما هو دور رئيس الجمهورية في التأليف؟ من يحصل على الوزارات «السيادية»؟ كيف يسحب التكليف من المكلف؟ إلخ.

وفيما يجري هذا النقاش في الصحافة وفلك منصات التواصل الاجتماعي بين مختلف شرائح المجتمع، يشهد البلد عمليا انخفاض الناتج المحلي الإجمالي للبنان من حوالي 55 مليار دولار في عام 2018 إلى حوالي 33 مليار دولار في عام 2020، وانخفاض نصيب الفرد من الناتج المحلي بالدولار الأميركي بنحو 40 في المائة، كما أن 41 في المائة من الأسر تجد صعوبة في الحصول على الغذاء وتلبية احتياجاتها الأساسية الأخرى، وارتفعت نسبة الأسر التي تواجه صعوبات في الحصول على الرعاية الصحية، كما ارتفع معدل البطالة  إلى حوالي 40 في المائة. أما في مجال الهجرة فهناك أكثر من 100 ألف عائلة لبنانية تركت لبنان نهائيا في السنتين الأخيرتين، وهناك من ينتظر خبرا من سفارات تتيح لهم الهروب من هذا الجحيم. من البديهي القول إن من بين تلك العائلات التي هجرت بلاد الأرز اختصاصيين في الطب والعلم والهندسة على أنواعها وحرفيين سيفتقدهم لبنان حتما.

لكن صراع الطوائف وصلاحياتها يتفوق في عقل العامة على كل ما سبق

يظن اللبنانيون أن هناك شيئا ما سيأتي من الخارج، لينقذ البلد واقتصاده ويتكفل بإعادة الأموال المنهوبة للمودعين ويرمم العلاقات الطائفية من خلال اتفاق دولي ما، فتعود المياه لمجاريها، ويعود السياح بأعداد غفيرة للاستمتاع بالخدمات السياحية التي يقدمها البلد،  فتستعيد الطبقة السياسية نهج الفساد والمحاصصة كالمعتاد. ويا دار ما دخلك شرّ، كما يقول إخواننا في مصر.

لماذا؟ لأن لبنان رسالة سلام بين الطوائف وهمزة وصل بين الشرق والغرب. هكذا يظن جهابذة السياسة في لبنان.

وهذا يمكن أن يحصل ولو بنسب أقل بكثير مما كان في السابق، فها هم الأميركيون مثلا يدعمون الجيش اللبناني بأكثر من 200 مليون دولار، قد تشكل ميزانيته لأكثر من عام إذا ما اعتمد سعر الصرف الرسمي. وهناك أيضا أكثر من بلد أوروبي يريد الاستثمار في المرفأ وقطاع الاتصالات وقطاع الطاقة.

ولكن ما لا يتنّبه له اللبنانيون أصحاب تلك النظرة التفاؤلية المفرطة هو أن الدول من حولنا تتبدل وتزيد من قدرتها التنافسية إن كان لاستقطاب أكبر عدد من السياح أو حتى رؤوس الأموال ورجال الأعمال من خلال التسهيلات والابتكارات والخدمات المتطورة التي تقدمها لزائريها أو المقيمين فيها.

تترافق هذه المنافسة مع تطوير للبنى التحتية والتكنولوجية لتلك الدول لتساهم في استقطاب الناس والمال بشكل أكبر.

لبنان في هذا المجال أصبح متأخرا جدا عن تلك الدول، واللحاق بها يكاد يكون مستحيلا، خاصة مع هجرة الأدمغة وأصحاب الاختصاص منه.

ثم لبنان يمرّ بتلك الأزمة الحادة منذ سنتين تقريبا والمساعدات التي يحصل عليها هي في غالبيتها من أجل كبح جماح التدهور الاقتصادي والاجتماعي، وليس أبدا من أجل إنقاذ هذا النموذج/ النظام الذي يستميت البعض في الدفاع عنه. حتى المساعدات التي يمني لبنان النفس بالحصول عليها من بعض الدول هي مساعدات مشروطة ومرتبطة طبعا بمصالح تلك الدول الاقتصادية.

كما أن لبنان الرسمي على الأقل في حالة جفاء مع محيطه العربي والخليجي الذي كان من الممكن أن يساهم في تخفيف وطأة الأزمة الاقتصادية. للأسف هذا التوتر في العلاقات بين لبنان الرسمي ومحيطه عمره أكثر من عشر سنوات، وسيكون من الطبيعي أن يترك هذا تبعات حتى على مستوى العلاقات الشخصية من جفاء وعدم اكتراث أو اهتمام للبلد الذي كان محببا ومميزا عند العرب. فهناك رجال أعمال عرب لهم مصالح كبيرة في لبنان أعربوا عن رغبتهم في تصفية أعمالهم في لبنان لأنهم لا يريدون «وجع راس». أصبح لبنان للبعض مدعاة «للهم» ويفضلون الابتعاد عنه.

مع هذا كله ما يزال اللبناني يكابر. منهم من يظن أن لبنان في صلب مفاوضات فيينا بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وهناك من يظن أنه في قلب صراع الدول على غاز المتوسط، وإلى ما هنالك من نظريات لا تمت للواقع بصلة ولا لوزن تلك الجمهورية الصغيرة. فالواقع أن الدول المؤثرة في الواقع اللبناني لا تكترث لإفلاس فلسفة التوازنات الطائفية الخاصة بلبنان أو لهجرة المسيحيين عنه أو لانفصام  دستوره القائم على مبدأ التقاسم المذهبي فى الوظيفة وبنفس الوقت على مبدأ المساواة بين المواطنين، طالما أنه مستقر أمنيا نوعا ما. أما أن يكون النظام السوري هو سبب لهذا الاستقرار أم النظام الإيراني فهذا غير مهم لديهم.

في النهاية، من يدفع ثمن انفصام اللبناني عن الواقع، وتمسكه بتجربة فاشلة على أكثر من صعيد هو اللبناني الذي يريد أن يعيش في بلد علماني غير طائفي منفتح عادل يؤمّن فرص عمل لجميع أبنائه.

هذا اللبناني يترك البلد. أما الباقون بأكثريتهم فهم أنصار الزعيم الطائفي المتعصب والعنصري.