الحفلات والليالي الملاح في سوريا... ليس كل ما يلمع ذهباً

مدافع الموسيقى أمام مدافع الحرب
موظف DJ في أحد الملاهي الليلية وسط العاصمة دمشق

دمشق: على وقع الأضواء الملونة يمضي بعض السوريين سهراتهم كباقي الشعوب في دول العالم، فهنالك متسع للمتعة مهما كانت الظروف قاسية، حتى أيام الصخب، تحصل مدافع النور داخل البارات ومقاهي الرقص على فرصة أقوى من المدافع الحربية، حيث يمضون وقتاً بعيدا عن كل شيء، وفي مناسبات عدة، منها أعياد الميلاد أو احتفال شعبي معين أو رأس السنة، وفي الصيف تكون على الشاطئ كنوع من المتعة الإضافية التي يكتسبها من يكون قادرا على دفع المال.

ودوما ما كان الحديث يتم عن المحتفلين، داخل سوريا وتصوير جلساتهم وأحاديثهم بطريقة توضح تحسن الحالة لدى السوريين، على أنها استمرار للحياة مهما كثرت الجراح، لكن لليل السوري حكايات أخرى، عن أشخاص يعملون ضمن اختصاصات في المطاعم والبارات لإراحة الزبائن وإمتاعهم، إلا أن كلام ليلهم لا يمحوه نهارهم مثل الباقين.

غالبية الأعمال تتركز صباحا بالنسبة لمعظم الناس، في حين أن أعمال الفترة المسائية تتخصص ضمن وظائف محددة كسائق حافلة أو تاكسي، أو المطاعم والحانات، وتتنوع المهام في الأخيرة (شيف- نادل- نظافة- إدارة للمكان- المغنون- الموسيقيون- DJ)، وتختلف الأجور بحسب الأشخاص ومدتهم الزمنية في العمل وسيرتهم الذاتية وإن كانوا موظفين ثابتين أو بالحفلة في الليلة الواحدة.

 

نذير الكردي في أحد الملاهي الليلية في دمشق («المجلة»)

 

هواية وشغف موسيقي نحو العمل والسهر

يمضي نذير الكردي يومياته كما البعض ممن هم في الثلاثين في العمر، صباحه قبل 2020كان في العمل حيث عمل مخرجاً إذاعيا لثلاث سنوات، وقبلها كان عاملاً في شركة اتصالات يقوم بكتابة الإعلانات، في حين أن ليله لم يختلف منذ 2011حيث امتهن العمل على الـDJ، وأصبح ماهرا في إحياء السهرات ولديه كل التجهيزات الخاصة بعمله، حتى إن بعض متعهدي الحفلات أصبحوا يطلبونه لحفلات خارجية، بسبب طلب الزبائن.

يقول نذير: «لدي متسع من الوقت في الصباح، في حين أن الليل مليء بالعمل، وبعد أن أغلق المحل الذي كنت آتي إليه يومياً، بات العمل مختلفاً وكل يوم في مكان»، وهذا أمر غير مريح بالنسبة له، بسبب اختلاف الأجر من جهة، وقرب وبعد المسافة من جهة أخرى.

حال نذير يشبه غيره ممن يعمل في هذا المجال، حيث لا مكان للصباح إلا لشغل متعلق بالأوراق الحكومية، أو حاجة عائلية، وحفلة صباحية نسائية إن وجدت في الغالب، في حين أن الحصول على وظيفة أخرى في الصباح هي أشد ما يؤرق غالبيتهم، وذلك للحصول على دوام ثابت، وإراحة الجسد، ووضع معيشي ثابت بعيداً عن التخبطات التي تحدث في حال حدثت مشكلة في الليل أو إغلاق للمحل... إلخ.

يتحدث نذير عن بدايته، ليبين أنه امتهن هذا العمل فقط لإعالة أسرته، بسبب عائدها المرتفع، مقارنة بغيرها من الأعمال في سوريا، لكن قبل ذلك أراد إشباع رغبته بالعمل في مجال الموسيقى الإلكترونية غير المنتشرة في سوريا، ولولا معرفته الجيدة بالموسيقى لما استطاع أن يحقق جماهيرية ولو بسيطة بالنسبة لأقرانه، في حين أن المتعة التي تحدث في أماكن السهر، تعطي كماً كبيراً من المعنويات بالنسبة للشباب، الذين يحبّون إبراز ذواتهم، والحصول على الشهرة.

يجيد نذير الهندسة الموسيقية، والعمل على البرامج الموسيقية، ويعرف كيف يختار المناسب لكل حفلة، حتى إن فهمه الموسيقي استفاد منه في العمل الإذاعي لكونه استطاع إنشاء ملفات موسيقية متجانسة وانسيابية بين النغمات لتعطي المتعة أو الإحساس بالذوق الموسيقي لدى المستمع الإذاعي، وأشار إلى أن العمل للجمهور الإذاعي، أصعب عندما يكون واقفاً على المسرح ويرى الناس أمامه تعلو وترقص على اللحن أو الأغنية التي يلعبها.

 

هنالك «سيطرة»يشعر بها الـDJعندما تكون الناس أمامه، فعندما يجد أن الناس تعبت أو تريد الجلوس على مقاعدها، يعمل على موسيقى حماسية لتشعل الجمهور من جديد، والفرق صحيح، فهو يستطيع التحكم فيهم، على عكس الراديو الذي يجبره على وضع نفسه مكان الجمهور المستمع، كي يستطيع أن يتماشى مع كل الأذواق، ويحصل على متابعة أكثر لإذاعته عن غيرها، وطبعاً بالتعاون مع كل الفريق الموجود داخل الإذاعة.

غالبية العاملين في هذا المجال، غير مسجلين لدى نقابة الفنانين، وليس لديهم شهادات أكاديمية في هذا المجال، الأمر الذي يزعج البعض، حيث يعتبرون أن ما يقدمونه للجمهور يعتبر فناً، لأن الـDJلا يضع الأغاني والموسيقى خلف بعضها ضمن لائحة موسيقية واحدة، بل يضيف إليها المؤثرات الصوتية وألحان أخرى مرافقة تتكيف مع الجو العام داخل المحل أو في الإذاعة، كما أن البعض يذهب ليعمل على تأليف موسيقى بعيدا عن الآلات الحية، بل يعتمد على الأجهزة التي لديه، واضعاً علامات موسيقية بنفسه ولحناً آخر غير الموجود على النسخة الأصلية من الأغاني.

يرى أحد الـDJوالذي فضل عدم الإفصاح عن اسمه، أن «سرقة كلام الأغنية أو اللحن أو التوزيع الموسيقي، يكون عندما لا يتم الإعلان عن هذا الموضوع، أو كتابته في وصف الفيديو أو المقطع الصوتي إن أضيف على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن عندما يشار للمؤلف الأصلي والملحن، حينها يكون العمل فنياً جديداً بشكل آخر وبرأي فني آخر، وهنا يكمن جمال الفن».

هنالك «سيطرة»يشعر بها الـDJعندما يكون الناس أمامه، فعندما يجد أن الناس تعبوا أو يريدون الجلوس على مقاعدهم، يعمل على موسيقى حماسية لتشعل الجمهور من جديد

 في المصلحة «أبا عن جد»!

رشاد عصفور، اسم مستعار (43عاماً) ويعمل DJ، تتلمذ موسيقياً على يد والده أحد المنتجين القدامى للموسيقى والأغاني العربية، وكان لتسجيلاته حضور جماهيري في معظم البلاد العربية، لكن التطور الإنتاجي لم يسعفه كي يتابع، إلا أنه لا يزال محتفظاً بأرشيف ضخم من الإنتاجات الخاصة بالإضافة لموسوعة عالمية، تحفظ له اسمه كرقم صعب، لكنه سابق في عالم الفن.

يروي رشاد، أن «النجاح لا يكون بالبداية بل بالاستمرار، وهذا ما عجز عنه أبي، وعجزت أنا من بعده، فالإنتاج يحتاج إدارة للموارد المالية، ومعرفة كيف يجب أن يُنفق، وهذا ما لم يمتلكه أبي، فكثرة النجاحات التي حصلت في السابق، لم تنجه من السقوط»، ويشدد على كلمة السقوط المادي لا الفني، معتبراً أن الذائقة الموسيقية هي ما دفعته كي يتجه نحو الـDJفاستطاع اللعب بالموسيقى والأغاني وإنشاء مجموعات صوتية خاصة به، ليصبح على مستوى عالٍ من الفن، وبرر نجاحه، بكثرة الطلبات عليه لإحياء السهرات.

للحرب نصيب أيضاً في اتخاذ قرار السفر من أجل العمل، حيث إنه في بداية الأحداث في سوريا 2011لم يكن هنالك متسع للمتعة، وكانت أغلب الناس تخاف الخروج من المنزل بعد الساعة 8مساءً، فنادراً ما تُشاهد الحفلات أو السهرات سواء بدمشق أو غيرها من المحافظات، بعكس ما قبل الأزمة والتي كانت فيها البلاد مليئة بالسياح من جهة، والناس تعيش حالة من الوفرة المادية من جهة ثانية.

اتجه رشاد نحو بيروت، وعمل لمدة7  سنوات، منذ عام 2011إلى 2018في مجاله ضمن المطاعم و«البارات»، وكان دخله يكفيه كي يعيش حالة من الاستقرار، وينفق على ولديه الاثنين اللذين كانا في دمشق طيلة سنوات غيابه مع أمهم (طليقته)، حتى عاد لدمشق منتصف 2018ليعود ويعيش مع أولاده بعد أن قام بتجميع رأسمال جيد، لافتتاح مشروع أو استثمار في مطعم على سبيل المثال.

يقول رشاد: «الحالة المعيشية عند عودتي كانت جيدة، والأوضاع الاجتماعية تحسنت مقارنة بسنوات الحرب الأولى، وعملت لفترة كمدير للهواء في إحدى الإذاعات ونظمت لهم البرنامج الخاص بالموسيقى، ودربت عدداً من الأشخاص على طريقة الوصل الصحيح للأغاني وكيفية وضع الفواصل، وكل تلك الخبرة جاءت لمعرفتي بالموسيقى والتي تدربت عليها منذ طفولتي في استوديو والدي، وهنا يكمن الفرق بين الـDJ’sفي سوريا».

ويتابع: «لعل المهنة أصبحت كغيرها من المهن التي يستسهلها البعض ويجدونها ومردودها المادي جيدين مقارنة مع باقي الأعمال، بالإضافة لأجوائها المميزة، وهذا ما سبب مشكلة في المجال، وليس كل من لديه (عدة) يستطيع العمل، فهنالك حاجة لمعرفة الموسيقى وأنواعها، كي تلعب بحسب الحاجة والضرورة وشكل الحفلة أساساً».

وعن الوضع المادي، للعاملين في هذا المجال، يبين رشاد أن الحالة الاقتصادية أصبحت خيالية، فما جئت لأجله منتصف 2018كان مختلفاً عما حصل، حيث ارتفعت الأسعار بشكل جنوني، والمدخرات التي جمعتها، أنفقتها، والحفلات انخفضت نسبتها نتيجة للوضع الاقتصادي، ولعب وباء كورونا دوراً في تجميد العمل نتيجة منع التجمعات، ولم يتوقف الأمر عليّ فقط، بل على جميع العاملين في المطاعم وأماكن السهر».

 

هل من مساواة بين الجنسين

لم يقف الأمر عند الذكور فقط، فالنساء لهنّ نصيب في ممارسة دور الـDJأيضا لكن مع اختلافات بسيطة في الأماكن التي يلعبن فيها الموسيقى، وهنالك نوعان الأول ممن أجبرتهنّ وظائفهن على لعب الدور، والثاني اتجهنّ إليها امتثالا لرغباتهنّ الشخصية وحبهنّ للموسيقى.

نهى الجابي (30عاماً) تعمل مشرفة حجوزات في صالة أفراح للنساء فقط، تقضي معظم وقتها في تنظيم الحفلات وترتيبها مع الزبائن (العرسان)، وكانت تواجه عقبة عند طلب الزبون لـDJ، «كيف ستدخل رجلا لصالة أفراح نسائية؟».

ناقشت نهى الأمر مع إدارتها التي بالأساس كلفتها بالعمل داخل الصالة نتيجة معرفة عائلية، وشددت على أن الطلبات على وجود DJبات أمراً ملحاً، ما دفع بالإدارة لاختيارها كي تكون DJالصالة، وتتدرب عند أي أحد من الخبراء، على أن تكون كلفة التدريب على الصالة.

عادات وتقاليد الأعراس تختلف من منطقة سورية لأخرى، ما بين حفلات تخصص للنساء فقط، وحفلات مختلطة بحسب العائلات وما تريده، هنالك من يريد DJوهنالك من يريد مغنيا وغيرها، حتى إن لصالات الأفراح في سوريا نظاما محددا، فمنها من يسمح بالأعراس المختلطة ومنها للنساء فقط.

في غضون ثلاثة أشهر، تمرست نهى على برنامج دمج الأغاني، وأصبحت تتابع أحدث الإصدارات العربية وبعض الأجنبية كي تضعها ضمن لوائحها الموسيقية، وكانت تشعر بالارتياح عندما تحدد الزبونة الأغاني التي تريدها في عرسها، فما من ضغط عليها أثناء الحفلة، وتكتفي فقط بوضع الأغاني خلف بعضها، مع بعض المؤثرات الصوتية كفاصل بين نهاية أغنية وبداية أخرى.

لا يوجد رقم محدد للنساء اللواتي اخترن العمل كـDJفي سوريا، إلا أن أغلب رواد أماكن السهر، يعرفن اثنتين، تمارسن المهنة لشغف بالموسيقى، ولا يلعبن الأغاني الرائجة، حيث إن نمطهن الموسيقي محدد، وزبائنهن محددون أيضاً، وفي أماكن محددة، تقدم لجمهورها نمط الفتاتين الموسيقي.

تختلف الآراء بين اللاعبين حول الفهم الموسيقى للفتاتين، فمنهم من يجد أنهن لا يتقنّ المهنة، ودخلنها للشهرة ليس إلا، ومنهم من بيّن أن للموسيقى أذواقا مختلفة قد يُتفق معها أو لا، لكن في النهاية هي فن ويجب احترامه، أو على الأقل احترام الشغف لديهنّ.

لا يحبذ المجتمع في الغالب أن تلعب المرأة دوراً ليس لها، وشهدت في السابق معارضة من قبل فئات ليست بالقليلة لعمل المرأة في الوظائف الحكومية أو العمل بشكل عام، لاعتبارهم أن عمل المرأة يجب أن يكون محصوراً في المنزل، لكن هذا الشيء انخفضت نسبته مع الوقت، حيث بات عمل المرأة ضرورياً ليس على صعيدها الشخصي فقط بل للضرورات الحياتية والصعوبات الاقتصادية التي تواجهها العائلة السورية.

في حين أن عمل المرأة في الليل، لم ينل رضا المجتمع كما حدث مع عمل فترة النهار، حتى ضمن أوساط رواد الحانات والمطاعم، المعتبرين في غالبيتهم أن العاملة لوقت متأخر ما هي إلا طالبة لمتعة أو لشخص ينفق عليها، دون الأخذ بعين الاعتبار الحاجة على سبيل المثال أو الشغف الذي يتملك الإنسان لممارسة عمل ما يريده.

ولم يتوقف الأمر عند عمل المرأة في الليل، فهنالك مساواة مجتمعية لكل العاملين الليليين سواء كانوا ذكوراً أم نساءً، فلا مكان لليل سوى لمن لم يفلح في الحصول على وظيفة صباحية، لتنشأ عنصرية جديدة تجاه تلك الفئة من البعض، إلا أنهم نالوا رغم ذلك شهادة مجتمعية للمساواة لم تحدث نهاراً فحدثت ليلاً وحتى لو كانت سلبية.