أسباب تقرير وكالة ستاندرد آند بورز حول لبنان؟

السيناريوهات المقترحة لإعادة هيكلة المصارف

بيروت: حدثان بارزان شهدتهما السوق المصرفية والمالية في لبنان، أولهما السجال بين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وجمعية المصارف حول حقوق المودعين، حيث أعلن الأول أن على المصارف أن تدفع «في  نهاية يونيو (حزيران) 50 ألف دولار للمودعين، 25 ألف دولار نقدا (فريش دولار) و25 ألفا بالليرة اللبنانية على سعر الصرف، لأن هذا الموضوع برأي سلامة سيحل الأمور نهائيا للمودعين الصغار وعددهم يتعدى المليون و30 ألف حساب، والثاني  التقرير الذي صدر عن وكالة ستاندرد آند بورز الذي تناول عملية هيكلة القطاع المصرفي والأضرار التي ستلحق بأموال المودعين.

وبالنسبة للحدث الأول، علمت «المجلة» من مصادر مصرفية مطلعة أن سلامة قام على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية، بالاجتماع مع رؤساء مجالس إدارات المصارف فرادى، ليطلب منهم «تأمين الدولارات الكاش هنا في بيروت»، للبدء بدفع الأموال إلى المودعين لكن معظم المصارف عارضت حجم المبلغ المقترح والبعض طالب بأن يقوم المصرف بدفع جزء وأن يتحمل المركزي الجزء الآخر من المبلغ.

أما بالنسبة للحدث الثاني فقد كان لافتا كلام محلل الائتمان في «ستاندرد آند بورز» محمد داماك بقوله إنه «في ظلّ معاناة البنوك لتدبير السيولة، فإنّ تضرر المودعين، بشكل ما، مرجح إذا كان القطاع المصرفي سيمتص التكلفة العالية لإعادة الهيكلة».

وشرحت «ستاندرد آند بورز» أن تمويلاً من المساهمين أو من الخارج لن يكفي وحده على الأرجح لامتصاص تكلفة إعادة الهيكلة.

وأضافت أن تكبّد المودعين خسائر، على سبيل المثال من خلال السداد لهم بأقل من سعر الصرف في السوق أو تحويل الودائع إلى حصص مساهمة يبدو مرجحاً بدرجة كبيرة.

وتابعت أن حجم الخسائر الكلية للبنوك سيتضح حين تنفذ الحكومة إعادة هيكلة الدين.

ووفقاً للاحتمالات المختلفة، قالت «ستاندرد آند بورز» فإنّ تكلفة إعادة هيكلة القطاع المصرفي قد تدور بين 23 و102 مليار دولار، بما يعادل 30 إلى 134 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي.

ومن أجل تقدير التكاليف المحتملة لإعادة هيكلة الدين العام، وضعت «ستاندرد آند بورز» ثلاثة سيناريوات للخسائر في سندات اليوروبوندز الحكومية، والدين الحكومي بالعملة المحلية، وودائع مصرف لبنان، شهادات الإيداع  CDs، فضلاً عن قروض القطاع الخاص.

السيناريو الأول: شطب 50 في المائة من ديون الحكومة اللبنانية بالعملة الأجنبية والمحلية، وشطب 10 في المائة من إيداعات مصرف لبنان، وتحديد نسبة خسائر إقراض القطاع بـ5 في المائة.

السيناريو الثاني: خصم 75 في المائة على سندات اليوروبوندز، و60 في المائة على الدين بالعملة المحلية، و50 في المائة على إيداعات مصرف لبنان، و15 في المائة على إقراض القطاع الخاص.

السيناريو الثالث: تخفيض 90 في المائة على سندات اليوروبوندز، و70 في المائة على الدين بالعملة المحلية وإيداعات مصرف لبنان.

كيف ينظر أهل الاختصاص إلى السجال الدائر حول أموال المودعين وإلى تقرير الوكالة الأميركية.

«المجلة» طرحت هذه الأسئلة على كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل، وعلى الخبير المصرفي والاقتصادي الدكتور جو سروع، والرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف الدكتور سمير حمود.

كبير الاقتصاديين في مجموعة بنك بيبلوس الدكتور نسيب غبريل

غبريل استهل حديثه بالقول: «وكالات التصنيف بإمكانها أن تصدر التقرير الذي تريده وتحلل مثلما تريد هذا حقها، ولكن هذا التقرير الذي صدر عن ستاندرد آند بورز والذي يعطي 3 سيناريوهات بما يسمى خسائر المصارف التجارية في لبنان بسبب الأزمة ينقصه سيناريو رابع، وهو الأهم من السيناريوهات الثلاثة مجتمعين، وهذا السيناريو هو أن تتعهد الدولة اللبنانية بدفع مستحقاتها وديونها إلى المصارف التجارية وإلى مصرف لبنان وفي هذه الحالة لا يكون هناك لزوم للسيناريوهات التي عذبت نفسها وكالة التصنيف وضيعت وقتا بكتابتها فهذه المقاربة تحاول الوكالة تجاهل القرار الكارثي الذي اتخذته السلطات اللبنانيه بالتعثر على تسديد سندات اليوروبوندز وهو قرار سياسي شعبوي وليس قرارا اتخذ بطريقة علمية ومدروسة والدليل على ذلك هو أنه منذ 7 مارس (آذار) وهو تاريخ إعلان التوقف عن تسديد سندات اليوروبوندز لم تقدم السلطات اللبنانية على بدأ المفاوضات مع حاملي هذه السندات رغم أن الحكومة اللبنانية وقعت عقدا مع شركة لازار المالية العالمية بمئات آلاف الدولارات مبدئيا لتقوم هذه الشركة بالتفاوض باسم الدولة بحسن نيه مع حاملي سندات اليوروبوندز يعني صار لنا منذ مارس 2020 بهذا الوضع وأين شركة لازار وأين المفاوضات مع حاملي سندات اليوروبوندز؟ فقبل أن تغوص ستاندرد آند بورز بهذه السيناريوهات الثلاثة يجب أن تأخذ هذا الوضع بعين الاعتبار وأيضاً سوء إدارة الشأن العام الذي أوصلنا للأزمة وسوء إدارة الأزمة بحد ذاتها وبالتحديد سوء إدارة قرار التسديد أو عدم تسديد سندات اليوروبوندز. في كل الأحوال يعتبر الشعب اللبناني أن عدم تسديد سندات اليوروبوندز هو خطأ تاريخي اليوم بعدما توضحت المعلومات والصورة لدى الشعب اللبناني أو معظم الشعب اللبناني هو خطأ تاريخي لأننا لسنا أول دولة أو آخر دولة يتعرض اقتصادها للتوقف أو انخفاض حاد بضعف رؤوس الأموال ويشكل ضغطا على سعر صرف العملة الوطنية وظهور سوق ثانوية وصعوبات لدى الدولة اللبنانية لتسديد مستحقاتها، ولكن حسب دراسة قام بها مصرف الاستثمار العالمي غولدمان ساكس، فإن 97 في المائة من بلدان العالم التي قررت حكوماتها إعادة جدولة دينها أو عدم تسديد أو التوقف عن تسديد سنداتها الخارجية قامت بذلك بالتوازي مع مفاوضات مع صندوق النقد الدولي لا بل معظمها وصل إلى اتفاق للتمويل الإصلاحي مع الصندوق الدولي قبل اتخاذ هكذا قرار لأن الاتفاق مع صندوق النقد الدولي يعطي مصداقية لهكذا قرار في الأسواق المالية العالمية ويعكس جدية السلطات بتطبيق إصلاحات وثاني نقطة لم تقم بها الحكومة اللبنانية هي التواصل مع حاملي السندات قبل أشهر من التعثر لأن هذا ما يحصل في بلدان أخرى أخذت هكذا قرار ففي ليلة اتخاذ هكذا قرار في 6 مارس (آذار) 2020 لم تكن المؤسسات المحلية والخارجية المالية والاستثمارية الحاملة لهذه السندات تعرف قرار الحكومة. وهذه أخطاء مميتة لا تغتفر وسوء إدارة هذا الموضوع ظهر بعد القرار من خلال عدم اللجوء إلى مفاوضة حاملي السندات، فإن كانت وكالة ستاندرد آند بورز أو غيرها يجب أن تأخذ بعين الاعتبار هذه المعطيات وتزيد سيناريو رابعا وهو السيناريو الأساسي أن على الدولة اللبنانية أن تتعهد علنيا بتسديد مستحقاتها وديونها للمصارف التجارية ولمصرف لبنان لأن هذا خيار متاح وهذا خيار موجود وعلى عكس ما تعتقد هذه الحكومة بما ضمنته بما يسمى خطتها المالية الإنقاذية خطة هذه الحكومة تقوم على مبدأ أن الدولة مفلسة وليس لديها أصول ومصرف لبنان مفلس وليس لديه موجودات والمصارف التجارية مفلسة وليس لديها موجودات بغض النظرعن هذه النظرية الخاطئة أصلا. الدولة عليها أن تتعهد علنا بتسديد مستحقاتها لمصرف لبنان وللمصارف التجارية على فترات طويلة هذا ليس مهما حتى دون أي فائدة وهذا يغير كليا النظرة مستقبليا للاقتصاد اللبناني وللمصارف التجارية ولمصرف لبنان وبالتالي يغير كل هذه السيناريوهات التي تنظر بها وكالة ستاندرد آند بورز» .

سروع

من ناحيته، اعتبر الخبير المصرفي والمالي الدكتور جو سروع أن تقرير ستاندرد آند بورز الذي صدر تحت عنوان تضرر مودعي البنوك مرجح جداً، أتى بعد بيان حاكمية مصرف لبنان وكلام الحاكم في حديثه التلفزيوني بأن مودعي المصارف سيحصلون في وقت قريب وعلى الأرجح في يونيو (حزيران) الحالي على 25 ألف دولار نقداً و25 ألف دولار بالعملة اللبنانية.

الخبير المصرفي والمالي الدكتور جو سروع

واعتبر سروع أن وكالة ستاندرد آند بورز بنت مقاربتها على حيازات المصارف الضخمة للدين الحكومي والتي وضعتها في أزمة مالية مستمرة منذ أكثر من عام، وذلك عندما تمنعت الحكومة عن سداد دينها في شهر مارس 2020، كذلك رأت الوكالة أن التحويلات من الداخل والخارج لا تكفي وحدها لكلفة إعادة الهيكلة، وأن تضرر المودعين المرجح جداً يعود إلى أن المصارف جمدت معظم الودائع الدولارية وحظرت التحويل منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، لذلك فإن معاناة المصارف في تأمين السيولة قد تضر المودعين في حال أن القطاع المصرفي سيتحمل الكلفة العالية لإعادة الهيكلة وخصوصاً إذا تم السداد لهم بالعملة الوطنية بسعر أقل من سعر السوق الموازية أو تحويل الودائع إلى العملة الوطنية.

وبرأي سروع فإن «خسائر المصارف ستتوضح أكثر حين تعيد الحكومة هيكلة دينها لأن تقرير الوكالة ذكر أن المصارف تحمل في دفاترها ما قيمته 60 في المائة من أصول ودائعها سندات إيداع في البنك المركزي و11 في المائة كأذون خزينة وسندات دولية».

واعتبر أن «إعادة هيكلة المصارف أمر مفصلي وأساسي في تحديد كلفة الدين ويجب أن تكون الهيكلة لها معنى ومعقولة في تصغير حجم المصارف المالية والمادية، والشق الثاني من إعادة الهيكلة يجب أن يحدد من أين ستأتي السيولة وهذه مشكلة أساسية وعامل أساسي لوصول المودعين إلى ودائعهم وفترة تحرير هذه الودائع».

 وأكد أنه «في غياب حكومة فاعلة ومستقلة وقادرة على العمل فإن مشاكل البلد المتنوعة والشائكة ستتوالد والأكلاف ستتكاثر ونخشى أنه في مثل هذه الحال أن الأزمة الراسخة مالياً واجتماعياً التي يعاني منها البلد ستزداد صعوبة وأن الحلول قد لا تصل إلى حدود التعافي بل ستقتصر على معالجة أعراض الأزمة  وبالتالي ستصبح كل الأمور مفتوحة على احتمالات أقلها قاسية».

 

حمود

بدوره لفت الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف الدكتور سمير حمود بحديثه إلى «المجلة» بأن «وكالة ستاندرد آند بورز تتناول بتقاريرها القضايا التقنية البحتة وهي في تقريرها الجديد تطالب الدولة بأن تفي بالتزاماتها ومصرف لبنان أن يغطي الفجوة الموجودة عنده والمصارف إن أرادت الاستمرار لا يمكنها إلا تحويل أموال المودعين إلى الرسملة، وطبعاً هذا سيؤدي إلى خسارة الودائع كودائع حيث تتحول إلى رسملة في  مصارف حياتها مشوبة بالمخاطر وعدم الاستقرار... الخلاف بين نظرتنا كخبراء محليين ونظرة صندوق النقد الدولي ووكالة ستاندرد آند بورز في رأيهم أن الدولة يجب أن تعالج وضعها حتى ولو على حساب المودعين ونحن نعتبر أن هذا الأمر إذا تم لن يعود هناك قطاع مصرفي لا أستطيع أن أقول أن رأي الوكالة خطأ، فمن الناحية التقنية صحيح لكن من ناحية سياسة الدولة يجب أن تعمل لبناء نظامها المالي ونظامها المصرفي من جديد. وهذا يتعارض مع تكوين هذه البنية... نحن من وجهة نظرنا وأنا من الأشخاص الذين يقولون إنه لا يجوز أن نساعد المصارف للوقوف من جديد لكن لا يجوز أيضاً أن لا نعطي المصارف أموالها حتى تعطي مودعيها وندفعها للإفلاس، لأن هذا الأمر غير منطقي وغير محق لذلك على الدولة أن تفي بالتزاماتها وعلى مصرف لبنان أن يفي بالتزاماته وعلى المصارف أن تفي بالتزاماتها، ومن لا يفي بالتزاماته هو المشكلة ولا يجوز أن تنعكس على الآخرين. الدولة لا يجوز أن تعكس مشكلتها على أبنائها، فإذا لم تستطع حمايتهم فلا يجوز أن تاكل حقوقهم».

الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف الدكتور سمير حمود