إقرار «الكابيتال كونترول»

هل سينهي مأساة المودعين مع المصارف؟

بيروت: بعد مرور نحو 19 شهرا على حال الضياع في المصارف التي عمدت منذ اندلاع الثورة الشعبية في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 على حجز أموال المودعين وإذلال المطالبين بحقوقهم، مما أدى إلى فقدان الثقة بالقطاع المصرفي الذي كان يعتبر المدماك الأساسي للاقتصاد الوطني خصوصا بعد الاتهامات التي وجهت إلى المشرفين على المصارف بتهريب أموالهم وأموال السياسيين إلى الخارج.

بعد هذه الفترة استفاق المجلس النيابي وبدأ بدرس اقتراح قانون الكابيتال كونترول الذي ينظم العمل بين المصرف المركزي والمصارف من جهة، وبين المودعين من جهة أخرى، وكانت المحطة الأولى في لجنة المال والموازنة التي أقرت اقتراح القانون ليحال إلى لجنة الإدارة والعدل ومنها إلى اللجان المشتركة لرفع الصيغة النهائية إلى الهيئة العامة للمجلس لإقراره.

اقتراح القانون يهدف إلى:

- ضبط التحويلات الاستنسابية التي قامت وتقوم بها المصارف إلى الخارج، وحصر التحويل باستثناءات ضمن حد أقصى يبلغ خمسين ألف دولار أميركي.

- تنظيم السحوبات من حسابات المودعين بالعملات الأجنبية بعملة الحساب وبالليرة اللبنانية ضمن حد 20 مليون ليرة شهرياً.

- إنشاء وحدة مركزية لدى مصرف لبنان لمراقبة تنفيذ القانون وتلقي شكاوى وتظلم المتضررين من عدم تقيد أي مصرف بأحكام القانون بعد صدوره.

- معاقبة أي مصرف لا يتقيد بأحكام القانون بإحالته على الهيئة المصرفية العليا سنداً لأحكام المادة 208 من قانون النقد والتسليف التي تتدرج عقوباتها لتصل إلى حد شطب المصرف المخالف من لائحة المصارف.

ولما كانت القوانين توضع لتنظيم شؤون الناس والمجتمع، فمن الطبيعي أن يندرج وضع قانون الكابيتال كونترول ضمن نطاق هذا الهدف فيحقق أربع إيجابيات: تيسير أمور المودعين، والحد من المنازعات القضائية مع أصحاب المصارف، والحد من استنسابية المصارف في التحويل إلى الخارج، وتحقيق العدالة والمساواة بين المودعين، وإيجاد مرجعية مركزية للشكوى، واستعادة الثقة المفقودة بين النظام المصرفي والمودعين، وعودة الدورة الطبيعية للاقتصاد الوطني.

لكن هل سيحل إقرار مشروع القانون في لجنة المال والموازنة كل المشاكل العالقة بين المصارف والمودعين؟ وهل الصيغة التي أقرت لن تعدل قبل إقراره في الهيئة العامة.

 

رولا الطبش

عضو كتلة المستقبل النيابية، رولا الطبش، قالت لـ«المجلة»: «طبعاً نحن كمجلس نيابي كنّا في صراع، فإذا وافقنا على قانون الكابيتل كونترول ربما كان البعض سيعتبر أننا نساهم بوضع قيود على المودعين. وفي الوقت نفسه إذا لم نسر بالقانون سيقال إننا مساهمون مع بعض الناس لتهريب أموالهم لأننا لم نشرّع قانونا لضبط هذا الموضوع، لذلك نحن كنا أمام صراعين سواء بإقراره أو عدم إقراره، هذا بالشكل العام».

الآن المشروع الأول الذي تم بحثه ودراسته في لجنة المال والموازنة وضٖعت فيه الأمور الأساسية التي يمكن أن يبنى عليها، ولكن طبعاً ليس هناك شيء كافٍ أو مرضٍ للمودعين 100 في المائةأو يحميهن أو يضمن عودة أموالهم بالكامل، ففي النهاية هذا ليس قانونا شعبويا بل يجب أن يكون قانونا قابلا للتطبيق، وللأسف كذلك، لم يكن لدينا أرقام واضحة من جمعية المصارف ومصرف لبنان، حتى نستطيع أن نبني على أساسها القيود التي وضعناها أو المبالغ التي وضعناها. الآن لا شك أن الصيغة الأولى التي خرجت عن لجنة المال والموازنة مرضية بشكل إجمالي ولكن يمكن أن تكون أفضل من ذلك، ولا سيما أن هناك دراسة ثانية للقانون في لجنة الإدارة والعدل. وطبعاً سيكون لها نقاش في اللجان المشتركة والهيئة العامة ويمكن أن تكون هناك معطيات أو أرقام جديدة ستُعطى تؤثر أو تعدل القانون ليكون لمصلحة المودعين بشكل أكبر...طبعاً هناك أمور حاولنا أن نعطي السقف الأعلى والشروط الأفضل للمودع سواء في السحب بالعملة اللبنانية والسحب بالدولار والتي تتناسب قليلاً مع التعميم الذي صدر عن حاكم مصرف لبنان مؤخراً وكذلك في ما يتعلق بالتحويلات الخارجية لتسيير أمور الناس الذين يتعلم أولادهم في الخارج أو لديهم بعض المصاريف الأساسية التي يجب دفعها، كما حاولنا بكل جهدنا أن نخفف هذا العبء عن المودع وأن نعطيه سحوبات وفقاً للسعر الرائج لكي يتمكن من أن يستفيد من قيمة أمواله وأن نخفف من حدّة الـhair cut لذلك نأمل أن يبصر هذا القانون النور بصيغة أفضل من الصيغة التي صدرت عن لجنة المال و الموازنة، ولكن هذا أقصى شيء استطعنا فعله لنسرع عملية التشريع».

بدوره قال رئيس لجنة المال والموازنة إبراهيم  كنعان إن«المشروع دستوري وضروري رغم انقضاء أكثر من 19 شهراً على بدء الأزمة، لأن أي تشريع مهما تأخر يبقى أفضل من الفوضى والاستنساب السائدين حالياً، مشيرا إلى أن الكابيتال كونترول كما أقرته اللجنة يمنع التحويلات إلى الخارج باستثناء ما له صفة الديمومة والصفة العاجلة كنفقات التعليم والسقف الأعلى لهذه النفقات 50 ألف دولار».

من ناحيته، قال النائب علي حسن خليل: «هذا الأمر للأسف صار عليه كثير من الجدل خلال الايام الماضية. لم يتسن لنا في لجنة المال أن نحصل على أرقام حقيقية من قبل البنك المركزي وجمعية المصارف. من أجل ذلك صار هناك جدل حول هذا الموضوع. صور الأمر كأن هناك سباقا بين التعاميم التي تصدر والقانون الذي يلزم ويعلو بتأثيره وفاعليته على كل التعاميم التي من الممكن أن تصدر في هذا المجال».

ياسين جابر 

ومن جهته، أكد النائب ياسين جابر لـ«المجلة» أن طموح لجنة المال السماح للمودعين الصغار، من الطبقة الوسطى، سحب الأموال على سعر المنصة التي أطلقها المصرف المركزي، عوضا عن اعتماد الـ«haircut».وهي الاتفاقية التي اعتمدتها اللجنة مع المصارف، حماية لأموال المودعين، من دون إحداث أي تضخم بالكتلة النقدية.

وأوضح أن «البنود التي وضعت لهذه الآلية تسمح للناس بصرف جزء من أموالهم بحسب سعر المنصة الإلكترونية التي أطلقها المركزي. أما القسم الآخر من الأموال فيكون  بالدولار الأميركي، أي الـ(cash). وهو الأمر الذي يعمل على تنفيذه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة».

وشدد على أن «لجنة المال وفي سياق عملها على قانون الكابيتال كونترول، أخذت بعين الاعتبار موضوع الدولار الطلابي، واشتراكات الإنترنت. إلا أن الجزء المتعلق بتسديد أموال المنازل، كان مستعصيًا نوعا ما، وأحدث جدلا داخل لجنة المال بين السماح لمن يريد شراء منزل في الخارج بتحويل أمواله، وبين من لا يملك منزلا داخل البلاد».

الأهم، وفق جابر، هو «وضع آلية لعمل المصارف منعا للاستنسابية. وذلك بعد الفوضى والجدل الذي أحدثه قانون الدولار الطلابي. من هنا، عملت لجنة المال على إنشاء مركز للتحويلات المالية والصرف من جهة، والعمل على آلية للتطبيق لدى المصارف كافة منعا لتمييع قضية تسديد الدفعات من جهة أخرى. وهو ما يضمن للمواطن سحب مدخوله نقدًا، وتحديد سقف السحوبات بحسب متطلبات الناس الضرورية لا بحسب نظرة المصرف».

جابر رأى أيضا أن «هذا الحل هو الأضمن اليوم إلى حين إيجاد حلول أخرى حقيقية للأزمة المالية والمصرفية والاقتصادية التي يعيشها البلد. فهذا القانون هدفه في المدى القصير، تنظيم العلاقة بين المصارف والمودعين، على أن يحفظ حقوق المواطنين في الوقت الذي يتعذر على المصارف في هذه المرحلة تلبية الحاجات، ووقف الظلم على المودع الذي يحتاج إلى الإنفاق وعدم السماح باقتطاع قسم كبير من ودائعه بالطريقة التي كانت تحصل في المرحلة الماضية».

هذا في الإطار السياسي والنيابي، فما هو رأي الخبراء العاملين في القطاع المصرفي.

مروان بركات

«المجلة»طرحت هذا السؤال على الدكتور مروان بركات، كبير الاقتصاديين ورئيس قسم الأبحاث لدى بنك عودة، فقال: «لا شك أن إقرار قانون الكابيتال كونترولفي لجنة المال والموازنة خطوة إيجابية وإن أتت متأخّرة، على أمل إقراره النهائي في الهيئة العامة للمجلس النيابي في وقت قصير، خصوصاً أنه يترافق مع إصدار التعميم رقم 158 من قبل مصرف لبنان المتعلّق بإجراءات استثنائية للتسديد التدريجي لودائع بالعملات الأجنبية... إن الحاجة إلى هذا النوع من الإجراءات مرتبطة بالظروف المالية والاقتصادية الاستثنائية التي يمرّ بها لبنان والتي وضعت نظامه الاقتصادي في مواجهة الاستقرار النقدي والمالي، مما أدّى إلى تراجع الثقة نسبياً في القطاع المالي اللبناني. إن المرحلة الحالية تتطلّب اتخاذ إجراءات وتدابير استثنائية ومرحلية تهدف إلى وضع ضوابط مؤقّتة تشكّل في الوقت نفسه حمايةً لحقوق المودعين وتعزيزاً لقدرات المصارف على القيام بواجباتها وتمنع الاستنسابية بين المصارف. يجدر التذكير بأن الكابيتال كونترولهو قيود رسمية مؤقتة على حركة الرساميل مع عدد من الاستثناءات عن طريق قانون يصدر عن المجلس النيابي... نحن نعتبر أن الإقرار النهائي لقانون الكابيتال كونترول خطوة ضرورية باتجاه الاستقرار الاقتصادي والنقدي والمصرفي، بحيث يسمح بالتصرف بالتحويلات الجديدة الواردة من الخارج من دون أية قيود، مما يعيد الثقة تدريجياً في القطاع المالي اللبناني مع ما يشكّله ذلك من تحفيز للاقتصاد الوطني بشكلٍ عام. إن ذلك من شأنه تفعيل النشاطات الاقتصادية ضمن حدود الضوابط المؤقتة، مما قد يساعد في استعادة شق من النمو الاقتصادي المفقود وينعكس إيجاباً على الحركة الاقتصادية بشكلٍ عام... عملياً إن بعض الإجراءات والتدابير الاستثنائية التي يفترض اتخاذها تتيح لمصرف لبنان صلاحيات محصورة ومؤقّتة تجيز له وضع ضوابط على بعض العمليات والخدمات المصرفية بشكل يؤدّي إلى تنظيم العمل المصرفي خلال فترة الظروف الاستثنائية من خلال فرض موجبات على المصارف تحدّد طرق التعامل مع العملاء بصورة متساوية بعيداً عن الاستنسابية بموازاة تخفيف المخاطر القانونية التي قد يتعرّض لها القطاع المصرفي اللبناني... يبقى القول إن إقرار الكابيتال كونترول خطوة جيّدة إنما غير كافية بحد ذاتها لاستعادة عامل الثقة. إن الإصلاح المالي والمصرفي في لبنان مرتبط بالإصلاح الاقتصادي ككل، مع ما يتطلّبه ذلك من خطة خروج من الأزمة على مستوى الدولة تعتمدها الحكومة العتيدة تطلق عجلة الإصلاحات المنشودة وتسهّل الحصول على المساعدات الضرورية التي يحتاج إليها لبنان. هذا يتطلّب قبل كل شيء تشكيل حكومة ذات مصداقية بأسرع وقت ممكن تبرم اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي يشمل إصلاحات بنيوية ومالية ويفسح المجال أمام مؤتمرات دولية داعمة للبنان».