مبادرة الرياض لمكافحة الفساد

منصة عالمية برؤية وطنية
خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز

باكو:«قدمت السعودية 10 ملايين دولار لإنشاء الشبكة العالمية لمكافحة الفساد، إدراكا بأن التغلب على تحديات جرائم الفساد العابرة للحدود يتطلب التعاون الوثيق بين سلطات إنفاذ القانون المعنية».

بهذه الكلمات أعلن مازن الكهموس رئيس هيئة الرقابة ومكافحة الفساد السعودية (نزاهة) عن إطلاق مبادرة الرياض لمكافحة الفساد، وذلك عبر إنشاء شبكة مبادرة الرياض المسماة «الشبكة العالمية لسلطات إنفاذ القانون المعنية بمكافحة الفساد» (GlobE)، لتعد بداية لتعاون أممي جديد في مجال مكافحة الفساد. ويذكر أن هذه المبادرة كانت قد طرحتها المملكة خلال قيادتها لقمة دول مجموعة العشرين العام الماضى (2020).

وقد اكتسبت هذه المبادرة صفة الأممية بتبني منظمة الأمم المتحدة لها، حيث تم تدشينها بمقر الأمم المتحدة في فيينا على هامش الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة لمكافحة الفساد- المنعقدة لأول مرة- في أوائل يونيو (حزيران) 2021، وهو ما يعكس الفهم الصحيح من جانب المملكة لإشكالية مواجهة الفساد، تلك الإشكالية المتمثلة في أن هذه المواجهة لا يمكن أن تقتصر على الداخل فحسب، بل ثمة حتمية للعمل عبر الحدود من خلال التعاون بين سلطات إنفاذ القانون في كل دول العالم إذا أردنا أن تكون هناك مواجهة حقيقية وشاملة ضد الفساد. 

ومن الجدير بالإشارة قبل تناول الشبكة الأممية وأهميتها، تسجيل ملاحظتين مهمتين:

الأولى، تتعلق بطبيعة ظاهرة الفساد كونها آفة قديمة قدم ظهور الأنظمة والحكومات، وقد هددت اقتصادات عديدة عبر وسائلها التقليدية المعروفة من سرقة ورشاوى وغيرها من الوسائل غير المشروعة. إلا أن التطورات التي شهدها العالم بفضل العولمة وتشابك العلاقات وتقارب المسافات، سهلت الطرق أمام الفاسدين للتحايل على القوانين وتجاوزها، بل أضحت كثير من تلك الجرائم ترتكب في الفضاء الإلكتروني بعيدا عن الرقابة والمتابعة والتدقيق، وهو ما أدى إلى اتساع نطاق عملياته الجغرافية من ناحية، واتساع شبكات المتورطين في جرائمه من ناحية أخرى، الأمر الذي يستوجب تعاونا دوليا عابرا للحدود لمكافحة الفساد.

 

رئيس هيئة الرقابة ومكافحة الفساد، مازن الكهموس

الثانية، تتعلق بتأثيرات الفساد ومخاطره على المجتمعات واستقرارها، والتي تزايدت بشكل كبير مع تفشي جائحة فيروس كورونا، إذ أكدت غادة والي وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، والمدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة على أن: «تكلفة الفساد على الاقتصاد العالمي تقدر بنحو 3 تريليونات دولار سنوياً، وأنه مع انتشار فيروس (كوفيد-19)، تحول الوباء من أزمة صحية، إلى عدة أزمات اجتماعية وإنسانية كبرى، حيث نشطت عصابات الجريمة»، ليتسق ذلك مع ما أشار إليه دانيال إريكسون المدير الإداري في منظمة الشفافية الدولية بأنه: «من سوء الحظ، شكل الوباء فرصة ذهبية للحكومات الفاسدة، ما يعني أن النكبة الوبائية انقلبت إلى ضربة حظ للفاسدين النافذين الذين لم يتوانوا عن اختلاس المال وتكديسه في حساباتهم الشخصية من غير رادع قانوني، أو وازع أخلاقي».

في ضوء هاتين الملاحظتين، يمكن قراءة أهمية المبادرة السعودية في إنشاء شبكة عالمية من شأنها توفير الأموال المطلوبة لمواجهة تداعيات جائحة فيروس كورونا، وهو ما كان موضع إشادة عالمية، إذ ثمن الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذه المبادرة بقوله: «نثمن دور السعودية في تأسيس شبكة عالمية لمكافحة الفساد خلال قمة العشرين، وأن تأسيس هذه الشبكة هو أمر مهم للغاية... لأن الفساد عمل غير أخلاقي وجريمة خطيرة عابرة للحدود».

ومن هذا المنطلق، يسلط هذا التقرير الضوء على أهمية إطلاق هذه الشبكة ومستهدفاتها وضمانات نجاحها، وذلك من خلال محورين على النحو الآتي:

 

أولا: شبكة مبادرة الرياض... أهداف محددة وضمانات واجبة

في ضوء حرص المملكة على ضمان نجاح مبادرتها العالمية لمكافحة الفساد، حددت بشكل دقيق أهدافها التي ترمي إلى تحقيقها جراء تأسيس هذه الشبكة والتي يمكن أن نجملها فيما يأتي:

1-      تطوير أداة سريعة وفعالة لمكافحة جرائم الفساد العابرة للحدود.

2-      تعزيز التعاون بين السلطات المعنية بمكافحة الفساد.

3-      إنشاء منصة عالمية آمنة لتسهيل تبادل المعلومات بين سلطات إنفاذ القانون المعنية بمكافحة الفساد، وتعزيز استرداد الأموال المنهوبة.

4-      إطلاق برنامج لبناء القدرات داخل الشبكة لمنتسبي سلطات مكافحة الفساد.

وسعيا لتحقيق هذه الأهداف، يتطلب الأمر توافر مجموعة من الضمانات أو الإجراءات واجبة الاتباع على المستويين المحلي والدولي. فعلى المستوى المحلي، ثمة دور مهم يجب أن يقوم به المواطنون والمقيمون فى أية دولة، يتمثل هذا الدور في وجوبية الإبلاغ عن جرائم الرشوة والفساد المالي والإداري وغيرها من صور الفساد وأشكاله المختلفة، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى على الجهات المحلية المعنية توفير الوسائل والأدوات التي تمكن هؤلاء المواطنين من الإبلاغ عن هذه الجرائم، مع ضرورة توافر كافة الضمانات اللازمة لحمايتهم والحفاظ على سرية بياناتهم منعا من تعرضهم لأي أذى قد يلحق بشخصهم أو ذويهم جراء إقدامهم على الإبلاغ عما يُرتكب من جرائم فساد.

أما على المستوى الدولي، فثمة أهمية لتعزيز المشاركة الفعالة من جانب مختلف الدول في تأسيس شبكة (GlobE)، وقد طالب بذلك مازن الكهموس بتأكيده على أن: «المملكة تدعو الدول الأعضاء في (اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد) للاستفادة من شبكة (GloBE)، وتحثها على المشاركة الفعالة في أعمال تأسيس الشبكة، وتوفير الخبراء، بما يخدم عملية تطويرها»، وهو ما يعني ضرورة أن الأمر لا يقتصر على مجرد الانضمام إلى هذه الشبكة فحسب، وإنما يستوجب تقديم الدعم اللازم لإنجاح هذه المبادرة ومتابعة تطويرها بما يخدم المصالح المشتركة لجميع الدول، إذ يظل التعاون المشترك بين مختلف الدول هو الضمانة الأكثر فعالية في محاصرة الفساد ومواجهته، بما ينعكس إيجابا على حياة المجتمعات لتنعم بتنمية مستدامة في بيئات تتسم بالنزاهة والشفافية، بعيدا عن توفير أية ملاذات آمنة للفاسدين لحماية أنفسهم وأموالهم، وقد أكد على ذلك الأمين العام للأمم المتحدة في كلمته تأييدا لهذه المبادرة السعودية بقوله: «إن منظمة الأمم المتحدة ستواصل تقديم المساعدة التقنية في مجال مكافحة الفساد، معوّلةً في ذلك على موقف الدول الأعضاء في الأمم المتحدة المتفق عليه خلال المدة السابقة». كما يتطلب نجاح هذه المبادرة كذلك ترسيخ تعاونها مع المنصات والشبكات القائمة في مجال التعاون الدولي غير الرسمي، ومنها على سبيل المثال: الشبكة العالمية لإنفاذ القانون (GLEN)، وشبكة موظفي إنفاذ القانون (LEOs)، التابعتان لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وشبكة (الإنتربول).

الأمم المتحدة تتبنى مبادرة الرياض لمكافحة الفساد

ثانيا: مبادرة الرياض العالمية ورؤية المملكة المستقبلية (2030)

لن يكون مبالغة القول إن إقدام المملكة العربية السعودية في ظل رئاستها لمجموعة العشرين، على إطلاق مبادرة الرياض لمكافحة الفساد، إنما يأتي استكمالا لرؤية المملكة المستقبلية التي أطلقها ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان منذ عام 2016، إذ أدركت القيادة السعودية أن نجاح هذه الرؤية في تحقيق مستهدفاتها والنهوض بأوضاع المملكة وتحسين مستويات معيشة المواطنين السعوديين لن يتحقق في ظل غياب منظومة واضحة ومتكاملة لمكافحة الفساد، انطلاقًا من فهمها لمدى الخطورة التي يمثلها الفساد على المستويات كافة؛ سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا وثقافيا، وهو ما أكده ولي العهد في كثير من خطاباته وكلماته حينما أشار إلى أن: «الفساد انتشر في المملكة خلال العقود الماضية مثل السرطان... الفساد أصبح يستهلك 5 في المائة إلى 15 في المائة من ميزانية الدولة، ما يعني أداء 5 في المائة إلى 15 في المائة أسوأ على أقل تقدير في مستوى الخدمات والمشاريع وعدد الوظائف وما إلى ذلك. ليس فقط لسنة أو سنتين، ولكن تراكميا على مدى ثلاثين سنة، وإنني بصدق أعتبر هذه الآفة العدو الأول للتنمية والازدهار وسبب ضياع العديد من الفرص الكبيرة في المملكة العربية السعودية».

ولذا فقد اتخذت المملكة في إطار رؤيتها التنموية 2030، جميع ما يلزم لمكافحته، وقدمت الدعم اللازم للجهات واللجان الوطنية المختصة بمكافحته ليصبح هذا الفساد كما أشار ولي العهد تحديدا: «من الماضي، ولن يتكرر بعد اليوم على أي نطاق كان دون حساب قوي ومؤلم لمن تسول له نفسه، كبيرا أو صغيرا»، مشيرا إلى ما حققته حملة مكافحة الفساد في المملكة من نتائج إيجابية: «فقد بلغ مجموع متحصلات تسويات مكافحة الفساد 247 مليار ريال في الثلاث سنوات الماضية (2017-2020) تمثل 20 في المائة من إجمالي الإيرادات غير النفطية، بالإضافة إلى أصول أخرى بعشرات المليارات تم نقلها لوزارة المالية، وستسجل في الإيرادات عندما يتم تسييلها بما فيها من عقارات وأسهم».

وزراء مكافحة الفساد في مجموعة العشرين يؤيدون مبادرة الرياض لإنشاء عالمية

وفي ضوء ما حققته المملكة من نجاح متميز في مكافحة الفساد محليا في إطار رؤيتها التنموية التي سعت إلى تخفيف الإجراءات البيروقراطية المعقدة وتوسيع دائرة الخدمات الإلكترونية واعتماد الشفافية والمحاسبة الفورية وغيرها من الأهداف الرامية إلى مكافحة الفساد عبر تحقيق 17 متطلبا علميا ومنهجيا. فضلا عن وعيها بمدى صعوبة القضاء على الفساد بشكل منفرد كونه من التهديدات التي تستوجب مواجهتها تكاتفا دوليا وتعاونا عالميا، فجاءت مبادرة شبكة الرياض لمكافحة الفساد لاستكمال جهود المملكة في مشاركتها للمجتمع الدولي في محاربة الفساد، ليس فقط من خلال توقيعها على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة مثل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (نوفمبر/ تشرين الثاني 2000م)، والبروتوكولات المكملة لها والتي عالجت في مادتيها (8 و9) مسائل تجريم الفساد وتدابير مكافحته، واتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي (1999)، والاتفاقية العربية لمكافحة الفساد  (عام 2010)، وإنما من خلال تقديمها لكثير من المبادرات الإقليمية والدولية الهادفة إلى مكافحة الفساد واجتثاث جذوره.

خلاصة القول إن تأسيس شبكة العمليات العالمية لسلطات إنفاذ القانون المعنية بمكافحة الفساد (GlobE)، مثلت خطوة ذات أهمية في مجال مكافحة الفساد من خلال تمكين شبكة سلطات إنفاذ القانون المعنية في مختلف الدول من التوسع في عملياتها القانونية من خلال التعاون غير الرسمي العابر للحدود، بما يسهم في تقديم الفاسدين إلى يد العدالة. فضلا عن دور هذه الشبكة في معاونة مختلف الدول للتوصل إلى حلول عملية وخطوات فعلية لتتبع ممارسات الفساد والتحقيق فيها ومقاضاة مرتكبيها، بما يكمل الأطر الأخرى القائمة على النحو الذي أكده الأمين العام للأمم المتحدة بأن: «تغيير الأوضاع القائمة في مجال مكافحة الفساد يعد أمراً ضرورياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتعزيز سبل السلام، وحماية حقوق الإنسان».