حماس التي لا ترى سوى ذاتها

كتب الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش قصيدته الشهيرة«أنت منذ الآن غيرك»،وذلك بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة بالقوة.

لم تكن تلك القصيدة مجرد نص شعري عابر، بل كانت أشبه بنبوءة وبيان إدانة لما سيأتي في المستقبل، عندما قال: «هل كان علينا أن نسقط من علو شاهق، ونرى دمنا على أيدينا، لندرك أننا لسنا ملائكة كما كنا نظن، وهل كان علينا أن نكشف عن عوراتنا أمام الملأ، كي لا تبقى حقيقتنا عذراء، كم كذبنا حين قلنا إننا استثناء».

توفي محمود درويش رحمه الله قبل أن يرى حركة حماس وهي تكشف عورتها أمام الملأ كما قال في قصيدته. توفي وفي داخله تلك الغصة التي عبر عنها في قصيدته نفسها حين قال: أن نكون ودودين مع من يكرهوننا، وقساة مع من يحبوننا، تلك هي دونية المتعالي وغطرسة الوضيع».

محمود مات ولم ير ما فعلت حماس بعده من الارتماء في أحضان ملالي طهران وأذنابهم ممن قتلوا وفتكوا بشعوب عربية ومواطنين عرب كانوا دوما سندا لفلسطين ولقضيتها.

كانت آخر فصول الارتماء والتمسح المذل بملالي طهران ما حدث في صنعاء من لقاء ممثل حركة حماس فيها معاذ أبو شمالة، بالقيادي في ميليشيا الحوثي محمد علي الحوثي في اليمن، وتقديمه هدية ودرعا، ونقل له شكر حماس وتقديرها لدور الحوثيين في دعم الحركة والقضية الفلسطينية، والتمني أن يجتمعا بطريق النصر والتحرير، وكسر «المؤامرات على المقاومة»، وإن كان هناك أسوأ من هذا اللقاء في دلالته ومضمونه فهو التوضيح الذي أصدرته حماس عقب ردود الفعل الكثيرة عليه والذي جاء فيه أن «أي تصريح أو موقف أو تصرف يفهم منه أنه انحياز لأي طرف أو تدخل من الحركة في الصراع المؤسف في اليمن وغيره هو موقف شخصي لا يعبر عن الحركة وقيادتها بأي حال من الأحوال».

ميليشيا إرهابية ممولة من إيران تقتل اليمنيين وتحرق أطفالهم وتقصف المملكة العربية السعودية وتنادي بقصف مكة المكرمة، ومع ذلك يكون تبرير حماس لكلام ممثلها في طهران هو المطالبة بعدم الانحياز، وهذا بحد ذاته انحياز للمعتدي.

هي ليست المرة الأولى التي تنحاز فيها حركة حماس وممثلوها إلى إيران وميليشياتها، فقد سبق ووصف رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني بـ«شهيد القدس»، عندما شارك في تشييعه في طهران بعدما قتلته غارة أميركية، وقال يومها هنية «إن الشهيد القائد سليماني أمضى حياته من أجل دعم المقاومة وإسنادها وهو على رأس فيلق القدس».

قاسم سليماني الذي لم يطلق يوما رصاصة في سبيل تحرير فلسطين والقدس، سليماني الذي لم يتوقف يوما عن إطلاق النار وضحاياه من السوريين والعراقيين واللبنانيين فاق الآلاف، لم تجد حماس حرجا في نعيه وتكريمه وتعليق صوره في غزة، فلماذا ستجد حرجا في تكريم أحد أتباعه؟ طبعا دون أن ننسى مواقف حماس من ميليشيا حزب الله وبشار الأسد، ومن يدري قد تعلن حماس غدا تأييدها وشكرها لميليشيا الحشد الشعبي.

في الواقع ليس الغريب موقف حماس، ولكن الغريب أن البعض لا يزال يستغرب من مواقف حماس، علما أنها لا تترك فرصة إلا وتعلن انحيازها لإيران، وما أسخف من انحيازها إلا تبريرها أن إيران هي من تدعم المقاومة والقضية الفلسطينية، فهل يذكر أحد أن إيران قدمت يوما مساعدة للأونروا التي تعنى بشؤون الفلسطينين؟ أو أن إيران ساهمت بإعادة إعمار أي جزء من فلسطين؟ أم إن دعم القضية الفلسطينية بالنسبة لحماس ينحصر في تمويل الحركة التي ساهمت بشق الصف الفلسطيني مرارا؟ وهل يذكر أحد أن إيران دعمت يوما معركة بين إسرائيل وحركة حماس إلا لاستعمالها ورقة ضغط في مفاوضاتها مع القوى الكبرى؟ ومع ذلك لا يزال البعض يبرر مواقف حماس الداعمة لمعتد على دول عربية، لا بل ويتهم من لا يدعم حماس بالتخاذل.

حماس هي شبيهة حزب الله، والموقف من حماس لا علاقة له بالموقف من القضية الفلسطينية، حيث إن حماس التي تأسست في نهاية عام 1987 تمثل مصالح حماس والجماعة التي تنتمي لها، والمحور الإيراني الذي تتبع له، ولذلك تتجاهل الحركة كل الدعم المقدم للفلسطينيين من عدة دول عربية ولا تذكر إلا دعم إيران لها، بل وأكثر من ذلك، تشكر إيران وتنحاز لها وتطلب من الدول العربية إعادة الإعمار ودفع الأموال.

غريب جدا أنه وبعد 54 عاما على هزيمة عام 1967 التي حاولوا تجميلها فسموها «نكسة»، وبعد كل نتائج هذه الهزيمة على مر السنين والتي لم تتوقف عند خسارة الأرض، لا يزال البعض مصرا على تطبيق وفرض تطبيق مقولة «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، حتى باتت معاركنا غاية بحد ذاتها ونسي الكثير لماذا نحارب ومن نحارب، وهل حقا تحرير الأرض أهم من تحرير الإنسان؟ ولمن نحرر الأرض إن خسرنا الإنسان؟

لقد قالها محمود درويش في قصيدته تلك: «أعجبنا حزيران في ذكراه الأربعين: إن لم نجد من يهزمنا ثانية، هزمنا أنفسنا بأيدينا لئلا ننسى».وحماس التي لا ترى سوى ذاتها، هزمت نفسها عندما انهزم الإنسان فيها، فالبندقية، أياً كانت، تفقد نبلها ونبل القضية التي تدافع عنها إذا فقد من يحملها ضميره وأخلاقه وحسه الإنساني.