الدور المصري في غزة «التزام تاريخي» يفرضه واقع مليء بالتحديات 

ثقة المجتمع الدولي تؤكد أنه المحرك الرئيسي في القضية الفلسطينية
رفع صور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في قطاع غزة

القاهرة: جاءت زيارة الوفد الأمني المصري لكل من قطاع غزة وإسرائيل بهدف تثبيت الهدنة بين الجانبين بعد التوتر الأخير، لترفع من حالة التحدي التي يخوضها النظام المصري بهدف وضع آليات صارمة لعدم عودة دائرة العنف، والتخفيف من حدة الصراع بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل خلال الفترة القادمة بهدف عودة الحياة إلى طبيعتها، والبحث عن بصيص من الأمل لاستئناف المفاوضات التي تهدف لحل الدولتين وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية بكامل بنودها، وذلك بعد التجاوزات الإسرائيلية الأخيرة التي أدت إلى اشتعال الوضع بعد محاولات تهجير السكان الفلسطينيين من حي الشيخ جراح في القدس لصالح المستوطنين الإسرائيليين وكذلك تجاوزاتهم واستفزازاتهم في المسجد الأقصى .

وكشفت التحركات المصرية إبان الأزمة وبعدها عن حضور الدور المصري وبقوة، وعدم مغادرته قلب القضية رغم حالات التشكيك التي حاولت التقليل من هذا الدور والتي كشفت زيفها اتصالات الدول الكبرى- ومن بينها الولايات المتحدة الأميركية- بالقاهرة للتباحث حول آليات التهدئة وسبل الحل، مما يدل على أن مصر لا زالت تمسك بخيوط القضية، وأن الدور التاريخي لمصر في القضية الفلسطينية ليس فقط هو المحرك لأدواتها وكل عناصرها، وإنما هو امتداد طبيعي لدورها الحالي الذي اتخذ خطوات لا تقل أهمية بدليل التنسيق المستمر بين القاهرة وطرفي النزاع وكذلك المجتمع الدولي ودول التماس في الشرق الأوسط .

 

شراكة مثمرة

الاتصال الذي جرى بين الرئيس الأميركي جو بايدن والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الأزمة وإعلان الخارجية المصرية عن فحوى الاتصال الذي استعرض تبادل الرؤى وبحث المستجدات تجاه القضية الفلسطينية والذي أفضى إلى وقف إطلاق النار، ودعم تثبيت الهدنة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بوساطة مصرية ودعم أميركي أوضح بما لا يدع مجالا للشك دور القاهرة ليس في معترك القضية الفلسطينية والصراع الإسرائيلي الفلسطيني فقط ولكن في قضايا المنطقة ككل، وبيّن كذلك القيمة التي تمثلها مصر في المنطقة سياسيا واستراتيجيا وعسكريا، حيث أعرب الرئيس الأميركي- وفقا لتصريحات الخارجية المصرية- عما سماه «الشراكة المثمرة»بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية مصر العربية، وتطلع الإدارة الأميركية الجديدة لتعزيز علاقتها الثنائية مع مصر خلال المرحلة القادمة في مختلف المجالات، في ضوء ما سمته أميركا الدور المصري المحوري إقليميا ودوليا، وجهودها السياسية الفعالة في دعم الأمن والاستقرار في المنطقة والمساهمة الفعالية في حل أزماتها، فيما أكد الرئيس المصري من جانبه ما تتمتع به العلاقات المصرية الأميركية من قوة، وما تتسم به من طابع استراتيجي، واستمرار مصر في بذل الجهود لتعزيز العلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية في إطار تثبيت ودعم المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، والإشارة إلى الجهود المبذولة من مصر بالشراكة مع المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأميركية لإعادة إعمار غزة واستعادة الهدوء والتنسيق مع الشركاء الدوليين لدعم السلطة الفلسطينية وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه، وأكد الرئيس الأميركي بشكل واضح على تقدير واشنطن لجهود القاهرة والأجهزة المصرية في التوصل لوقف إطلاق النار، معربا عن تقديره للجهود المصرية المستمرة .

إرسال معدات وطواقم فنية مصرية إلى غزة لبدء إعادة الاعمار

قصف إسرائيلي

تحركات الخارجية الأميركية كانت معززة للدور المصري وذلك بعد زيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن للقاهرة، ولقائه بالرئيس المصري ووزير الخارجية سامح شكري، واللواء عباس كامل رئيس المخابرات العامة المصرية، وتأكيده على دور مصر المحوري في القضية الفلسطينية واستئناف عملية المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل، وكذلك إجراءات عملية إعمار غزة بعد القصف الإسرائيلي، وتأكيده كذلك على أن القاهرة شريك رئيسي وفعال للولايات المتحدة الأميركية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية بشكل خاص وقضايا المنطقة على وجه العموم، وأن دور مصر حيوي بالنسبة للجانبين الفلسطيني والإسرائيلي ويهدف إلى العيش في أمان للجميع والتمتع بقدر مساو من الحرية والفرص والكرامة، وهو الحديث الذي يتسق مع تأكيدات الرئاسة والخارجية المصرية من السعي لانخراط أميركي فاعل لعودة الطرفين إلى طاولة الحوار، ونجاح جهود القاهرة في تعزيز التنسيق والتشاور الثنائي فيما يخص تثبيت وقف إطلاق النار، وكذلك آليات عملية إعادة الإعمار لقطاع غزة تماشيا مع المبادرة المصرية.

 

إعادة إعمار

الجهود المصرية كانت حاضرة منذ اللحظة الاولى بعد اشتعال المواجهات، والقصف المتبادل بين الجانبين، وما تعرض له قطاع غزة من تدمير من خلال استهداف بالطائرات الحربية من قبل إسرائيل والذي خلف أعدادا كبيرة من الضحايا، بينهم أطفال ونساء بعد استمرار القصف الإسرائيلي على قطاع غزة حوالي أحد عشر يوما متواصلة مما أسفر عن استشهاد 243 فلسطينيا بينهم 67 طفلا و39 سيدة، وإصابة أكثر من 1900، فيما تسببت الصواريخ التي تم إطلاقها من قطاع غزة في وفاة 12 إسرائيليا وإصابة 335 بجروح وذلك وفقا لمصادر إسرائيلية، وبلغت الخسائر في غزة عشرات الملايين من الدولارات جراء قصف المنازل والمصانع والمزارع والذي أدى لنزوح حوالي 75 ألف فلسطيني بينهم حوالي 29 ألفا لمدارس تابعة لوكالة غوث اللاجئين (الأونروا). 

 

جهود مصرية

وكثفت الخارجية المصرية من جهودها واتصالاتها التي انتهت إلى مقترح لوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ في الوقت الذي أعلنت عنه من قبل الخارجية المصرية وبموافقة الطرفين في قطاع غزة وإسرائيل، ولم تتوقف جهود مصر بعد توقف إطلاق النار بل تواصلت لتثبيت عملية التهدئة وعدم عودة إطلاق النار، ومحاولات الوصول لتفاهمات من خلال تقريب وجهات النظر بين الطرفين والمساهمة في استمرار حالة الهدنة الكفيلة بسير المفاوضات بشكل سلس، ووضع المجتمع الدولي في الصورة بشكل يعزز من عمليات التفاوض ويبني حالة من الثقة التي كانت مفقودة.

واشتملت المبادرة المصرية كذلك على مقترحات إعادة الإعمار لبث حالة من الأمل لدى الجانب الفلسطيني وبدأت هذه المبادرة بإعلان الرئيس المصري في قمة باريس مع الرئيس الفرنسي، والعاهل الأردني مبادرة لتخصيص 500 مليون دولار من مصر لإعادة إعمار غزة، واتخاذ العديد من الإجراءات من بينها فتح المستشفيات المصرية لعلاج المصابين من الأشقاء الفلسطينيين.

 

تجاوزات إسرائيلية

السفير نبيل فهمي، وزير الخارجية المصري السابق، قال في حديث خاص لـ«المجلة»: «الأزمة الحالية حلقة من أزمات سابقة وأزمات قادمة نتيجة للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، والظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني، وإذا أخذنا معدلات التوتر بين الجانبين سنجد تصرفات مشابهة لما حدث، ونلاحظ أن الأزمة الأخيرة بدأت في القدس مع محاولات تهجير الفلسطينيين داخل الضفة الغربية، ومنع الفلسطينيين من الصلاة في المسجد الأقصى، ثم انفجرت الأزمة عبر حدود غزة بالتراشق الذي حدث، ومصر قامت بالتدخل لترتيب وقف إطلاق النار، وهو ما تم بالفعل، وهو أمر طبيعي لأنه لمواجهة أي مشكلة لا بد في البداية من (إطفاء الحرائق)ثم علاج سبب الحريق، فما حدث من تراشق هو الحريق الذي حدث بنسبة غير متوازنة تماما، وتجاوزات ومبالغات إسرائيلية تجاه الأهداف الفلسطينية بدءا من القدس وانتقالا إلى غزة والدليل وفاة أكثر من 60 طفلا فلسطينيا، بالإضافة إلى عدد كبير من النساء أيضا، في حين أن المعدلات الموجودة في الجانب الإسرائيلي أقل بكثير».

وفد أمني مصري رفيع زار غزة

دور مؤثر

وعن دور مصر المؤثر في وقف إطلاق النار من الجانبين وعملية التهدئة، قال فهمي: «مصر لعبت هذا الدور لعدة اعتبارات من بينها أولا دور مصر الممتد والمتواصل تاريخيا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وسعي مصر في كل الأوقات لتحقيق حل سلمي، ووقف إطلاق النار في حالة حدوث مواجهات وإطفاء الحرائق، وهذا حدث من قبل أكثر من مرة من بينها في عام 2012، وفي إبان حكم الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، يضاف إلى ذلك أن مصر تشترك حدوديا مع قطاع غزة، وهي الدولة الوحيدة ربما التي تمتلك علاقات مباشرة ومتصلة ومعلنة مع كافة الأطراف الفلسطينية في غزة والضفة وإسرائيل، كذلك يعد استقرار الأوضاع غرب مصر في ليبيا، وشرق مصر في فلسطين وإسرائيل تعد قضية أمن قومي لمصر، فهناك مصلحة مصرية دائمة في ضبط واستقرار الأمور في دول الجوار تأمينا للمصالح المصرية، ورغبة مصرية في السلام والتنمية، ويعد مرجع الدور المصري تأمين ضبط إطلاق النار ثم الانتقال إلى حل النزاع لأنه مهما كانت كفاءة الدور المصري وطالما لم يتم التعامل مع أسباب الأحداث الأخيرة ستندلع مرة أخرى، وينفجر الوضع مجددا، وسنواجه أزمة أخرى مع إيماني الشخصي العميق أن المشكلة الرئيسية في الجانب الإسرائيلي وتوجه اليمين في عدم وجود رغبة حقيقية لدى هذا التيار لحل الدولتين، ورغم ذلك يجب أن لا نفقد الأمل في السعي للسلام الشامل على أسس الشرعية الدولية والأخذ في الاعتبار عدم وجود احتمال لنجاح جهود عملية السلام في الظرف الحالي، لذلك يجب أن يكون الهدف تحصين أسس عملية السلام حتى لا يدعي أحد أن 67 لم تعد أساسا للحل، أو أن الحق الفلسطيني ليس حقا سياديا في إقامة دولة فلسطينية أو أن القدس الشرقية ليست جزءا من الدولة الفلسطينية، ولهذا يجب تحصين أسس عملية السلام حتى تكون هناك أسس متفق عليها عندما تتوافر ظروف للتفاوض، ويجب تحميل دولة الاحتلال مسؤولية مخالفاتها في حق الشعب الفلسطيني، وفقا لاتفاقية جنيف التي تحمل الدولة المحتلة مسؤولية حماية المواطنين تحت الاحتلال، والتي تفرض عليها أيضا قواعد معينة، وتمنع الإجراءات التعسفية مثل التهجير وهدم المنازل وخلاف ذلك من التجاوزات، وعلى الأطراف العربية العمل وفقا لهذه المسارات ومن الطبيعي اجتهاد الطرف المصري وفقا لذلك أيضا».

 

ظرف سياسي   

وحول الظرف السياسي في إسرائيل وهل سيكون من العوامل المساعدة لحلحلة القضية خلال الفترة القادمة، قال السفير نبيل فهمي لـ«المجلة»: «الظرف السياسي في إسرائيل غير واضح، فهل سيكون هناك تحالف جديد؟ وهل سيعد هذا التحالف- في حال وجوده- بمتناقضاته يستطيع التوافق حول عمل سياسي، أم سينهار سريعا ونجد أنفسنا مرة أخرى في سبيل انتخابات تميل للاتجاه الذي يتبناه نتنياهو والاتجاه الذي يتبناه لابيد المنافس لنتنياهو، وهو جزء من حوار التحالف الجديد، فكلاهما يميني والتحالف المتوقع بين أقصى اليمين ويسار الوسط وأقصى اليسار بهدف واحد فقط وهو إزالة نتنياهو من الساحة السياسية، ولكن يبدو هذا التحالف غير متفق على فلسفة سياسية محددة بعد ذلك، فإذا كان التحالف بالنسبة للبعض أفضل من البديل وهو استمرار نتنياهو في رئاسة الحكومة الإسرائيلية يجب أن نعلم أن هذا التحالف حتى الآن غير واضح المعالم، وغير معلوم مدى إمكانية عمل هذا التحالف بإيجابية».

 

مصر تخصص 500 مليون دولار لجهود إعادة الاعمار في غزة

 

دور محوري 

الجهود المصرية المتواصلة عبر عنها محمود الهباش مستشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس في تصريحات إعلامية ثمن من خلالها الدور المصري الذي وصفه بالمحوري ليس في القضية الفلسطينية فقط ولكن في الشأن الإقليمي والعربي، موضحا حالة التناغم في المواقف بين مصر وفلسطين في مختلف النقاط المتعلقة بالأزمة الأخيرة بشكل خاص، وبالقضية الفلسطينية عامة، وفي مقدمتها ضرورة تثبيت حالة الهدنة في كل الأراضي الفلسطينية، ووقف الانتهاكات والاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات الإسلامية في القدس والضفة الغربية، وإلى ضرورة إطلاق عملية سياسية بهدف إنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي يعد- بحسب الهباش- سبب الأزمة وكذلك سبب 90 في المائة من مشكلات المنطقة، مطالبا بغل يد الاحتلال والمستوطنين ووقف الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات الدينية، وكذلك وقف عمليات التهجير وهدم المنازل، وضرورة البدء في إعادة إعمار ما تم تدميره من قبل الاحتلال الإسرائيلي من خلال آليات تشرف عليها الدولة الفلسطينية بمؤسساتها الرسمية بالتعاون مع مصر والمجتمع الدولي، مؤكدا أن الضمان الوحيد لوصول الدعم لمستحقيه أن يكون من خلال القنوات الرسمية التي تمثل الشعب الفلسطيني».

نبيل أبو ردينة وزير الإعلام الفلسطيني والمتحدث بإسم الرئاسة الفلسطينية وصف في تصريحات إعلامية زيارة الوفد المصري لفلسطين بالمفصلية والتاريخية، والتي تحمل رسائل واضحة من الرئيس المصري للفلسطينيين بأن مصر حريصة على العمل بشكل متواصل لدعم القضية الفلسطينية، مشيرا للتوافق المصري الفلسطيني، وثقة الجانب الفلسطيني في مصر وسياستها وما تملكه القاهرة من قدرات وإمكانيات تعمل من خلالها في سبيل حل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة المستقلة وإعادة الإعمار والعمل على إنهاء الانقسام.

وأشارت جمهورية مصر العربية إلى أهمية حماية الأرواح والوقف الفوري لإطلاق النار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والحيلولة دون حدوث أي استفزازات في القدس مع احترام الوضع القانوني والتاريخي للأماكن المقدسة، جاء ذلك خلال كلمة مصر التي ألقاها السفير محمد إدريس مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك أمام جلسة الجمعية العامة الطارئة التي دعت لها المجموعتان العربية والإسلامية وحركة عدم الانحياز، بشأن التصعيد في الأرض الفلسطينية المحتلة.

وتؤكد مصر مرارا أنه لا سبيل لاستقرار الشرق الأوسط دون التعامل مع جذور المشكلات وواقع الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وضرورة التوصل لحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية التي لا زالت القضية المركزية للأمة العربية، مطالبة بالتحرك الدولي لتفعيل دور الرباعية الدولية واستئناف المفاوضات لإقامة الدولة الفلسطينية وفق خطوط الرابع من يونيو (حزيران) 67 وعاصمتها القدس الشرقية وفقا للمرجعيات الدولية للأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن لحل الدولتين ومبادرة السلام العربية. وأعرب مندوب مصر لدى الأمم المتحدة عن الأمل في أن يسفر وقف إطلاق النار عن اتخاذ إجراءات سريعة وملموسة على الأرض بما يتيح النظر في إحياء مفاوضات سلام حقيقية للوصول لحل عاجل ودائم للقضية الفلسطينية .