الأوهام اللبنانية

إن آمال الناس في حدث يستطيع أن يغير مصير حياتهم البائس في لبنان لهو أمر طبيعي، ولكن أن يتوهم بعض من هم بمرتبة المحللين أو مسؤولي مراكز الأبحاث بأن حدثا ما أو شخصا معينا يستطيع أن يحسن الأوضاع العامة للبلد وينقله من مكان إلى آخر لهو أمر يجب التوقف عنده، لأنه دليل قاطع على الخفة التي تتملك تلك «النخب» التي تدعي المعرفة، ومن المفترض أن تنير درب السياسيين.

خطر الأوهام يعود بالإحباط على الناس عموما، ولكنه أيضا يشوّه حقيقة الأمر الواقع من خلال تبسيطه ونقل صورة غير مطابقة عنه.

لفتني في هذا المجال أكثر من وهم تم تداوله مؤخرا في الصحافة وأيضا على وسائل التواصل الاجتماعي.

تداول كثر اسم نواف سلام كمرشح إنقاذي خاصة بعد استقالة الحكومة الحالية منذ أكثر من 8 أشهر وأصبح بعض المحللين يعتبرون الرجل  مفتاح الحل للأزمة اللبنانية. وهذا وهم. 

قد يكون الرجل مثقفا وهادئا وذا خلفية قانونية صلبة، ومحللا جيدا، ولكن هل هذا كاف لحل الأزمة اللبنانية؟ هل هذا كاف ليقارع رجل وحده قرونا من الممارسات السياسية التي أدت في نهاية المطاف إلى إعلان دولة لبنان الكبير بالشكل الذي نعيشه اليوم؟ إلا إذا قرر البعض أن يحذف من تاريخ لبنان وجبل لبنان أصول العقد الاجتماعي الذي أدى في نهاية المطاف إلى نشوء نظام سياسي بدأ بالقائمقاميتين مرورا بالمتصرفية وصولا إلى الميثاق الوطني فاتفاق الطائف والدوحة؟ كيف لنواف سلام أن يقارع بارونات الطوائف وجمهورهم الواسع والكبير الذي لا يبخل علينا بفرصة إلا ويمجد روح الطائفية والحقد والكراهية من خلال مواقف غير عقلانية غرائزية. كيف لنواف سلام أن يغير عمليا في القوانين المعمول بها؟ هل يستطيع مثلا أن يفرض التعديلات الدستورية التي اقترحها في كتابه الأخير «لبنان من الأمس إلى الغد» إذا ما اعترض عليه بارونات الطائفية؟ كيف يستطيع أصلا أن يؤلف حكومة لا تحظى برضا هؤلاء البارونات؟ البعض يعتقد أن إدخال بعض التعديلات على النظام والتشديد على المبادئ التي تقود إلى انتظام العمل في مؤسسات الدولة وفصل السلطات واستقلالية القضاء، ولكن لهؤلاء البعض كيف السبيل إلى التطبيق العملي لتلك المبادئ؟ أسهل الأمور الكلام وأصعبها التطبيق العملي والترجمة الفعلية لهذا الكلام الذي يصطدم بواقع مذهبي طائفي معقد. مع هذا كله ترى بعضهم يطلب من رئيس جمهورية ثمانيني هرم وتعب أن يضرب بيده على الطاولة ويصارح الشعب بالحقيقة. طبعا كل الوهم أن تكون هناك حقيقة واحدة تشرح ما وصلت إليه حال البلاد، وتستطيع مرجعية سياسية أن تبوح بها من دون أن تستنفر وتواجه مرجعيات أخرى وجمهورها الواسع وبالتالي حقائقها الخاصة بها.  

هناك أيضا أوهام أخرى يتم تداولها خاصة في الشارع المسيحي، ونحن على أعتاب انتخابات نيابية لا يبدو أنها ستقدم أو تؤخر في طبيعة تكوين المجلس النيابي ونوعية ممثلي الشعب، وتتعلق بأهمية الغطاء المسيحي لحزب الله وأنه من دونه سيواجه الحزب صعوبات كبيرة ستمنعه من مواصلة تطبيق استراتيجيته وفرض سياساته على البلد. هذا الوهم لا ينطبق أبدا على الواقع، فعند حزب الله الاستراتيجية والأهداف السياسية والعسكرية المرتبطة بشكل عضوي بطهران و«محور الممانعة» لن يتعطل سواء حصل على الغطاء المسيحي أم لا. يجب أن لا ننسى أن هذا الحزب قام بمواجهة الأكثرية السنية في المنطقة من خلال انخراطه في الحرب السورية واليمنية ومعاداته العلنية للأنظمة الخليجية غير آبه بما بمكن أن يترتب على البلد من تداعيات وخيمة على اقتصاده خاصة أو على سلمه الأهلي. وللحقيقة لم يكن يشعر حزب الله أن أفعاله ستلاقي ردة فعل ما في الشارع لا يستطيع استيعابها. فمن تجرأ وعادى الأكثرية السنية لن يكترث بالطبع للأقلية المسيحية ولا للغطاء الذي يؤمنه لها.

كان من اللافت كلام مستشار أمين عام حزب الله حسين الموسوي وتأكيده أن حزبه قد ورث ميزان الأنبياء والرسل. أي بكلام آخر لا يمكن لأي غطاء أو لأي حليف أن يعارض حزب الله أقله في المسائل المهمّة لأنه بكل بساطة يملك الحقيقة المطلقة التي تؤكد أن قراراته على حق لا تقبل النقاش أو الجدل.

هناك الكثير من الأوهام التي ترافق التحليلات السياسية والمقالات والدراسات أيضا وغالبا ما تكون نتيجة يأس، وافتقاد الشجاعة في مواجهة الحقيقة. بعض تلك الأوهام يضيف لها أصحابها بعدا خارجيا إضافيا لموضوع داخلي صرف، وتقرأ مثلا عن تداخل تركي سعودي مصري في ظل منافسة بين الفرنسيين الألمان معطوف على مفاوضات بين أميركا وإيران تمنع الساسة اللبنانيين من تأليف حكومة. 

فيما الحقيقة بسيطة: هذا النظام الطائفي فيه عطب بنيوي لا تنفع معه أية حلول. وهو ينتقل من أزمة إلى أخرى ومن انفجار إلى آخر ولكنه لا يغادر مستنقعه أبدا. لذا الكثير يقال عن ضرورة الانهيار كسبيل لإعادة بناء الوطن. ولكن أليس من سيبني هذا الوطن أو يعيد صياغة العقد الاجتماعي بين أبنائه من صلب هذا المجتمع؟

كم كان جورج نقاش رؤيويا حين كتب: «إن الميثاق الوطني- وهو الميثاق الأساسي للاستقلال الوطني- يحمل في طياته التناقضات التي تجعل أي حكم مستحيلا (لا للغرب ولا للتعريب)، هكذا بنى المسيحيون والمسلمون تحالفهما برفض مزدوج. أي وحدة وطنية بإمكانها أن تنبثق من تلك الصيغة؟ ما لا يريده نصف اللبنانيين يمكننا رؤيته جيدًا. ما لا يريده النصف الآخر يمكن رؤيته بوضوح شديد. لكن ما يريده النصفان هو ما لا نراه. هذا هو التحدي غير الطبيعي الذي نعيش فيه. أما الجنون فيتمثل في رفع اتفاق بين طرفين إلى مصاف عقيدة دولة- بحيث تعاملت مع الحادث كشيء مستقر- وأن تصدق، أخيرًا أن (لاءين في السياسة يمكن أن ينتجا نعم). الدولة ليست مجموع عجزين- ونفيان لن يصنعا أمة أبدًا».

وهذا الكلام كان صحيحا في العام 1949 وهو صحيح اليوم في 2021. نحن ندفع ثمن يوتوبيا لا تستند إلى واقع بل إلى أوهام لا تستطيع أن تنتج إلا مآسي.