صناعة الكراهية داخل أوروبا... منصات التواصل الاجتماعي تؤجج العنف

دور الاتحاد الأوروبي محدود في إعادة تأهيل الإرهابيين

جدارية للفنان الايطالي تيفي بوي بعنوان «أوقفوا الكراهية» في ميلانو، إيطاليا. (غيتي)

صناعة الكراهية داخل أوروبا... منصات التواصل الاجتماعي تؤجج العنف

بون: ما هي صناعة الكراهية، أو بالأحرى ما هو النص الذي يحرض على الكراهية؟ على الرغم من أن التعبير أصبح شائعًا جدًا، فلا يوجد بعد تعريف محدد ومتفق عليه لخطاب الكراهية، كون البحث عن تعريف مشترك ربما يتعارض مع النقاشات القانونية والسياسية والفلسفية والثقافية حول حدود حرية التعبير.

التحدي الذي يواجه الحكومات تحديدا وربما محركات الإنترنيت بشكل أقل هو إيجاد موازنة بين رصد ومتابعة خطاب الكراهية وحرية التعبيير عن الرأي في زمن العولمة والرقمنة وتكنولوجيا G5(الجيل الخامس) من التكنولوجيا الرقمية. يشمل خطاب الكراهية «جميع أشكال التعبير التي تنشر أو تحرض أو تروج أو تبرر الكراهية العنصرية أو كراهية الأجانب أو معاداة السامية أو غير ذلك من أشكال الكراهية القائمة على التعصب، بما في ذلك التعصب الذي يعبر عنه العدوانية القومية والعرقية والتمييز والعداء تجاه الأقليات والمهاجرين والأشخاص من أصول مهاجرة وفقًا لتوصية مجلس أوروبا عام 1997».

ويعتبر التجنيد والاستقطاب واحدا من أبرز المخاطر، من خلال برامج وتطبيقات «مفخخة»للجماعات المتطرفة التي تعمل على غسيل الدماغ والتأثير، عدا عن ذلك تستخدم الجماعات المتطرفة الصورة والصوت إضافة إلى المحتوى للتأثير على المتلقي من الشباب خاصة.

الشرطة الألبانية تقوم بحراسة مسجد دين هوكا بعد أن دخل رجل المسجد وأصاب 5 أشخاص بأداة قطع لسبب غير معروف في تيرانا بألبانيا في 19 أبريل 2021. (غيتي)

معايير محاربة خطاب الكراهية

لا يوجد إلى الآن في أوروبا معايير ثابتة في محاربة خطاب الكراهية، لكن دون شك جميعها يعود إلى الصكوك والمواثيق الدولية، أبرزها توصيات الأمم المتحدة حيث نص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن«أي استئناف للكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية يشكل تحريضًا على التمييز أو العداء أو العنف يجب أن يحظره القانون».

وعلى الرغم من الغموض والمناقشات السياسية المحيطة بالمصطلح نفسه، فقد تمت مناقشة خطاب الكراهية أيضًا باعتباره مشكلة تكنولوجية؛ من ناحية، هو يمثل مشكلة لأن منصات وسائل التواصل الاجتماعي و«خوارزمياتها»تساعد في توليد تواصل بغيض وغير متسامح وانتشاره الواسع فيالمجتمع. بينما يجد مطورو العالم الرقمي والباحثون صعوبة في تحديد محتوى الكراهية ومن ثم مراقبته عبر الإنترنت يتم تطوير حلول خوارزمية مختلفة للتعرف على الكلام الذي يحض على الكراهية والوقاية منه من قبل شركات المنصات وكجزء من مشاريع البحث الأكاديمي ومع ذلك، فإن معظم الحلول الحالية ينقصها العامل البشري.

ويمكن أن تستند معايير الاستبعاد في خطاب اليمين المتطرف إلى العرق، والثقافة، والدين، الجنس من الناحية التحليلية، بالطبع، هذه المعايير متميزة ومع ذلك، في العالم الحقيقي، غالبًا ما تكون مختلطة، ومهمة الباحث هي فصل الخطاب المتطرف وكشف أسبابه عند الجماعات المتطرفة بمختلف أطيافها، إسلاموية ويمينية ويسارية.

 

التحديات

كانت الموجة الأخيرة من الهجمات الإرهابية على أوروبا خلال السنوات الأخيرة منذ عام 2015، بمثابة تذكير حاد بأن الإرهاب لا يزال يمثل خطرًا حقيقيًا وقائمًا، ومع تطور هذا التهديد، يجب أن يكون هناك تطور في آليات المواجهة.تتطلب الطبيعة العابرة للحدود للشبكات الإرهابية اتباع نهج جماعي قوي على مستوى الاتحاد الأوروبي، نهج يحمي ويدعم التعددية في المجتمع وعدم تهديد العوامل المشتركة داخل المجتمع الواحد، ومن حق الأفراد أن يشعروا بالأمان على الإنترنت مثلما هو الحال في واقع حياتهم اليومية. وأثارت هجمات اليمين المتطرف على المهاجرين والأقليات الأخرى مخاوف جديدة بشأن العلاقة بين الخطاب التحريضي على الإنترنت وأعمال العنف، فضلاً عن دور الشركات والدولة في ضبط الكلام.

يقول المحللون إن الاتجاهات السائدة في جرائم الكراهية حول العالم تعكس التغيرات في المناخ السياسي، وإن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تزيد من حدة الخلاف.وفي أقصى حالاتها، ساهمت الشائعات والفتنة التي يتم نشرها عبر الإنترنت في حدوث أعمال عنف تتراوح من الإعدام خارج نطاق القانون إلى التطهير العرقي.

وقد أصبح خطاب الكراهية التمييزي عبر الإنترنت، مشكلة ملحة في المجتمعات ومن شأنه أن يؤدي إلى خلق العداوات وتهميش الأفراد والجماعات من المشاركة عبر الإنترنت.ما يمثل تحديًا هو أن خطاب الكراهية يشير الآن إلى مجموعة متنوعة من أفعال الحديث وغيرها من السلوكيات السيئة التي تحدث عبر الإنترنت، وتزداد صعوبة التعريف تعقيدًا بسبب الادعاءات القائلة بأن أي قيود على خطاب الكراهية تعرض حق الناس في حرية التعبير للخطر.

 

مساعٍ أوروبية لمحاربة الخطاب المتطرف

ازدادت بشكل ملحوظ تصورات التهديد فيما يتعلق بخطاب الكراهية ونظريات المؤامرة خاصة عند اليمين المتطرف. وأظهرت الهجمات التي وقعت في فرنسا والنمسا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 أن خطر الإرهاب بكل أنواعه لا يزال قائما وحادا في أعقاب جائحة كورونا مطلع عام 2020.

وفي أعقاب ذلك بذل الاتحاد الأوروبي جهودا من أجل تحديث جدول أعمال مكافحة الإرهاب للاتحاد الأوروبي(EU) في نهاية عام 2020 شمل خلالها مجموعة واسعة من الموضوعات. ورغم ذلك، فإنه يشهد أيضًا على عدم تجانس اختصاصات الاتحاد والمصالح المختلفة للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

ويظل دور الاتحاد الأوروبي محدودًا عندما يتعلق الأمر بإعادة تأهيل الإرهابيين والوقاية المجتمعية الواسعة من التطرف. من ناحية أخرى، يمضي الاتحاد الأوروبي قدمًا في مجموعة من اللوائح لإزالة المحتوى غير القانوني عبر الإنترنت. هذه الأجندة التشريعية المشتركة هي أيضًا جزء من شراكة متجددة عبر الأطلسي. ومع ذلك، فإن الإجراءات الاستباقية ضد الإرهاب شهدت تقدما داخل دول أوروبا.

 

قانون يلزم المنصات الإلكترونية بحذف المحتوى المتطرف

كانت ألمانيا أول دولة في العالم تتبنى قانونًا يلزم المنصات الإلكترونية بالرد على الشكاوى المبررة من قبل المستخدمين عن طريق إزالة المحتوى غير القانوني، تحت طائلة غرامات تصل إلى 50 مليون يورو. دخل قانونNetzDG حيز التنفيذ في 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2017، بعد نقاش سياسي حاد. إذا اشتكى المستخدم من محتوى «غير قانوني بشكل واضح»، يجب على النظام الأساسي إزالته في غضون 24 ساعة.

وفي حالات أخرى، أمامها سبعة أيام للرد والاتصال مع وكالات إنفاذ القانون، ويشير منتقدو القانون إلى أن قانونNetzDG لا يتطلب أمرًا من المحكمة قبل إزالة المحتوى. في ضوء الأطر الصارمة، قد يشجع التهديد بالغرامات التنظيمية المنصات على إزالة محتوى أكثر من اللازم.

وكان قانونNetzDG بمثابة مصدر إلهام لقانون فرنسي مشابه (قانون مكافحة المحتوى الذي يحض على الكراهية على الإنترنت، أو Loi Avia)، بالإضافة إلى نظير نمساوي (قانون منصة الاتصالات، أو KoPl-G). تم اعتماد قانونLoi Avia في يوليو (تموز) 2019، لكن المجلس الدستوري الفرنسي ألغى معظم أحكامه، ووجد أنه ينتهك حرية التعبير بما يتجاوز درجة تتناسب مع الهدف المنشود، وبالتالي فهو غير دستوري.على الرغم من انقلاب Loi Avia، أنشأت فرنسا في نهاية المطاف «مرصد الكراهية على الإنترنت»، الذي تم إطلاقه رسميًا في يوليو 2020.

هذه التشريعات لديها القدرة على زيادة المساءلة، ولكن كقاعدة عامة، يجب أن يتم توجيهه نحو زيادة الشفافية والتأكد من أن الجهات التعليمية والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية ووسائل الإعلام يتم تمويلها بشكل جيد، من أجل تشكيل وتقديم جهود مكافحة التضليل بشكل صحيح،بدءًا من ضمان بيئة إعلامية أكثر تعددية إلى تعزيز الثقافة الإعلامية.

هناك حاجة أيضًا إلى التمويل الكافي لدعم البحث لإلقاء الضوء على كيفية عمل حملات المعلومات المضللة ودور شركات التكنولوجيا في تمكينها. في حالة إساءة الاستخدام، يمكن للتشريعات أن تحد من الحقوق الأساسية، لذا يجب تجنب اللغة الواسعة والعقوبات، والتي يمكن أن تزيد من فرصة إساءة الاستخدام.

يمضي الاتحاد الأوروبي قدمًا في مجموعة من اللوائح لإزالة المحتوى غير القانوني عبر الإنترنت

شبكة أوروبية للتوعية من التطرف (RAN)

تتمثل المهمة المركزية لسياسة مكافحة الإرهاب في الاتحاد الأوروبي في احتواء التهديدات الهيكلية والتي يشكلها المتطرفون الجهاديون واليمينيون. يحاول الاتحاد الأوروبي القيام بدور تنسيقي منذ سنوات على وجه الخصوص، أطلقت المفوضية شبكة التوعية بالتطرف (RAN)، التي تضم الآن أكثر من 3200 عضو من الأوساط الأكاديمية والحكومية والمجتمع المدني.

 تتمثل مهمة الشبكة في تعزيز المشاريع التجريبية وأفضل الممارسات عبر الحدود ونشر نتائج الأبحاث الجديدة. في عام 2019، تم إنشاء مجلس توجيه إضافي لتقديم المشورة للدول الأعضاء بشأن سياسات الوقاية الخاصة بها. وتتبنى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مناهج غير متسقة وغير منسقة عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع المدانين بالإرهاب.

ترى الباحثة في مركز أوروبا، فرانسيس بورويل، أنه من الضروري تشكيل مجلس رقمي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كمنتدى للحوارات الاستراتيجية رفيعة المستوى لبناء إجماع عبر الأطلسي حول السياسة الرقمية والتكنولوجية.بينما تواجه إدارة بايدن الجديدة أولويات سياستها الخارجية، يجب أن لا تتجنب الجدل الرقمي الذي يلوح في الأفق مع حلفائها الأوروبيين. ولا تتوافق السياسة عبر الأطلسي بشأن الفضاء الرقمي بأي حال من الأحوال بين صانعي السياسة الأميركيين والأوروبيين. بينما اتبعت الولايات المتحدة نهج عدم التدخل إلى حد كبير في التنظيم، ويعمل الاتحاد الأوروبي كرائد في التنظيم الرقمي. ومع ذلك، فإن تأثيرات السياسات الرقمية لا تتوقف عند حدود بعضها البعض، وستستمر الانقسامات عبر المحيط الأطلسي في التنظيم في إحداث عواقب وخيمة. ويعتبر الاتحاد الأوروبي مجالًا جيدا للتعبير عن الحرية، حيث يجب أن يكون كل شخص قادرًا على الوثوق في ضمان حريته وأمنه وحمايته بشكل جيدللديمقراطية وسيادة القانون واحترام الحقوق الأساسية وخاصة الحق في الخصوصية وحرية التعبير وحرية الدين واحترام التنوع.

تقول فيرا جوروفا، نائبة رئيسة المفوضية: «المنصات يجب أن تضطلع بالمسؤولية أكثر وتقديمها للمحاسبة والعمل بشفافية». وذكرت إيلفا يوهانسون، مفوضة الشؤون الداخلية في الاتحاد الأوروبي في 13 نوفمبر 2020: «نعلم أن قضية الهجمات التي ضربت فرنسا، كانت الدعوة إليها عبر الإنترنت، وتمت من خلال دعوة منظمات إرهابية للانتقام من إعادة نشر رسوم شارلي إيبدو»،مضيفة: «هذا يؤكد الحاجة الملحة إلى تبني مقترحات المفوضية الأوروبية بشأن تبديد المحتوى الإرهابي الذي ينشر عبر الإنترنت، وأنا ممتنة لكل الجهود التي بذلتها الرئاسة الألمانية».

تقييم

بات ضروريا التركيز على جرائم الكراهية وخطاب الكراهية ضد أفراد المجتمع، وبشكل عام، تهدف جرائم الكراهية وخطاب الكراهية إلى تقويض كرامة وقيمة الإنسان المنتمي إلى فئة اجتماعية معينة- بناءً على لون بشرته، وعرقه، ودينه، ومعتقده، وجنسه، وميوله الجنسية، وهويته الجنسية، وخصائصه الجنسية».

إن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تثير جرائم الكراهية، لكن يمكن الرد عليها ومعالجتها أيضا من ذات وسائل التواصل الاجتماعي، أي يمكن استخدام نفس التكنولوجيا التي تعمل على تحفيز نشطاء الديمقراطية من قبل مجموعات الكراهية التي تسعى إلى التنظيم والتجنيد.كما يسمح للمواقع الهامشية، بما في ذلك المتطرفون، بالوصول إلى جمهور أوسع بكثير من قرائهم الأساسيين.تعتمد نماذج الأعمال الخاصة بالمنصات عبر الإنترنت على زيادة أوقات القراءة أو المشاهدة، نظرًا لأن منصة «فيسبوك»والمنصات المماثلة تجني أموالها من خلال تمكين المعلنين من استهداف الجماهير بدقة بالغة، فمن مصلحتهم السماح للأشخاص بالعثور على المجتمعات التي سيقضون فيها معظم الوقت.

 

ما ينبغي العمل عليه

على الحكومات ومنصات الإنترنت، بذل المساعي لمنع وصول الخطاب المتطرف أصلا إلى المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، وهذا يتطلب إجراءات فنية ورقابة بشرية وخوارزمية شديدة. إن استراتيجية محاربة الخطاب المتطرف على الإنترنت، يجب أن تكون مصحوبة بمعالجات الخطاب كل على حدة، أي لا يتم فقط حذف النص المتطرف، بل يجب الرد عليه أيضاً.

وينبغي عدم التقيد بالإجراءات التقليدية في الحذف ومنع المواقع على الإنترنت، بل يتطلب الأمر تدخلات أوسع من خلال حملة رسائل مضادة لمعالجة المحتوى المتطرف مع تبني التدابير والإجراءات، لمحاربة التطرف والإرهاب، على مستوى بعيد استراتيجي، وأن لا يكون مجرد إجراءات ردود فعل.

وبات ضروريا أيضا تقديم بدائل سببية للروايات المتطرفة الكاذبة: تشير أبحاث العلوم الاجتماعية إلى أن الناس أكثر عرضة للإقناع بالتصحيحات التي توفر بديلاً سببيًا لمعتقداتهم الموجودة مسبقًا.

font change