الانتخابات الرئاسية في إيران... بوابة لعهد ما بعد خامنئي

وسط موجة مقاطعة عارمة
أنصار المرشح الرئاسي إبراهيم رئيسي (غيتي)

طهران: تشهد إيران يوم الجمعة 18 يونيو (حزيران) انتخابات رئاسية يتنافس فيها ٧ مرشحين تم انتقاؤهم من بين المئات الذين سجلوا للترشح ورُفضت أهليتهم. فهؤلاء السبعة هم: إبراهيم رئيسي، وسعيد جليلي، وعلي رضا زاكاني، ومحسن رضائي، وأمير حسين قاضي زاده هاشمي، ومحسن مهر علي زادة، وعبد الناصر همتي.

وتتمتع هذه الانتخابات بأهمية استثنائية قياسا بـ12 انتخابا رئاسيا سابقا تمت منذ قيام الثورة الإيرانية في 1979 وذلك لأسباب مختلفة أبرزها تقدم المرشد الأعلى علي خامنئي في السن واحتمال وفاته خلال السنوات الأربع أو الثماني المقبلة التي سيترأس فيها الرئيس الجديد البلاد.

طهران ، إيران - 17 يونيو: ملصقات المرشح محسن رضائي في شوارع طهران. (غيتي)

سيف التزكية يحذف كل من لا يريده المرشد

قبل أن نسهب في موضوع هذه الانتخابات الرئاسية والتي تتزامن أيضا مع انتخابات مجالس البلدية في إيران ينبغي التنويه بأن الدستور الإيراني يمنع النساء وأهل السنة وأهل الكتاب وسائر الفرق الشيعية من الترشح للانتخابات الرئاسية ويؤكد على أن يكون رئيس الجمهورية من المذهب الشيعي الاثنى عشري فقط. كما أن الانتخابات لم تكن حرة وديمقراطية ونزيهة طوال عهد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فعلاوة على الفئات المذكورة آنفا، فإن النظام يمنع ترشح العلمانيين من الليبراليين واليساريين وكذلك الذين لم يؤمنوا بمبدأ ولاية الفقيه. غير أن «فلتر»مجلس صيانة الدستور الذي يشرف على تزكية المرشحين أخذ يضيق عاما بعد عام ليشمل حتى الإصلاحيين والمعتدلين المؤمنين بمبدأ ولاية الفقيه، بل وشخصيات بارزة ساهمت في ترسيخ نظام الجمهورية الإسلامية.

ويقوم مجلس صيانة الدستور المكون من 6 فقهاء شيعة و6 قانونيين بتزكية المرشحين لمنصب رئاسة الجمهورية وكذلك مندوبو البرلمان الإيراني. وللتعرف على مدى تأثير المرشد الأعلى على هذا المجلس نقول إنه هو الذي يختار الفقهاء الست ورئيس السلطة القضائية (المعين أساسا من قبل المرشد) الذي يختار بدوره القانونيين الست ليصادق عليهم البرلمان.

ويستخدم المرشد الحالي علي خامنئي مجلس صيانة الدستور كأداة لحذف الشخصيات التي لا يرغبها ولو كانوا حتى من قادة الثورة أو شخصيات لها باع في الجمهورية الإسلامية.

على سبيل المثال لا الحصر، رفض هذا المجلس في العام 2013، أهلية هاشمي رفسنجاني للترشح للانتخابات الرئاسية فيما كان رفسنجاني، الرجل البارز في مجلس قيادة الثورة عشية قيامها وقائدا للقوات المسلحة خلال الحرب الإيرانية-العراقية (80-1988) ورئيس البرلمان ورئيس الجمهورية لعدة دورات، بل كان عنصرا حاسما في انتخاب خامنئي مرشدا للبلاد من قبل مجلس الخبراء في العام 1989.

وفي هذه الدورة لم يزكِ مجلس صيانة الدستور أهلية علي لاريجاني، وإسحاق جهانغيري- نائب الرئيس الحالي حسن روحاني- وعلي مطهري نجل مرتضى مطهري منظر الجمهورية الإسلامية المقتول في 1979، ومحمود أحمدي نجاد الرئيس السابق لفترتين، وكذلك العشرات من المسؤولين السابقين في نظام الجمهورية الإسلامية بمن فيهم وزراء وبرلمانيون سابقون. وعلي لاريجاني كان من قادة الحرس الثوري ورئيسا للبرلمان لثلاث دورات ولمدة 12 عاما، وهو المقرب من خامنئي ويعد مندوبه في صفقته الأخيرة مع الصين، غير أن خامنئي لم يطقه خشية أن يلتف المعتدلون والإصلاحيون حوله ويؤدي ترشحه إلى خلق ثنائية تشابه ثنائية روحاني- رئيسي في الانتخابات الرئاسية السابقة، يمكن أن تثير منافسة حادة تسفر عن فشل المرشح المتشدد الذي يُرجح انتخابه ضمن مخطط يسعى إليه هو وقادة العسكر المتحالفون معه في الكتلة المهيمنة على السلطة في البلاد، بل ومن المحتمل أن تؤدي إلى قلاقل واضطرابات تشبه تلك التي حدثت في انتخابات 2009، وذلك على أرضية الاستياء العام الناجم عن المصاعب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الخانقة التي يعاني منها المواطن الإيراني. والنظام يعرف أنه كلما كانت الانتخابات تنافسية أكثر تكون المشاركة فيها أكبر، وهذا ما كان يتبجح به وزير الخارجية محمد جواد ظريف أمام الإعلام الغربي ليبرر شرعية نظامه.

أنصار المرشح عبد الناصر همتي (غيتي)

القوميات والانتخابات

أخذت الشعوب غير الفارسية، ومنذ انطلاق المنافسة بين القوى الإصلاحية والمحافظة في العام 1997 تفرض نفسها على أجندة المرشحين للرئاسة في إيران عندما أخذ المرشح الإصلاحي محمد خاتمي يغازل تلك الشعوب وتمكن بفضل ذلك أن يهزم غريمه المحافظ علي أكبر ناطق نوري. وقد استمر الوضع على هذا المنوال حتى تمكن محسن مهر علي زادة من أن يحصل على معظم أصوات إقليم أذربيجان الإيراني بسبب أصوله التركية الأذرية وطرح مشاكلهم القومية، والتاريخ يعيد نفسه؛ حيث هو وعبد الناصر همتي يحاولان حاليا كسب ود الشعوب غير الفارسية، وخاصة الأتراك بسبب ثقلهم الديموغرافي في إيران. ويحاول إبراهيم رئيسي وباعتباره «سيداًمن سلالة النبي محمد»،أن يدغدغ المشاعر الدينية للأهوازيين، غير أن أغلبية أبناء الشعب العربي الأهوازي تنادي بمقاطعة الانتخابات الرئاسية بسبب الويلات التي حلت بهم إثر حكم رجال الدين والتمييز العنصري الذي يعانون منه في إيران. كما أن سائر الشعوب أيضا خاب أملهم من وعود لم تنفذ حول حقوقهم القومية طيلة السنوات الأربع والعشرين المنصرمة، وهناك شكوك في مشاركتهم الواسعة في الانتخابات الرئاسية.   

 

ما هي خطة خامنئي؟

من المؤكد أن الفريق الأمني-العسكري بقيادة خامنئي أخذ يخطط منذ أشهر ليصل إلى نقطة تجنبهم أي نوع من القلاقل والاضطرابات وتؤدي إلى انتخاب رئيس محافظ تابع وخانع لخامنئي وموثوق في ولائه له لعدم تكرار سيناريو أحمدي نجاد. ويبدو أن الديكتاتور (اللقب الذي أعطاه المتظاهرون لعلي خامنئي في مظاهرات وانتفاضات سابقة) يتوقع وفق الخطط المهندسة، خروج إبراهيم رئيسي من صناديق الاقتراع وهو مرشحه المفضل لأسباب عديدة، منها أن رئيسي لا يمكن أن يكون منافسا قويا للشخص الذي يسعى علي خامنئي أن يكون خليفة له كمرشد للجمهورية الإسلامية: أولا لأنه فشل أمام روحاني في الانتخابات السابقة، كما أنه سيواجه عند تسلمه مقاليد الرئاسة وتصديه للمهام التنفيذية، جبلا من المشاكل التي لا يمكن له أن يحلها لأسباب بنيوية وسيصبح منفوراً أكثر فأكثر لدى الجماهير الإيرانية مثل حسن روحاني حاليا، وثالثا أن ملف إبراهيم رئيسي أسود وأياديه ملطخة بدماء أكثر من 4 آلاف سجين سياسي- كانوا يقضون فترة أحكامهم في سجون إيران- تم إعدامهم من قبل مجموعة تتكون من 3 قضاة أحدهم إبراهيم رئيسي، وهذا ما اتهمه به الرئيس الحالي حسن روحاني في مناظرته معه في الحملة الانتخابية عام 2017 حيث قال بالحرف الواحد إنه «لا يعرف شيئا إلا الإعدام». كما وصفها رجل الدين المنشق حسين علي المنتظري القائمقام السابق للخميني بأنها أكبر جريمة في تاريخ الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فوفق خطة الغرف المظلمة المخططة لسيناريو خلافة علي خامنئي في حال وفاته فإن الخيار المحبب لدى المرشد الأعلى وقادة الحرس الثوري ورجال الدين المحافظين هو نجله مجتبى خامنئي الذي يمكن فرضه كقائد بمساعدة رؤساء السلطات الثلاث الموالين كاملا لخامنئي ومجلس الخبراء الذي يهيمن عليه المتشددون.

ملصق انتخابي للمرشح محسن رضائي (غيتي)

المشاركة والمقاطعة

فلم يشهد تاريخ الانتخابات في إيران منذ قيام الثورة قبل 42 عاما، شبه إجماع إزاء الانتخابات الرئاسية المقبلة كما هو عليه حاليا. فعلاوة على معظم القوى الإيرانية المعارضة والمجموعات والشخصيات السياسية للقوميات غير الفارسية في الخارج، هناك موجة عارمة من المقاطعة في الداخل تتمثل بإعلان معظم الإصلاحيين بعدم دعم أي مرشح وانتقادات لاذعة وجهها حفيد الخميني- الذي منعه خامنئي من الترشح- لمجلس صيانة الدستور، والأكثر صراحة من ذلك ما أعلنه مير حسين موسوي زعيم الحركة الخضراء القابع تحت الإقامة الجبرية منذ 11 عاما، وتاج زادة النائب السابق لوزارة الداخلية والمرشح المرفوض، والرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، وفائزة هاشمي رفسنجاني البرلمانية السابقة وابنة الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني ووجوه سياسية وفنية وثقافية أخرى طالبت الجماهير بأن تقاطع التصويت وتبقى في بيوتها يوم الجمعة. وفيما رفض الجسم الرئيسي لحركة الإصلاحيين دعم أي مرشح للرئاسة هناك فئة صغيرة من الإصلاحيين بمن فيهم رئيس البرلمان الأسبق والقابع تحت الإقامة الجبرية أيضا مهدي كروبي، تدعو لدعم عبد الناصر همتي رئيس المصرف المركزي في حكومة روحاني، للحيلولة دون انتخاب إبراهيم رئيسي أو أي مرشح متشدد آخر كي لا يكملوا مشروعهم القاضي بدفن الجمهورية وإقامة «حكومة إسلامية»خالصة، طالما حلم بها خامنئي والأصوليون التابعون له، حسب قولهم. كما يميل بعض الإصلاحيين في الخارج إلى هذا الخيار، لكن هذا التيار يبقى صغيرا في الداخل والخارج، اللهم إلا إذا حدثت أمور طارئة خلال الأيام القليلة التي تفصلنا عن يوم الاقتراع.

لدى المتشددين قاعدة شعبية لا تتجاوز 15 في المائة من نسبة المشاركين في الانتخابات، ويتوقع أن يقاطع الانتخابات الرئاسية أكثر من خمسين في المائة من المشاركين، فيما هناك منطقة رمادية تتأرجح بين هاتين النسبتين ستحدد نسبة المشاركة يوم الجمعة. ويعتقد المقاطعون أن انخفاض نسبة المشاركة في هذه الانتخابات ستزيل الشرعية الشعبية عن النظام الإيراني داخليا وخارجيا وستهيئ الأرضية لاحتجاجات وانتفاضات مقبلة ستكون أوسع حجما من سابقاتها.