برلمان جديد للجزائر

لم تتجاوز نسبة المشاركة في الانتخابات 23.03 %
النساء أكبر المتضررات من قانون الانتخابات الجديد («المجلة»)

الجزائر: في نتائج غير متوقعة، وبعد أشهرٍ من التجاذب وصل حد الاستقطاب بين الجزائريين بشأن أول انتخابات نيابية في الجزائر بعد حراك 22 فبراير (شباط) 2019، والذي أطاح بالرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة بعد عشرين عاماً من الحكم، حصدت الأحزاب التقليدية الموالية للنظام غالبية المقاعد البرلمانية، وهي النتائج التي اعتبرها متابعون غير متوقعة، لكنها منطقية بالمقابل لعدة اعتبارات، أبرزها المقاطعة الواسعة للجزائريين لهذا الاستحقاق، إلى جانب النظام الانتخابي الجديد الذي كان في صف الأحزاب التقليدية والقديمة في المشهد السياسي.

وهذه الانتخابات هي سابع انتخابات برلمانية منذ 30 عاما، بعد أن احتكر حزب جبهة التحرير الوطني العمل الحزبي منذ الاستقلال في عام1962  دون أن يتاح النشاط القانوني لأي حزب آخر. وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد حدد12 يونيو (حزيران) موعدا للانتخابات التشريعية المبكرة بعد أن أعلن في فبراير (شباط) الماضي عن حل المجلس الشعبي الوطني.

وتأتي هذه الانتخابات في إطار إصلاحات سياسية وعد بها تبون بعد احتجاجات عامة أجبرت سلفه عبد العزيز بوتفليقة على الاستقالة في عام 2019  بعد أن قضى 20 عاما في سدة الحكم، وفي مارس (آذار) الماضي، أصدر تبون أمرا يحدد بموجبه الدوائر الانتخابية وعدد المقاعد المطلوب شغلها في انتخابات أعضاء المجلس الشعـبي الوطـني أو الغرفة الأولى بالبرلمان الجزائري والتي يبلغ عددها 407 مقاعد وتوزع المقاعد لكل دائرة انتخابية بحسب عدد سكان كل ولاية أو محافظة، كما يحدد عدد المقاعد في كل دائرة انتخابية على أساس تخصيص مقعد واحد لكل120  ألف نسمة على أن يخصص مقعد إضافي لكل حصة متبقية تشمل 60 ألف نسمة.

 

نسبة المشاركة في الانتخابات لم تتجاوز 23.03 في المائة («المجلة»)

ورغم أن الحراك الشعبي الذي ما زال متواصلاً ببعض المدن الجزائرية على غرار مدينتي تيزي وزو وبجاية، قبل أن يتم وقفه بالعاصمة بأمر من وزارة الداخلية، التي اعتبرت أن المسيرات التي تنظم يومي الثلاثاء والجمعة غير قانونية، لأنها يجب أن تخضع لتصريح مسبق، وفقاً لما أقره الدستور الجديد المعدل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، رغم أن هذا الحراك رفض المشاركة في هذه الانتخابات التي اعتبرها فرصة للنظام لتجديد نفسه، إلا أن المشاركين في الانتخابات وبشكل خاص في القوائم الحرة والمستقلة، وبعض الأحزاب السياسية التي لا تحسب على السلطة تمسكت بخيط أمل رفيع على أن تكون هذه الانتخابات بوابة للتغيير السياسي السلمي، وحمل بعضهم شعار ضرورة تغيير النظام من الداخل، إلا أن النتائج التي أعلن عنها رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، محمد شرفي، أعطت مشهداً مغايرًا لما توقعه متابعون، فحزب جبهة التحرير الوطني، حزب الأغلبية في الانتخابات البرلمانية التي نظمت خلال عهد بوتفليقة ورئيسه الشرفي لسنوات حاز على العدد الأكبر من المقاعد بـ 105 مقاعد من مجموع 407 مقاعد، في حين جاءت القوائم المستقلة في المركز الثاني بـ78 مقعداً، وكانت التوقعات الأولى تشير إلى إمكانية حصد القوائم الحرة لأغلبية مقاعد البرلمان لعدة اعتبارات أبرزها أن هذه القوائم عددها فاق عدد القوائم الحزبية بنسبة 56 في المائة، ووصل عدد المرشحين المستقلين إلى أكثر من 12 ألف مترشح، كما حظيت هذه القوائم وخاصة تلك التي ضمت عددا كبيراً من الشباب ما دون الأربعين على دعم مالي خاص من الدولة، حيث منح مبلغ يصل إلى نحو 1800 دولار لكل مترشح من أجل تمويل حملته الانتخابية.

وخلال فترة الدعاية الانتخابية برز تكتلان شبابيان هما «المسار الجديد» يقوده السياسي الشاب منذر بوذن القيادي في حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي كان يرأسه الوزير الأول القابع في السجن أحمد أويحي، والتكتل الثاني حمل اسم «نداء الوطن» ويضم عشرات الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، تحت الإشراف المباشر لنزيه برمضان مستشار الرئيس تبون المكلف بالجمعيات، وحملت العشرات من القوائم الانتخابية أسماء مرشحين من هذا التكتل.

في المركز الثالث حلّ حزب حركة مجتمع السلم بـ64 مقعداً، وهو حزب محسوب على حركة الإخوان المسلمين، وكان رئيسه عبد الرزاق مقري قد استبق إعلان النتائج الرسمية بتصريح عبر حسابه في موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» أعلن فيه صدارة حزبه للنتائج في مختلف المحافظات الجزائرية، وحتى خارج البلاد، وحذّر في بيانه مما سماه «محاولات واسعة لتغيير النتائج وفق السلوكيات السابقة، ستكون عواقبها سيئة على البلاد ومستقبل العملية السياسية» وطلب من الرئيس تبون «حماية الإرادة الشعبية المعبر عنها فعلياً وفق ما وعد به».

السلطة الوطنية للانتخابات ردت على بيان مقري بإبداء استيائها من تصريحات الرجل، وجاء في البيان الذي حصلت «المجلة» على نسخة منه: «إن مثل هذه التصريحات تمس بالتزام السلطة المستقلة ونزاهتها التي يشهد لها بالداخل والخارج. إضافة إلى أنها تمس بأخلاق الدولة وصون بناء الجمهورية الجديدة ودعوة مبطنة إلى زرع الفوضى و التشكيك». وواصلت ذات الهيئة، في هذا الإطار أنها «ستعرض نتائج الانتخابات أمام الشعب ليتبين الصادق من المفتري».

في المركز الرابع حل التجمع الوطني الديمقراطي بـ57 مقعداً، وهو أحد الأذرع القوية للنظام السابق، حيث كان يتولى رئاسته الوزير الأول القابع في السجن أحمد أويحي بتهم فساد، يليه في المركز الخامس حزب حركة البناء الوطني بـ40 مقعداً وهو حزب ذو توجه إسلامي وإخواني، وقياداته انشقت عن حزب حركة مجتمع السلم بعد وفاة مؤسسها الأول محفوظ نحناح، حيث دخلت الحركة آنذاك في نزاعات كبيرة من أجل الزعامة تسببت في انشقاق وتفتت الحركة إلى عدة أحزاب أبرزها جبهة التغيير وحركة البناء الوطني التي يرأسها حاليا عبد القادر بن قرينة وزير السياحة السابق في عهد بوتفليقة، فيما تقاسم المقاعد المتبقية جبهة المستقبل وباقي الأحزاب السياسية المشاركة في الاستحقاق.

في المقابل، بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية التي شهدتها الجزائر، السبت،23.03  في المائة في رقم هو الأدنى تاريخيا، بحسب الأرقام الرسمية غير النهائية التي أعلنتها السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، الثلاثاء. ومن أصل24  مليون شخص يحق لهم الاقتراع، أشارت السلطة إلى أن5.6  مليون شخص أدلوا بأصواتهم، علما بأن أكثر من مليون من هذه الأصوات اعتبرت ملغاة. وخلال استفتاء نوفمبر بلغت نسبة الامتناع عن المشاركة 70 في المائة. وعلى سبيل المقارنة، فقد بلغت نسبة المشاركة35.70  في المائة خلال الانتخابات التشريعية عام 2017 . كما بلغت 42.90 في المائة عام 2012.

وكان هناك ترقب لنسبة المشاركة، بعدما شهد الاستحقاقان الانتخابيان السابقان (الاقتراع الرئاسي عام 2019 والاستفتاء الدستوري عام 2020)، نسبة امتناع غير مسبوقة عن التصويت بلغت 60 في المائة و76 في المائة على التوالي. لكن الرئيس عبد المجيد تبون رأى في تصريح لصحافيين بعد اقتراعه في مركز بسطا والي في الضاحية الغربية للعاصمة الجزائرية، أن هذه النسبة «لا تهم». وقال «سبق أن قلت إنه بالنسبة لي، فإن نسبة المشاركة لا تهم. ما يهمني أن من يصوت عليهم الشعب لديهم الشرعية الكافية لأخذ زمام السلطة التشريعية». وتابع «رغم ذلك، أنا متفائل من خلال ما شاهدته في التلفزيون الوطني أن هناك إقبالاً، خصوصاً لدى الشباب والنساء. أنا متفائل خيراً».

ومن أبرز الملاحظات على النتائج الرسمية المؤقتة، والتي سيتم اعتمادها من طرف المجلس الدستوري بعد انتهاء فترة الطعون، هو التراجع الحاد للعنصر النسوي في البرلمان الجديد، حيث تراجع عدد النواب النساء من 120 في آخر برلمان منتخب عام 2017 إلى 34 نائبا من العنصر النسوي في البرلمان الجديد، وذلك بعد التخلي عن قانون الكوتة أو الحصة والذي يفرض تواجد 30 في المائة من النساء في هذه المؤسسة التشريعية بقانون جديد وهو المناصفة الذي يفرض أن تكون النساء في قوائم الترشيحات بنسبة لا تقل عن خمسين في المائة، لكن قانون الانتخابات الجديد والذي اعتمد مبدأ القوائم المفتوحة أي اختيار الناخب لمرشحه المختار بشكل مباشر من إحدى القوائم المرشحة كان السبب المباشر في تراجع حصة المرأة.

 

رئيس السلطة الوطنية للانتخابات اعتبر الانتخابات عرسا لكل الجزائريين («المجلة»)

نتائج الانتخابات مثلما كان متوقعاً أثارت انقساماً واسعاً بين الجزائريين، بين من رحب بها واعتبر أن الأهم في الموضوع أن تكون الانتخابات نزيهة دون النظر في نسبة الاقتراع المتدنية على اعتبار أن ظاهرة العزوف ليست وليدة اليوم بل هي صفة تتميز بها أغلب الانتخابات الجزائرية منذ سنوات، في المقابل يحمّل المشاركون في الانتخابات مسؤولية النتائج للمقاطعين الذين تركوا برأيهم المجال لعودة الأحزاب التي طالب الحراك برحيلها، هؤلاء يعتبرون أن الانتخابات والمسار الدستوري هو الوحيد للتغيير، في حين يرى الرافضون للانتخابات، أن الأمر لا يتعلق بالانتخابات كعملية سياسية بل بالمسار السياسي الذي أقرته السلطة منذ رحيل بوتفليقة، وهو مسار تم وضعه من جانب أوحد وهو السلطة بشكل يضمن لها الاستمرار ويقصي كل التشكيلات السياسية المعارضة بما في ذلك الحراك الشعبي، لذلك اعتبروا أن المشاركة في الانتخابات لا معنى لها، ويعطي فقط فرصة للنظام لتجديد نفسه بغطاء شرعي.

في حديثه لـ«المجلة» يعتقد المحامي والناشط الحقوقي مصطفى بوشاشي أن الانتخابات التي جرت لا يمكن بأي حال أن تكون حلاً للأزمة السياسية التي تشهدها البلاد وفق تقديره، ويؤكد بوشاشي ذلك بقوله: «لا أعتقد أن هذا المسار الانتخابي حل للأزمة السياسية التي تعيشها الجزائر، بالعكس هذا المسار على غرار مسارات سابقة سيعمق الأزمة السياسية في الجزائر»، ويبرر بوشاشي وجهة نظره بالقول: «أغلبية الشعب الجزائري لم يشارك في انتخابات الرئاسة ديسمبر (كانون الأول) 2019، ولم يشارك في استفتاء الدستور نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، النظام السياسي لتمرير هذه الانتخابات يقوم باعتقال النشطاء ويقوم بقمع المسيرات السلمية التي يشهد على سلميتها العالم أجمع، وأنها تخرج للمطالبة بالحقوق المشروعة أبرزها الديمقراطية»، ويتابع بوشاشي قائلاً: «تخبط النظام من خلال محاولات تمرير خارطته من أجل استمراره، للأسف الشديد كانت هناك فرصة حقيقية أن تذهب الجزائر إلى توافق وإلى انتقال سلس من أجل الديمقراطية لكن تعنت النظام واستخفافه بتطلعات الشعب الجزائري سيضعف الجزائر، ويعمق الأزمة السياسية، وهو أمر مؤسف ومحزن، من يسيرون الشأن العام ليس لهم إدراك بمخاطر عدم الاستماع إلى تطلعات الشعب وعدم الذهاب إلى توافقات، لأجل هذا الانتخابات ستعمق من الأزمة ولن تكون حلاً لها».

حزب العمال، وهو حزب يساري مقاطع للانتخابات، والذي ترأس أمانته العامة لويزة حنون أكد في بيان له أن النتائج الأولية لاقتراع12  يونيو الجاري تعود بالجزائر إلى نفس الأسباب التي فجّرت ثورة22  فبراير 2019. ويرى الحزب في بيانه أن «أغلبية الشعب الساحقة عبرت مرة أخرى من خلال نسبة امتناع غير مسبوقة عن إنكار واضح لكل عملية سياسية ترمي لإنقاذ النظام الممقوت الموروث عن نموذج الحزب الواحد». وتابع البيان: «لم تتمكن لا الوسائل المالية والمادية الضخمة التي خصصت لهذا الاقتراع ولا توظيف خطر التدخل الخارجي، ولا الدعاية الرسمية ولا ضغط وسائل الإعلام العمومية والخاصة الداعمة للسلطة من كسر عزيمة أغلبية الشعب أو زعزعة ضميرها الجماعي». وذكر الحزب أن «هذا الغضب يعتبر بمثابة استمرارية للتعبئة العمالية والشعبية والشبانية والفئات المتوسطة المنهكة، واستمرارية لإضرابات العمال والموظفين في جل القطاعات».

وفي المقابل اعتبر حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية أن الانتخابات التشريعية عمّقت الفجوة بين السلطة والشعب، قائلا إن «تكرار نفس السيناريو يعكس جهل الحكّام بأثر سياستهم غير المحسوب على مصير الأمة». وأضاف الأرسيدي في بيان له عبر الصفحة الرسمية للحزب في موقع التواصل الاجتماعي أن «العملية الانتخابية متواصلة على نفس النهج السابق، وهو ما يعكس العجز عن خلق طموح استرجاع ثقة الشعب في المؤسسات وخلق استقرار سياسي». ويرى الأرسيدي أن «التشريعات جاءت بعد عملية غلق كبير، تبعها قانون انتخابات من طرف واحد»، محذرا من «نتائج غياب الشرعية كأساس للقوانين وبناء مؤسسات الدولة». كما حذّر الحزب من مآلات تضخيم نسب المشاركة، قائلا إن ذلك النهج «هو الوسيلة المفضلة لانتقاء المرشحين والحفاظ على مكانة زبائن النظام في السلطة».

الأحزاب الفائزة في السباق الانتخابي سارعت إلى مباركة النتائج، وفي ندوة صحافية عقدها أمين عام حزب جبهة التحرير الوطني بمقر حزبه في حيدرة عشية الإعلان عن النتائج، قال أبو الفضل بعجي: «اتخذنا خلال الحملة الانتخابية من (نتجدد ولا نتبدد) شعارًا، أما اليوم بعد النتائج المحققة نقول (نتجدد ونتمدد)». وأثنى بعجي على «وعي الناخبين بمشاركتهم في الاستحقاقات الفائتة رغم المناورات التي كانت تُحاك لعرقلة إجراء الانتخابات في موعدها» -حسبه- كما أشاد المتحدث بأداء سلطة الانتخابات في مرافقة العملية الانتخابية رغم حداثة تجربتها، وبالمقابل أشار إلى تسجيل بعض التجاوزات يوم الاقتراع والتي اعتبرها «معزولة».

من جانبه، قال الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، الطيب زيتوني، الأربعاء، إن «العملية الانتخابية في الجزائر تعرف عزوفًا وليس مقاطعة، وهذا بسبب المشاكل الاجتماعية التي تعاني منها مختلف فئات المجتمع»، مشيرًا إلى أن «أغلب المُنتخبِين هم كوادر ومجاهدون». وفي هذا الصدد، أوضح المتحدث أن «نسبة المشاركة المعلن عنها حقيقة على عكس نتيجة السنوات الماضية التي كانت حسبه مزورة».

 

مطالبات بالتغيير(«المجلة»)

وكان الاتحاد البرلماني العربي قد أصدر بيانًا حول الانتخابات التشريعية التي أُجريت في الجزائر. وهنأ رئيس الاتحاد، صقر غباش، الجزائر بمناسبة الاستحقاق الدستوري الذي وصفه بالركيزة في مسيرة التطور الديمقراطي والتغيير والإصلاح.

وأكد بيان الاتحاد البرلماني العربي، على أمله في «قدرة الجزائر على إطلاق مرحلة سياسية ديمقراطية جديدة تلبي طموحات الشعب في إرساء حكم ديمقراطي على أساس المساواة والمشاركة»، مضيفًا «نتمنى التوفيق والنجاح لأعضاء المجلس الشعبي الوطني الجزائري الجدد في تحمل مسؤولياتهم الجسام». وأعرب الاتحاد عن وقوفه ودعمه للجزائر بالقول: «نجدد مباركتنا لمسيرة الجزائر الديمقراطية والتنموية ومساعيها الصادقة لتعزيز المشاركة السياسية على أوسع نطاق والنهوض بكل قوة واقتدار في كل مناحي الحياة».

الواضح والأكيد أنه بعد الانتخابات، وبعد عدم أي تشكيل سياسي على الأغلبية المطلقة لتشكيل الحكومة، تبدأ الحسابات السياسية على أساس النتائج التي انتهت إليها الانتخابات. وبصورة الوضع الجزائري، ومعطياته الاقتصادية والاجتماعية والتوازنات السياسية المعقدة خاصة، فإن البلد حسب الكاتب والباحث عثمان لحياني «يتوجه بالضرورة نحو إعادة استنساخ نفس تجربة التحالف الرئاسي الذي أنجز عام 1999، وبنفس الأضلاع السياسية الرئيسية تقريباً جبهة التحرير والتجمع الديمقراطي ومجتمع السلم وأحزاب أخرى».

وفي قراءته لنتائج الانتخابات، يعتقد الدكتور والباحث في العلوم السياسية عبد الله هوادف في حديث خص به «المجلة» أنه «لا يمكن أن تنشأ خارطة سياسية جديدة في ظل بقاء ملامح النظام السياسي الجزائري على حالها، و الانتخابات الرئاسية في نهاية 2019، والتعديل الدستوري وقانون الانتخابات اللذين أعقباها، لم تحمل أية تعديلات جوهرية على البنية المؤسساتية للنظام وآليات عمله». ولذلك جاءت برأيه «نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة متوافقة مع حقائق الواقع السياسي القائم، فالأحزاب ذات التجربة السياسية الطويلة والانتشار التنظيمي تقاسمت فيما بينها أغلبية مقاعد البرلمان».

وعن ربط بعض المتابعين لنتائج الانتخابات بمعضلة العزوف التي تتسم بها معظم المواعيد الانتخابية الجزائرية حتى ما قبل الحراك، يقول هوادف: «الأثر المباشر لنسبة المشاركة المتدنية هو حرمان القوائم المنبثقة من الحراك، والتي تحمل شعارات التغيير من فرصة المنافسة على مقاعد البرلمان، في الوقت الذي خرج فيه مؤيدو الأحزاب التقليدية لدعم مرشحيها ومساندتهم». ومن جهة أخرى يتابع قائلاً «ستكون الأحزاب المقاطعة أمام تحد سياسي كبير مستقبلا، إذ إن فرص التحرك خارج الأطر القانونية غير ممكنة عمليا في ظل القبضة الحديدية التي باتت تمارسها السلطة في وجه احتجاجات الشارع، كما أن عودتها للمنافسة الانتخابية ستضعها في وضع حرج أمام مؤيديها الرافضين لكل أشكال المشاركة السياسية في ظل القواعد الموجودة حاليا».

وعن إمكانية تأثير النتائج على مصداقية البرلمان وشرعيته يقول هوادف «لا أعتقد أن السلطة تهتم حقا لنسبة المشاركة في الانتخابات، وربما كان العكس هو الصحيح، إذ إن مشاركة واسعة للناخبين تعني بالضرورة حرمان أحزاب السلطة من وضعها التنافسي المهيمن، وربما أرغم ذلك أجهزة السلطة على اللجوء للتزوير على نطاق واسع كما كان يحصل سابقا. وذلك أمر له انعكاسات غير مرغوب فيها». أما مسألة الشرعية فينظر إليها من طرف السلطة حسب المتحدث بمنظور مختلف، إذ المهم لديها حسب تعبيره هو «إدراكها هي لفكرة الشرعية، والقائم على تعريف السلطة لنفسها على أنها شرعية لأنها تعمل في ظل القواعد التي وضعتها هي، مع وجود قبول دولي كاف لشرعيتها. أما رضا المحكومين فليس هاجسا كبيرا يحسب له، بحكم طبيعة النظام وتقاليده التسلطية المتجذرة». كما أن مكانة البرلمان في النظام السياسي الجزائري وصلاحيات الجهاز التشريعي وأدواره برأي هوادف «لا تجعل منه فاعلا أساسيا في إدارة الشأن العام، حتى لو أن أغلبية من المعارضة حصلت على جل مقاعده فإن الأثر السياسي والتشريعي لذلك يبقى محدودا جدا، بالنظر خاصة إلى هيمنة السلطة التنفيذية والصلاحيات الواسعة الممنوحة لرئيس الجمهورية».

وعن تشكيل الحكومة المرتقبة يقول هوادف إنها تبقى ضمن صلاحيات الرئيس وربما- يتابع قائلا: «تمنح حقائب وزارية للتشكيلات السياسية الأربع القريبة من السلطة: جبهة التحرير الوطني، والتجمع الوطني الديمقراطي، وجبهة المستقبل، وحركة البناء الوطني»، أما حركة مجتمع السلم وفق تقديره «فمستبعد مشاركتها في الحكومة بسبب الخط السياسي الذي تنتهجه منذ وصول عبد الرزاق مقري إلى رئاستها».