بايدن وبوتين في قمتهما الأولى 2021

مخرجات محدودة وقضايا شائكة

باكو: على ضفاف بحيرة جنيف في فيلا «لاغرانج» السويسرية في قلب القارة الأوروبية، عُقدت القمة الأولى بين الرئيس الأميركي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين في تمام الساعة الواحدة ظهرا في السادس عشر من يونيو (حزيران) الجاري (2021)، حيث تصافحا قبل بدء نقاشاتهما، ليؤكد كل منهما على أهمية هذا اللقاء الذي يأتي بعد توتر شهدته علاقات البلدين خلال الشهرين الماضيين (مارس وأبريل 2021 على أثر التراشق اللفظي الذي بلغ حد نعت بايدن لنظيره الروسي بالقاتل، وما اتخذته موسكو من قرارات ردا على ما يتعرض له الدبلوماسيون الروس من مضايقات في الولايات المتحدة)، إذ خاطب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأميركي بايدن وهو يجلس بجانبه بقوله: «أود أن أشكرك على مبادرتك باللقاء اليوم... العلاقات الأميركية- الروسية شهدت تراكم الكثير من القضايا التي تتطلب الاجتماع على أعلى المستويات»، وهو ما أكد عليه أيضا الرئيس الأميركي في رده بأنهما: «سيحاولان تحديد مجالات التعاون والمصالح المشتركة... إنه من الأفضل دائماً أن نلتقي وجها لوجه».

وغني عن القول إنه رغم ما شهدته بدايات اللقاء من ترحيب متبادل من الطرفين إلا أنها لم تغير من مخرجات هذه القمة التي لم تتجاوز سقف التوقعات التي سبقت عقدها على حد وصف يوري أوشاكوف مستشار الرئيس بوتين للسياسة الخارجية، بقوله: «لست متأكداً من أنه سيتم التوصل إلى أي اتفاقات»، وذلك استنتاجا للتصريحات الواردة على لسان الرئيسين قبيل القمة مباشرة، إذ حملت عبارة الرئيس الأميركي جو بايدن قبل يوم واحد من القمة حول تعهده الالتزام بالخطوط الحمراء في التعامل مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، تأكيداً على قناعته بمستوى تدني سقف التوقعات من هذه القمة، وذلك ردا على العبارة التي أطلقها الرئيس بوتين قبل أسابيع عندما نبه إلى أن بلاده رسمت ملامح خطوطها الحمراء في التعامل مع الغرب عموماً والولايات المتحدة على وجه الخصوص، متعهدا بالدفاع عن مصالح روسيا باستخدام كل الآليات لضمان عدم انتهاك هذه الخطوط.

* جنيف استضافت عام 1985 آخر قمة بين آخر رؤساء الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف، والرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان

ولذا، لم تكن مصادفة أن تُعقد القمة دون وجود جدول أعمال محدد وواضح، وإنما يمكن القول إنه قد تم التوافق على وضع جدول إطاري يتسع لمختلف الملفات سواء أكانت ملفات دولية على غرار مكافحة جائحة فيروس كورونا وتغيرات المناخ أو ملفات تتعلق بالخلافات بينهما على غرار الأوضاع في أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية على موسكو وقضايا حقوق الإنسان وسباق التسلح، ومما يؤكد على ذلك توسيع حجم الوفد المرافق لكل منهما، إذ شمل الوفد الروسي كلا من وزير الخارجية سيرغي لافروف ونائبه سيرغي ريابكوف، ورئيس الأركان العامة فاليري غيراسيموف، ومساعد الرئيس يوري أوشاكوف، ونائب رئيس إدارة الرئيس الروسي ديمتري كوزاك، والمتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، ومبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرينتييف، بالإضافة إلى سفير موسكو لدى واشنطن أناتول أنطونوف. في حين شمل الوفد الأميركي وزير الخارجية أنتوني بلينكن، ونائبته للشؤون السياسية، فيكتوريا نولاند، ومستشار الأمن القومي جاك سوليفان، والمسؤول المعني بشأن روسيا وآسيا الوسطى في مجلس الأمن القومي إريك غرين، وسفير واشنطن لدى موسكو جون سوليفان.

وفي ضوء ما سبق، يستعرض هذا التقرير القمة الرئاسية الأولى بين البلدين من خلال محورين على النحو الآتي:

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن والرئيس الأميركي جو بايدن مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (من اليسار إلى اليمين) (غيتي)

أولا: جنيف بين قمتين رئاسيتين أميركية- روسية (1985- 2021)

جاء عقد القمة الحالية بين الرئيسين (الأميركي والروسي) بمبادرة أميركية حينما اقترح الرئيس الأميركي جو بايدن على الروسي فلاديمير بوتين في مكالمة هاتفية جرت في أبريل (نيسان) 2021، عقد اجتماع على أرض محايدة، وهو الاقتراح الذي قوبل من الرئيس الروسي في وقت لاحق بمبادرة أخرى لإجراء  مباحثات على الهواء مباشرة، ليتوصل الطرفان إلى الاتفاق على أن تجرى هذه المباحثات في العاصمة السويسرية جنيف التي استضافت عام 1985 آخر قمة بين آخر رؤساء الاتحاد السوفياتي قبل تفككه ميخائيل غورباتشوف، والرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان.

* القمة لم تحقق الحد الأدنى من الطموحات في تقريب وجهات نظر الرئيسين حيال كثير من الأزمات الخلافية

ومع مضي ما يزيد على ثلاثة عقود ونصف العقد من الزمان على هذه القمة التي استضافتها جنيف، فكان طبيعيا أن يتغير المشهد العالمي كثيرا وتتبدل قسماته وتتحول جوانبه، وهو ما يفضي إلى التغير بدوره فى الاستراتيجيات والسياسات والآليات والوسائل، إلا أن التشابه بين الحدثين ربما كان مستهدفا أن يكون فيما أفرزته قمة 1985 من تأثيرات جذرية في إعادة رسم خريطة التفاعلات الدولية في الفترة التي أعقبتها، إذ تمخضت عنها  نتائج كانت بداياتها تكمن فى الانتهاء الفعلي للحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، فقد تم التوصل خلالها إلى تفاهمات غطت العديد من مناحي الشؤون العالمية، ساعد في ذلك طبيعة الأجواء الداخلية في البلدين والدولية كذلك، حيث مهدت الطريق للتوصل إلى هذه التفاهمات، وهو ما افتقدته القمة الحالية التي شهدت ليس فقط توترا في علاقاتهما فحسب، بل شهدت تباينات واسعة في مصالحهما الدولية والإقليمية، فضلا عن أزماتهما الداخلية التي فرضت على الرئيسين مزيدا من الضغوط في إدارة كل منهما للملفات الخلافية التي اتسعت مساحات التباين بينهما بشأنها، وهو ما جعل القمة الحالية تتشابه مع قمة 1985 في مكان انعقاد فقط، في حين تباينت معها في تفاصيلها كافة.

 

ثانيا: القمة الرئاسية 2021... التحديات لا تزال مستمرة

بعد محادثات استمرت نحو ما يزيد على ثلاث ساعات وهو ما كان أقل من المتوقع، عقد الرئيسان (الأميركي والروسي) مؤتمرين صحافيين مستقلين عبر خلالهما كل منهما عن رؤيته بشأن مخرجات القمة، وهو ما يعطى مؤشرا على أن القمة لم تحقق الحد الأدنى من الطموحات في تقريب وجهات نظر الرئيسين حيال كثير من الأزمات الخلافية. صحيح أنه وفقا لما أعلنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فى مؤتمره الصحافي عقب انتهاء القمة، أشار إلى أن نتائجها جاءت محددة في الاتفاق على ثلاث نقاط رئيسية، هي:

  • الاتفاق على عودة السفراء بين البلدين، حيث أشار نائب وزير الخارجية الروسي إلى: أن «السفير الروسي لدى الولايات المتحدة سيعود إلى عمله بحلول نهاية الشهر الجاري».
  • تمديد اتفاقية ستارت النووية لمدة 3 سنوات أخرى.
  • إطلاق حوار حول الاستقرار الاستراتيجي في أقرب وقت بما يحد من مخاطر الصراعات المسلحة انطلاقا من إيمانهما بأنه لا يوجد فائز في الحروب النووية.

ولكن على الجانب الآخر، ظلت ثمة تباينات بين البلدين، وذلك على حد وصف الرئيس الروسي بوتين بقوله: «بحثت مع الرئيس بايدن تحقيق الاستقرار الاستراتيجي، والولايات المتحدة وروسيا عليهما مسؤولية لتحقيق ذلك... لدينا اختلافات مع واشنطن بشأن قضايا عدة، ونسعى لإيجاد أرضية مشتركة مع بايدن لحل الخلافات بين البلدين»، وهو المعنى ذاته الذي عبر عنه الرئيس الأميركي بايدن في مؤتمره الصحافي، حينما أشار إلى أنه: «لدينا اختلافات، وأريد من الرئيس بوتين أن يتفهم لما أقول وأفعل، وكيف نتفاعل مع أحداث محددة تؤذي المصالح الأميركية».

لم تغير هذه القمة من سقف التوقعات الذي رسمته التصريحات قبلها

وقد تمحورت الخلافات بين البلدين في كثير من النقاط، أبرزها ما يأتي:

  • الأزمة الأوكرانية وعضويتها فى حلف شمال الأطلسي (الناتو) والوجود الأميركي على الحدود الروسية، حيث أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على التزام دولته بتطبيق وتسهيل اتفاق مينسك الموقع في 5 سبتمبر (أيلول) 2014 بشأن وقف الحرب في دونباس بأوكرانيا، والذي وقع عليه ممثلو أوكرانيا والاتحاد الروسي وجمهورية دونيتسك الشعبية وجمهورية لوهانسك الشعبية ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.
  • حقوق الإنسان في روسيا، تمثل هذه القضية واحدة من أبرز الخلافات بين البلدين، بل تمثل قضية محورية على حد وصف الرئيس بايدن بأن «حقوق الإنسان ستكون دوما على الطاولة». وفي هذا الخصوص تبرز قضية اعتقال المعارض الروسي أليكسي نافالني والتي رفض الرئيس بوتين التعليق عليها باعتبار أن اعتقاله جاء على خلفية أنه «انتهك القانون الروسي». ولكن رغم ما قد يبدو من محورية هذه القضية وحساسيتها في علاقات البلدين إلا أن ما قدمه الرئيس الأميركي بايدن من مبررات بشأن الاهتمام الأميركي بها يعكس حرصه على عدم التصعيد في هذا الملف، إذ أشار الرئيس بايدن إلى ذلك بقوله: «لا يمكن لرئيس أميركي أن لا يدافع عن قيم البلاد الديمقراطية أو الحريات العالمية والأساسية، وأن الأمر ليس متعلقا بمطاردة روسيا عند ارتكابها انتهاكات لحقوق الإنسان ولكن بما نحن عليه»، وهو ما قد يُفهم من سياق حديثه أن القضية تأتي نتيجة تباين رؤى البلدين ومواقفهما حيال تعاملهما في الملف الحقوقي.
  • الهجمات السيبرانية، حيث تم الاتفاق على بدء المشاورات بشأن هذه الهجمات، إلا أن الرئيس الروسي أشار إلى أن «أكبر عدد من تلك الهجمات يأتي من الولايات المتحدة».
  • القطب الشمالي، حيث مثلت قضية استغلال ثروات هذه المنطقة محورا مهما في التباينات الأميركية الروسية، بسبب سياسات كل منهما، وقد حرص الرئيس بوتين على تأكيد أهمية مراعاة المصالح المتبادلة، وذلك بقوله: «قمنا بتجديد البنية التحتية على حدودنا في القطب الشمالي. وملتزمون بالقوانين الدولية، ولم نعمل على انتهاكها في تلك المنطقة».

خلاصة القول إن التقارب بين البلدين يظل الاحتمال الأكثر تحققا بينهما في قادم الأيام، رغم التحديات التي تشهدها علاقاتهما، وهو ما يجعل من هذه القمة خطوة مهمة في مسار خفض مستوى التوتر مع فاعل يهدف إلى العودة إلى قمة النظام الدولي، ولديه مساحة من التفاهمات مع الرؤية الأميركية التي يحملها الرئيس جو بايدن بشأن العودة الأميركية للهيمنة على مقدرات النظام الدولي، إذ إن هدف الرئيس الأميركي من هذه القمة هو العمل على تبريد السخونة في علاقات بلاده مع روسيا، بما يُمكنها من مواجهة الصعود الصيني الذي تعتبره الولايات المتحدة عدوا استراتيجيا كما عبرت عن ذلك الوثيقة المؤقتة للأمن القومي الأميركي الصادرة في بداية هذا العام، وكما عبر عن ذلك البيان الصادر عن قمة حلف الناتو الأخيرة التي سبقت لقاء القمة بين الرئيسين، إذ يُمكن قراءة الخطاب الأميركي في توصيفه للقادمين إلى قمة النظام الدولي بأنها في حالة صراع مع الفاعل الصاعد (الصين) وفي حالة منافسة مع الفاعل العائد (روسيا)، يدلل على ذلك مفردات هذا الخطاب حيال العلاقة مع روسيا والتي عبر عنها الرئيس الأميركي بايدن في مؤتمره الصحافي بقوله: «إن كان لدي أنا والرئيس بوتين مسؤولية مشتركة فريدة لإدارة العلاقة بين بلدين قويين، علاقة يجب أن تكون مستقرة ومتوقعة يمكن خلالها التعاون فيما يخص مصالحنا المشتركة»، كما يدلل على ذلك أيضا أن القمة قد سبقتها قمة أميركية مع حلفائها الأطلسيين والأوروبيين ليؤكد بايدن على أن لقاءه يأتي مُؤيدا من جانب هؤلاء الحلفاء الذين يشاركون بلاده تقييم مخرجات القمة (الأميركية الروسية) بعد عقدها كما أعلنت عن ذلك وزارة الخارجية الأميركية بأن نائبة وزير الخارجية للشؤون السياسية، فيكتوريا نولاند، التي كانت ضمن الوفد المرافق للرئيس الأميركي في القمة، ستبحث نتائجها مع ممثلي الناتو والاتحاد الأوروبي.

جدوى الكلام أن القمة الأخيرة رغم محدودية مخرجاتها في ظل تباين مواقف الإدارتين الأميركية والروسية في التوجهات والمنطلقات، والتعارض في المصالح، إلا أنها تمثل خطوة مهمة يمكن البناء عليها في التوصل إلى تفاهمات عدة، تحافظ على المصالح المشتركة للبلدين، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار نتائج القمة الأميركية التي عُقدت في يوليو (تموز) 2017 بين الرئيسين الأميركي السابق دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين ولم تحقق انفراجه حقيقية بين البلدين رغم حماسة ترامب للتقارب، ليعطي ما أفرزته القمة الحالية بعدا إيجابيا قد يفتح مجالا لمزيد من التفاهمات في المستقبل.